شكلت “معركة الأمعاء الفارغة” التي دخل فيها الصحافيان سليمان الريسوني وعمر الراضي منعرجا خطيرا في ملف اعتقالهما، وقد دفع هذا إلى ردود فعل كبيرة وانتفاضة في صفوف الجسم الحقوقي والإعلامي والسياسي.

وانتشرت تدوينات وكتابات تحت وسمي (أنقذوا حياة سليمان الريسوني) و(أنقذوا حياة عمر الراضي)، تدق ناقوس الخطر ومنادية لإنقاذ حياة الصحافيين وإطلاق سراحهما، فضلا عن العائلات التي صرخت صرخة من ينظر فلذةَ كبده تعاني الأمرين جراء “الظلم الذي لحقها”.

وهكذا دون إدريس الراضي والد الصحافي المضرب عن الطعام عمر الراضي بـ “رسالة إلى ولدي في اليوم 255 من الاعتقال التعسفي” يثنيه وزميله الريسوني عن مواصلة الإضراب الذي وصفه بـ “الاغتيال الممنهج”.

وقال والد الراضي إلى ابنه متسائلا: هل كان دفْعكما، أنت وسليمان، إلى هذا اليأس ليصبحَ الانتقام منكما يصيب الروحَ والجسدَ؟ ملفتا إلى أن “ما تتعرضان له من انتقام يفوق الاحتمال ويعطي الانطباع بأننا في دولة ليس بها قانون ولا دستور ولا برلمان ولا حكومة ولا ممارسة سياسية حتى في أدنى مستوياتها”.

وما يحصل هذه الأيام في المغرب -يقول الراضي – من تغول أمني وقضائي وتسلط وتطرف في التعامل مع الاحتجاجات الاجتماعية من أساتذة فُرض عليهم التعاقد وممرضين وطلبة وعمال وكل الفئات تقريباً أصبحت تحت الحجر الحقوقي والسياسي.

فنحن الآن نشعر بأننا أصبحنا بدون حماية كما أصبحنا تحت رحمة مزاجية الأجهزة الأمنية والقضائية، في وقت تعطلت فيه المقاومة السياسية في تغول النظام. يضيف الراضي الأب في رسالته.

من جهتها قالت خلود مختاري زوجة المعتقل المضرب عن الطعام سليمان الريسوني تعرض “لتفتيش غرفته بطريقة مهينة للكرامة الإنسانية وحجز وسلب بعض أغراضه”، واستنكرت خلود سجن زوجها احتياطيا “مدة ما يقارب سنة دون محاكمة، وفي غياب أدلة تدينه، بالإضافة إلى الظلم الذي طاله قبل وبعد اعتقاله”.

ولفتت زوجة الريسوني في تدوينة لها في فيسبوك إلى أن “وضعية سليمان لا زالت مجهولة وغامضة، خاصة أننا لم نتلق اتصالا هاتفيا منه اليوم الجمعة، وهو الذي لم يخلف أي موعد للاتصال الهاتفي، لا نعلم هل هو من امتنع عن الاتصال أم تم منعه.”

وعلى إثر ما راج تقول المحدثة، “توجهت بعد انتشار هذه المعطيات، إلى المؤسسة السجنية عين السبع “عكاشة”، قصد معرفة التفاصيل، إلا أنني لم أتمكن من الحصول على أي معلومة بشأن وضع سليمان، ولم أتلق أي جواب بخصوص حالته”.

طالع أيضا  زكاة الفطر 2/2

“سليمان في خطر” تقول خلود، ومما يزيد الوضع سوءا “أن وضعه الصحي جد حرج، فهو يعاني من ارتفاع مزمن في الضغط، وأي تأثير على أعصابه وضغطه قد يعرضه لنزيف داخلي حاد”.

وأوضح الناشط السياسي والحقوقي حسن بناجح إلى أن “الإضراب عن الطعام فرصة أخرى سانحة لتتخفف الدولة من العبء الثقيل لملفي الصحافيين سليمان الريسوني وعمر الراضي”، مردفا بالقول “الفرصة في إطلاق سراحهما لا قتلهما”.

وأوضح بناجح أنها “فرصة سانحة لأن الدولة أكبر الكاسبين فيها، ويكفي تقييم حجم الربح الكبير الذي جنته الدولة بإطلاق سراح المعطي منجب إذ امتلأت الدنيا إشادة بروح الانفراج وتغليب العقل والحكمة”.

ولتكون فرصة فعلا يشترط بناجح “أن تتخلص الدولة من النظر إلى خطوة الإضراب عن الطعام على أنها تحدي يقابل بتحدي. إنما الإضراب عن الطعام حبل يرميه المضرب لكل الجهات العاقلة لعبور الجميع من المنغلق”. و”الكف عن الاستماع إلى بياعين العجل الكذابين في رسم عضلات وهمية للدولة”.

من جهتها طرحت الصحافية هاجر الريسوني تساؤلات ناطقة بالألم والحسرة في تدوينة لها بحائطها في فيسبوك قائلة: “هل يعلم هذا الوطن كم الحزن والقهر الذي نعيشه نحن أسر وعائلات المعتقلين، والضغط النفسي، هل يعلم أن حياتنا توقفت وأصبحت تدور فقط حول وضع المعتقلين والزنازين والسجون”.

وأضافت متسائلة: “هل يعلم هذا الوطن أنه أخذ منا روحنا بسجن أحبائنا تعسفا وظلما و “حكرة”، هل يعلم أن دموع الأمهات والزوجات والأطفال تنزل كحمم بركانية ولا تجد من يجففها.. هل يعلم هذا الوطن أننا ضقنا وتعبنا وقهرنا وأصبحنا أجسادا لا روح فيها. هل يعلم هذا الوطن أنه أخذ منا أكثر ما منحنا…”

عبد الرزاق بوغنبور الفاعل الحقوقي كتب متحسرا “قمة الحكرة والظلم أن يعتقل الصحافي سليمان الريسوني تعسفيا، دون توجيه أية تهمة له ويظل في السجن سنة كاملة دون محاكمة”، متسائلا: “إلا يعتبر هذا دليلا على تسييس المحاكمة وتوظيف القضاء فيها لتصفية الحسابات معه، لأنه في نظر المخزن تجاوز الخطوط الحمراء في افتتاحياته عبر يومية أخبار اليوم الموؤودة”.

وأضاف بوغنبور مساندا مؤازرا “سليمان لست وحدك ، معك بنات وولاد الشعب الشرفاء” لافتا إلى أن سليمان الريسوني لا يرغب في الموت انتحارا لكن إعلانه الإضراب المفتوح عن الطعام يهدف إلى التشبث بحقه في حياة كريمة”.

طالع أيضا  أخي شد مئزرك

بدوره الصحافي يونس مسكين، شدد في تدوينة على أن زميله سليمان “حرم من حريته ظلما وخارج أي سند قانوني، وقدم رغم ذلك عاما كاملا من حياته عربونا على انحنائه للعاصفة وإشباعه أية رغبة لكسره أو الانتقام منه”.

واسترسل مسكين موضحا “قدم عاما كاملا للوساطات والمساعي الحميدة ومنطق للي غلب يعف…” ولهذا السبب – يقول مسكين- “لن يجنبنا العار (جميعا) سوى إطلاق سراح سليمان والاعتذار له وتعويضه عن شهور الاعتقال والعزلة والحرمان من لقاء ابنه…”

وبينما رأى الكاتب أن “لا خيار” آخر سوى إطلاق سراحه، أكد أن الدولة مرغمة على ذلك لأنها “توجد بإرادتنا وتمثلنا وتمول من جيوبنا”.

واعتبرت الصحافية حنان بكور، أن “الأخبار الواردة من سجن عكاشة لا تبشر بخير…” ملفتة إلى أن سليمان وضع مضطرا “حياته قربانا لحريته!”.

وبينما شددت على أن حياة سليمان في رقاب كل الأحرار.. في رقابنا جميعا؛ تساءلت باستنكار وتعجب قائلة: “لمصلحة من كل هذا؟!”.

واسترسلت بكور في تدوينتها موضحا “لم نطلب شيئا غير رفع الظلم بتمتيع سليمان بالسراح ليخرج لعائلته وليدافع عن نفسه في محاكمة عادلة يتساوى فيها أطراف الدعوى..”

وأضافت بكلمات ممزوجة بالألم والحسرة “دفع سليمان إلى الموت هو قتل لكل ذرة أمل فينا جميعا.. أطلقوا سراح سليمان…دفعه إلى الموت ليس عدلا”.

أما الكاتب بلال التليدي فقد كتب في صفحته بفيسبوك “نداء” من أجل انقاذ حياة سليمان الريسوني، وناشد لكي ينتصر العقل في الملف.

وأوضح أن سليمان صحافي “جريء ومباشر ولا يعرف المجاملة، يؤمن بما يكتب، قد يخونه التعبير، أو قد لا يحسبها جيدا، لكنه رجل صادق ومحب العدل والإنصاف…”

وخاطب التليدي “اصحاب الراي والعقل والحكمة والقرار، لا تتركوا سليمان يحترق يختنق أو يموت، لا تملأوا المكان قتامة وحزنا، ساعدوه وساعدونا جميعا على الخروج من هذه الورطة”.

واسترسل قائلا: “انصحوا، تدخلوا، توسطوا، قولوا رأيكم بصراحة، لا نريد أن نفقد حياة سليمان، ولا قلم سليمان..”.

وكتب المحامي عبد المولى الماروري عن سليمان الريسوني “الذي يمر بلحظات يزداد فيها قوة وعنفوانا، رغم ما يعيشه من جوع وضمإ بسبب الإضراب المفتوح عن الطعام”

طالع أيضا  لجنة التضامن مع الصحفي سليمان الريسوني: تمديد فترة التحقيق القضائي "يؤكد الأبعاد السياسية والانتقامية "

ولفت الماروري إلى أن “كل لحظة يضرب فيها عن الطعام إلا وتزداد قوته وصلابته وإصراره، وتتسع شعبيته وتتوسع قاعدة المتعاطفين معه، والمؤيدين له”.

وأضح المتحدث أن “هذا لا يعني أنه ليس في خطر، بل الخطر على صحته يزداد ويتضاعف، وبالتالي فحياته تحت مسؤولية الحكومة بالدرجة الأولى، والمؤسسات الحقوقية الرسمية بالدرجة الثانية”.

والغريب في الأمر يقول المروري “أن عموم الشعب المغربي موقن ببراءته، بمن فيهم الجهات التي أشرفت على ملفه، ولكنهم يكابرون ويعاندون”. متسائلا عن سبب هذا العناد والمكابرة، ولمصلحة من تتم الإساءة إلى سمعة المغرب الحقوقية في الداخل والخارج؟

 

واعتبر الكاتب والسياسي عادل بنحمزة أن الأصل الذي لا يحتاج إلى دليل هو البراءة، مشددا على أن هذه البراءة “تقتضي أن يكون المتقاضيان على الدرجة نفسها من الحقوق”.

وبعد سنة من التحقيق وفي ظل غياب أدلة إدانة يقول الكاتب؛ “كان من المفروض تمتيع سليمان بالحرية ومواصلة التحقيق وهو في حالة سراح وهو ما يستوجبه القانون، وأكثر من ذلك ما تفرضه ظروفه الإنسانية فهو رب أسرة وأب لطفل اكمل عامه الأول في غياب والده…”

ولفت بنحمزة إلى أن سليمان الريسوني من القلة الذين لا يتعاملون في العلاقات الإنسانية بمنطق الربح والخسارة بل كان دائما يتبع حدسه، “وكثيرا ما كان على صواب”.

وأوضح الكاتب أن قرار الإضراب عن الطعام، يجعله عمليا يسير في اتجاه الموت لا قدر الله، “ترى ماذا ستكسب بلادنا من رحيل صحفي شاب مثل سليمان الريسوني؟”

وأضاف قائلا: “ليس ضروريا أن تتفق مع سليمان في كل قناعاته لكي تتضامن معه… لذلك أملي أن تنتصر الحكمة، فالرسائل وصلت وزيادة… أملي أن تكون بلادنا مشدودة للمستقبل بدل أن تتعثر بحسابات صغيرة في منطق تجاوزناه أو هكذا يفترض…”