بقلم: الـمـصطـفـى ســـنــكـــــي

قبل أربع سنوات خلت، وخرقا لكل القوانين والمواثيق المنظمة للشغل، باعتباره حقا من حقوق الإنسان، أقدمت الإدارة المغربية في قطاعات حكومية مختلفة على إعفاء مجموعة من أطر جماعة العدل والإحسان على خلفية انتمائهم السياسي؛ قرار إداري اندرج في إطار مسلسل التضييق المخزني على الجماعة جراء مواقفها السياسية المناهضة للفساد والاستبداد وانحيازها إلى مطالب الشعب في الحرية والعدالة والكرامة.

إن الدلالة العامة للفظ “الإعفاء” تحيل على معاني الصفح والترفع عن المؤاخذة، ومن ذلك على سبيل المثال الإعفاء الضريبي؛ غير أن الإعفاء في هذه النازلة، بما هو قرار تعسفي، يفيد الإقصاء والحرمان من مزاولة مهام وظيفية، ويجسد الشطط في استعمال السلطة وتغول الاستبداد الذي يذكر بالقانون البائد “كل ما من شأنه” لتبرير ما لا يُبرر. هو إذن إقصاء وحرمان من الحق في العمل والترقي المهْني والإسهام في خدمة الصالح العام.

وإذا كان قرار إعفاء/إقصاء نخبة من أطر جماعة العدل والإحسان سياديا بامتياز سعى من خلاله دهاقنة الاستبداد ومهندسوه “لتجفيف” منابع التعاطف الشعبي مع الجماعة، من جهة، وقطع طريق الوصول إلى مناصب عليا في الإدارة، من جهة ثانية؛ فإن هذا القرار أكسب الجماعة تعاطفا شعبيا نوعيا في صفوف الطبقة الوسطى بفضل ما يتميز به أطر جماعة العدل والإحسان من كفاءة مهنية وتفان وإخلاص في ممارسة مهامهم، مقابل تقهقر في الثقة في اختيارات النظام الذي لا يتردد في توظيف مؤسسات الدولة لتصفية حساباته مع المعارضة السياسية الجادة، تكريسا لهيمنته على الحياة السياسية ومفاصل الدولة ومقدرات البلد.

لقد جرت العادة أن يتخذ قرار الإعفاء نتيجة تقصير في أداء الواجب أو تجاوز للضوابط التنظيمية تثبته لجان الافتحاص والتحري النزيه المشفوع بالقرائن والبراهين؛ لكن مسوغه في حالة أطر الجماعة هو الجدية والكفاءة المشهود لهم بها، وهو ما يجعل القرار تسلطيا بامتياز يشكل ملفا حقوقيا حارقا ومحرجا لنظام يحاول عبثا تبييض سيرته الحقوقية، لن يُسقطه التقادم، ولن يَطْمِرَهُ قرار “عدم التخصص” التي قضت به المحاكم الإدارية، وإنما سيتم إلحاقه بخزينة الخروقات المخزنية الملأى بملفات ومظالمَ إن لم تُنصِف ضحاياها محاكمُ الأرض، فلن تخذلهم المحكمة الإلهية يوم لا جند، ولا أعوان السلطة، ولا مطبلين لعسف المخزن وتجبره؛ يوم يقال: “لِمن المُلك اليومَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار”.

طالع أيضا  فقه التجديد ومفهوم "المجموع" (2)

وكما بارت المساعي المخزنية وأفلست مخططات النيل من الجماعة، فلن يزعزع هذا الملف القناعة السياسية لأعضائها وأطرها، كما لن يزحزح جماعة العدل والإحسان عن مواقفها من الفساد والاستبداد، ولن يزيدها إلا انحيازا لمطالب الشعب في الحياة الكريمة في ظل حكم راشد يُترجم إرادة الشعب، ومنه يستمد شرعيته. “والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”، “وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا أَي مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ”. صدق الله العظيم. والحمد لله رب العالمين.