بقلم: المصطفى مسالي

40.  تعلمت أن الأفعال ثلاثة: ماض ومضارع وأمر؛ والأَمْرُ: ضِدُّ النَّهْيِ وأحوال الصالحين مختلفة، فمنهم من فكرته في السابقة ومنهم من اشتغل بإصلاح وقته الذي هو فيه عن الفكرة في مستقبله وماضيه، ومنهم من فكرته في الخاتمة، وما سوء الخاتمة؟ إلا تأجيل التوبة والتراخي حتى يدركنا الأجل المحتوم، وتبلغ الروح منا الحلقوم؛ سوء الخاتمة موتة رديئة، وقبر مظلم بظلام جهنم، قبر هو حفرة من حفر جهنم، ثم سؤال ملكين غليظين شديدين، ثم افتضاح يوم العرض والنشور على رؤوس الأشهاد، أمام الخلائق. ثم الميزان والصراط والعقاب إن لم يغفر الله. نعوذ بالله.

41.  تعلمت من فعل الأمر آداب الآتي/المستقبل: ومنها الغيبة عنه ونظر ما يبرز من عين القدرة، تاركا لله التدبير والاختيار، مستسلما لما سيبرز من عند الواحد القهار، لأن من لم يُدَّبر دُبِّر له، وما دبره الحق لك أحسن من تدبيرك لنفسك، فعسى أن تدبر شيئا ما وتختاره وهو وبال عليك، فالله أرحم بك من نفسك، وأعلم بمصالحك منك؛ وتعلمت منه أيضا أن الأمر مبني على السكون، والسكون يشير إلى الدوام، كما أن الحركة تعني الزوال، وجواب الأمر مجزوم إذ ليس للمأمور لسان الاعتراض، وما شأنه إلا الاستسلام والتزام مقتضى الأمر، فنعت المعارضة من المأمور مجزوم، وغير الانقياد والخضوع منهما معدوم؛ فدبِّروا ألَّا تُدبِّروا، فالله هُوَ المُدَبِّرُ على الإطلاق، كم قال الإمام عبد القادر الجيلاني رحمه الله. ولله در أبو الحسين النوري إذ يقول:

وكم رمت أمراً خرت لي في انصرافه** فلا زلت بي مني أبر وأرحما

عــزمت على ألا أحــسن بخاطر** على القــلب إلا كنت أنت المــقدما

وألا تراني عنـــدما قــد كرهته** لـكــــونك فـــي قــلبي كبيراً معــظما

طالع أيضا  في دلالات وعِبَرِ الأمثال الشعبية (3).. "شْحالْ قَدّك من أستغفر الله يا البَايْت بْلا عْشا"

42.  تعلمت من فعل الأمر أن أكسر طوق التقليد؛ فالعرب يقول: ورجُلٌ إمَّرٌ، كإِمَّعٍ وإِمَّعَةٍ أي: ضعيفُ الرَّأْيِ يُوافِقُ كُلَّ أحَدٍ على ما يُريدُ من أمْرِهِ كُلِّه، والإمَّرُ الذي لا يزال يستأمِر النّاسَ وينتهي إلى أمرهم. قال الأصمعي: الإمّرُ الرّجل الضعيف الرأي الأحمق، ومنه تعلمت أن التقليد قيد والنمطية تراجع ونكوص، وأن المقلد والنائم والمترخص والكسلان والبطيء فهم أمثلة الفشل…

43.  تعلمت أن فعل الأمر مجزوم ومعزوم عليه أبدا، وهو الذي يوصل صاحبه إلى حضرة الله ومحل الأنس لا يحجبه فتور ولا قصور ولا عي ولا ملل، بل لم تزل فيه عزيمة لا يقر قرارها، دائما تسايره إلى أن يصل إلى مراده، فيصير طلب وجه الله معشش قلبه، فيه يسكن، وإليه يأوي، ومن فاته الله فاته كل شيء، والطريق مُشْرَعَةٌ إلى الله عز وجل إلى يوم القيامة في وجه من طلب، وجدَّ، وصبر، ووجد الدليل والرفيق، ووجد من يغسله وينقيه ويغذوه ويكسوه ويُجَمِّله حتى يصلح لتلك الحضرة، ومن طلب وجدَّ وجد.

يا رب قيِّــــض قبـــــل حين مَنيَّـتي***عَـــبـداً مُــنـيـبـــــــاً أتَّـخـــــذه خــلـيـــلاً

أنِـــفَ الفـــؤادُ من الحيـاة بـــدونكم***فمـــتى أصيــب إلى الوصـــول ســـبيلاَ؟

ومتـــى تَدارَكـُني عنــــاية فضلـــكُــم***ومــــتى ألاقـي في الطـريقِ دليــــــلاَ؟

44. تعلمت من فعل الأمر أن الجوازم التي تجزمه وتحرمه من نيل المنزلة وبلوغ المرتبة هي عند أهل التربية والسلوك: الكبر والحسد وحب العلو والتسلط، والعُجب والرياء وعدم توقير أولياء الله، والانتقاد عليهم، والطعن على المؤمنين، والطمع في الخلق، والخوف منهم، والميل إلى أهل الظلم، والركون إليهم، والوقوف مع المقامات والكرامات، وحلاوة الطاعات، والاستغراق في علم الظاهر ونسيان الباطن، والتعرض للعلويات والغيبيات، والظهور قبل التمكين؛ نعوذ بالله من الجوازم، ونسأله أن يرفعنا إلى أعلى المقامات والمراتب.

طالع أيضا  معرفة القلب وحقيقة أوصافه هو أصل الدين موضوع الحلقة 8 من "عبودية القلب"  مع ذ. باهشام

45.  تعلمت من فعل الأمر إن لم يكن المستقبل مع الله، والموعد الأخروي هو السلك الناظم، وحقيقة السلاح، وقوة الذخيرة، وفاعلية القذيفة لكل الأفعال والحركات والسكنات؛ فإنما الناس أقفاصٌ بلا طائر. وتعلمت منه أيضا أن السقطة التاريخية العميقة وانتشال الأمة من وهدتها السحيقة، لا يمكن أن يتصدى لها مَنْ لا لَهُ مع ربه مستقبل يرجوه! هذه بداية نَكسة لا بداية قومة ومستقبل. وتعلمت من (فعل الأمر) أن أتخذ منه مرتقىً لأتمكّن من استشراف الآتي وارتياد المستقبل؛ حتى أكون من عباد ه الوارثين، وأنه: “ينبغي أن لا يكون مُستقبلُنا هو ماضي غيرِنا”، كما قال الفطن الإفريقي، فكثير من تجارب الأمم نتَجتْ من مخاض تاريخي في زمن مضى وانقضى، وفي ظروف تغيرت، وموازين قُوىً في العالم تَأرجَحت، ومناخٍ اجتماعي مرت عليه عواصف وأزمات وتعديلات.

46. وتعلمت أن المستقبلين، الفردي عند الله والتاريخي في أرض الله لا يحصلان بترامٍ سياسي يتعجّل، ولا بتراخٍ مُبرِّرٍ يتأجّل، بل يُزحَف إليهما بعد إِعداد، تُقتحَم عقباتهما بإرادة، تُخطَّط مراحلهما بعلم، تُقطع المسافات إليهما بقوة لا بعنف.

47.  تعلمت من فعل الأمر الذي هو المستقبل، أن من البيت الإسلامي ينطلق المستقبل؛ وأن المستقبل أمهات صالحات؛ من البيت الإسلامي ينطلق المستقبل ويمُرُّ بالمدرسة، ويستقوي بعد الله بمن سَمِع، ولبَّى، وسأل، وسُئل عنه، ولبّى النداء، والتفّ، واجتمع، وأيد، وانتظم.

48.  تعلمت من فعل الأمر أن المستقبل رهين بالخلاص من الاستعباد اللغوِيٌِ والاستعمارِ اللغويِّ فهي قُيودٌ مُؤبَّدَة على أيدينا، وأغلال دائمة في أعناقنا وطوق يمنعنا من ارتياد المستقبل ودق أبوابه. عقَّ ربَّهُ من عق لُغَة رسالةِ ربه. عصاه من عصاها. كفر به من كفر بها.

49. تعلمت من فعل الأمر أن لمستقبل القوة والظهور لا بد من النقود:

طالع أيضا  أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ.. ذ. حجوجي يُبيّن فضل ومكانة الدعاء

إنما قوة الظهــور النقود*** وبها يـــــكمل الفــتى ويســود

كم كــريم أزرى به الدهر يوما *** ولئيم تسعى إليه الوفود

50.  تعلمت من فعل الأمر أن المستقبل لإسلام صادق العنوان والبنيان، المستقبل لتغيير عميق شامل، تغيير من داخل الإنسان، من تربية الإنسان، من تعليم الإنسان.

51. تعلمت من فعل الأمر أن لا أنسى الوعد؛ وأن لا أغفل لحظة أنه تعالى عز وجل هو محرك الكون، المهيمن عليه، رب كل شيء ومليكه.

والمستقبل لأصحابه يمشي مع من يبادر لامساك زمامه….

وهلال الإيمان والعدل والإحسان لا تحجبه عولمة…، ولابن لُبانة في موشحه:

يا ناقتي الكوما…جوبي على اسم الله…وأطو اليباب

لا تطــمعي نوما…مادام من أهــواه…نـائي القبــاب

(يتبع)