في هذا الحوار الذي أجراه موقع الجماعة نت مع الأستاذ رشدي بويبري، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، نتعرف أكثر على كتابه الصادر حديثا “قراءات في الفكر المنهاجي” من حيث مضامينه وخيطه الناظم والغاية من تأليفه وأهم القضايا التي شغلته، كما ننظر في حركة التأليف والكتابة في جماعة العدل والإحسان، والجديد المنتظر للباحث والكاتب بويبري.

صدر لك حديثا أستاذ رشدي كتاب “قراءات في الفكر المنهاجي”، ما الفكرة العامة التي تقدمها في مؤلفك هذا؟

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. الكتاب عبارة عن مجموعة من المواضيع تتناول قضايا متنوعة تطرق لها الإمام عبد السلام ياسين في كتاباته المختلفة. وقد عالجتها من خلال إبراز سياقاتها وأبعادها ومقاصد الإمام من إثارتها وموقفه منها.

فالغرض الرئيس من الكتاب هو تقديم قراءات في منظومة الفكر المنهاجي من خلال التركيز على قضايا محورية وإشكالية أولاها الإمام ياسين رحمه الله اهتماما كبيرا.

تناولت في الكتاب قضايا متنوعة؛ المرأة والمنهاج والأمازيغية والفن والفكر السياسي… ما الناظم بين هذه القضايا المختلفة؟

هي قضايا أساسية وتمثل جزءا مهما من مكونات المشروع المجتمعي الذي يقترحه الإمام ياسين رحمه الله، وتمثل أيضا، كما سبق القول، إشكاليات مطروحة في الواقع إما مواضيع فكرية ومنهجية وإما قضايا مجتمعية هي مثار جدل بين مختلف النخب في المغرب وخارجه. وبالتالي فمن المفروض عل كل صاحب مشروع مجتمعي تغييري أن يعالجها ويقدم تصوراته بشأنها واقتراحاته لمعالجة اختلالاتها. وقد ناقش الإمام هذه القضايا وأخرى كثيرة بمنهج شمولي في إطار نظريته التغييرية الكلية المبنية على اكتشاف وتوظيف المنهاج النبوي، وقدمت أنا في هذا الكتاب قراءات بصدد معالجته لها.

مثلا، وفي قضية مشتعلة وخلافية منذ عقود وقرون، ما نظرة الإمام عبد السلام ياسين، التي بسطتها في كتابك، لقضية المرأة من حيث مكانتها ودورها وحقوقها وعلاقتها بالرجل والمجتمع؟

طالع أيضا  دة. اجغالف: فكر الأستاذ ياسين منفتح ومعتدل يروم إسماع فطرة الإنسان ونبذ كل أنواع العنف

من أبرز ما يميز منهج الإمام عبد السلام ياسين في تطرقه لمختلف القضايا المجتمعية، وهو ما صار معروفا عنه، الأصالة والشمولية والاستراتيجية والجرأة على إظهار الحق سواء في عملية تشخيص الأوضاع أو في المقترحات والبدائل. ويظهر هذا المنهج واضحا في تناوله لقضايا المرأة إذ جعل لها مؤلفا خاصا سماه “تنوير المؤمنات”. والدارس للكتاب سيسهل عليه إدراك أن مقاربة الإمام ياسين لقضايا المرأة التزمت بشكل صارم بقواعد منهجه التي ذكرناها. وقد ركزت في كتابي على استخراج القضايا الإشكالية الكبرى التي تطرق لها مؤلف “تنوير المؤمنات” وإبراز موقفه منها ومقترحاته لعلاجها.    

من القضايا الأخرى، التي يقال إن الإسلاميين فشلوا فيها قضية الفن. أيكون في هذه الثنائية التي عنونت بها فصل الفن “إبداع والتزام” رؤية وحلا لهذه المعضلة؟

الفن في أصله وسيلة لتحقيق غايات متعددة ترتبط بتنمية الذوق والترفيه عن النفس والسمو بالسلوك فهو أداة للاستمتاع النفسي والفكري أساسا، لكنه في مرحلتنا المعاصرة صار غاية في ذاته حين دل دواليب الاقتصاد وصار قطاعا إنتاجيا متشابكا مع قطاعات أخر في سياق سيرورة اقتصادية. وهذا ما حول التعاطي مع الفن بمختلف فروعه وأشكاله إلى نوع من الاستهلاك المرتبط بإثارة النوازع الشهوانية والعدوانية عند الإنسان، وفي هذا انحراف بالإبداع الفني عن مقاصده الحقيقية. وفي تناولي لقضية الفن في كتاب “قراءات منهاجية” سعيت لتوضيح العلاقة بين الابداع كفضاء واسع للمبادرة والابتكار والتجديد وبين الالتزام كضابط يمنع خروج الابداع الفني عن مقاصده وغاياته الأصيلة. وهذا بالمناسبة ليس رأيا خاصا بمؤلف الكاتب بل هي قناعة طالما عبر عنها طيف واسع من النقاد والدارسين في المجال الفني.

قلتَ في مقدمة الكتاب بأنك “انكببت لمدة طويلة على كتب الإمام دراسة وتنقيبا”. ما القضايا الكبرى التي شغلته رحمه الله وخصص لها حيزا رئيسا في مؤلفاته وعموم مشروعه؟

طالع أيضا  الحديث الموضوع وحكم روايته

الدارس لفكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله يكتشف أنه تطرق للكثير من القضايا الكلية والفرعية المرتبطة بواقع الأمة الإسلامية وبالإنسانية جمعاء، وما يميزه تناوله لهذه القضايا هو الابتعاد عن التسطيح والتجزيئ. ذلك أن منهجه يعتمد التناول الكلي العميق بدءا من تشخيص الوضع وصولا إل اقتراح المخرجات والبدائل. وقد شمل فكر الإمام مجالات عديدة منها التربوي الإيماني ثم مجال الفقه الإسلامي فالمجال السياسي والاقتصادي والتعليمي والفكري وغيرها.  

تكاثر في السنوات الأخيرة إصدار مؤلفات وكتب للكثير من أطر وقيادات العدل والإحسان. كيف تتابع حركة الكتابة والتأليف في الجماعة؟

لا أخفيك أن من بادر إلى إحياء حركة التأليف وسط جماعة “العدل والإحسان” وتشجيعها منذ مدة غير يسيرة هو الإمام عبد السلام ياسين نفسه. فقد أنفق من وقته الكثير لعقد مجالس، ناهزت العشرة، سماها “رابطة الكتبة” خصصها لتوجيه فئة من مثقفي الجماعة في مجال التأليف. وقد أثمرت تلك المبادرة بحمد الله صدور العديد من المؤلفات في تخصصات مختلفة. والراصد الآن لحجم حركة التأليف وسط الجماعة، كما ونوعا، لا جرم سيستنتج أنها في تقدم مطرد وأن مسار تطورها واعد بحمد الله، خاصة وأنها تغطي مجالات معرفية ومهارية متعددة وليست مقتصرة عل مجال معرفي دون آخر.   

البعض يرى أن كل هذا الإنتاج لا يعدو أن يكون هوامش على متن الإمام ياسين، أي أنه لا جديد سوى الشرح والتبسيط والدوران في فلك نفس الفكر بعيدا عن التجديد والإبداع. ما رأيك؟

في هذا الحكم شيء من التجني والتعميم، فليست كل مؤلفات أبناء وبنات العدل والإحسان مرتبطة في مضامينها بفكر الإمام وإن كان لمنهجه بعض التأثير على طرق التفكير والمقاربة. فهناك كتب كثيرة خصصت لقضايا متنوعة في مجالات مختلفة منها التقني والسياسية والديني وغيرها. أما التصنيفات التي تناولت الفكر المنهاجي شرحا أو مناقشة فهي تندرج في سياق التعاطي مع فكر كبير ونظرية شاملة وتجديدية للتغيير تعرضت طيلة حياة صاحبها للحرب والمنع من الوصول إلى الجمهور الواسع من الناس، فضلا عن كونها كنزا عظيما من المعرفة والفهم والتناول المتميز لقضايا الأمة والإنسان كتبت بأسلوب لغوي ومنهج علمي راق لا يتاح استيعابه للشرائح الواسعة من الجمهور فهي بناء عليه ما تزال بحاجة إلى من يبسط طروحاتها ويشرح مقاصد المؤلف. وهذا عمل يحتاج إلى جهود كبيرة من المخلصين لهذه المدرسة التجديدية لتعم الفائدة والنفع سائر الناس.

طالع أيضا  نحو توجيه النقاش الجاري في المشاركة في اللعبة السياسية الانتخابية المغربية من منظور مقاصدي

هل من مشاريع أخرى قريبة في الكتابة والتأليف ننتظرها لرشدي بويبري؟

صدر لي بالفعل كتاب آخر أنتظر تسلمه وهو تحت عنوان “الخطاب السياسي، بحث في الخصائص والآليات” وقد يظهر قريبا إن شاء الله. كما أني منشغل حاليا بإنجاز مشروع آخر سيتم الإعلان عنه في حينه بحول الله. أدعو الله جل وعلا أن يمد في العمر ويبارك فيه لإتمام باقي المشاريع وأن يجعل هذه العمال خالصة لوجهه الكريم وأن ينفع بها أمة الناس.