بقلم: المصطفـى سـنكي

يعتبر هذا الـمثل من أكثر الأمثال شعبية وموافقة لأحوال مجتمعاتنا العربية، وخلاصة قصته أن امرأة تركت زوجها الـمتوفـى مُمدّدا علـى فراشه، وعوض إعلان وفاته وتقبل العزاء فيه، راحت تقدم واجب العزاء فـي الـمتوفـى “محمود” لدى الجيران. هذا منطوق القصة، فماذا عن العبر والدلالات؟

يُضرب هذا الـمثل فـي مواقف اجتماعية متنوعة، ويبقـى أشهرها من يهتم بقضايا الآخرين ويُهمل الاشتغال بأموره، ليس إيثارا، وإنما إهمالا وسوء تقدير، ذلك أن منطق الأشياء يقتضي التوازن فـي القيام بالواجبات دون إخلال أو اختلال.

سلم أولويات أكده الشرع فـي ترتيب الـمحتاجين حيث جعل ذوي القربى أحق بالـمساعدة والإنفاق العام من غيرهم، كما في قوله جل وعلا فـي سورة البقرة: “وآتـى الـمال على حبه ذوي القربـى واليتامـى والـمساكين…” (الآية:177)، وفـي قوله تعالى فـي سورة النور: “ولا يأتل أولو الفضل منكم والسَّعة أن يؤتوا أولـي القربـى…” (الآية: 22)؛ إنفاق يتعدى الـمساعدة الـمالية ليشمل الخِدْمات الـمعنوية، ومنها تبليغ الدعوة ونور الهداية كما فـي قوله عز سلطانه آمرا نبيه الكريم أن يبدأ بأهله وعشيرته فـي تبليغ الدعوة، يقول تعالى في سورة الشعراء: “وأنذر عشيرتك الأقربين”.

إن منطوق الـمثل لا يتعارض وخُلق الإيثار العظيم بما هو تعافٍ من آفة الأثرة والشحّ، بقدر ما يُنبه إلـى ضرورة التوازن فـي الاهتمامات، فالجهود الـمبذولة إنما تستمد مصداقيتها واعتبارها من موافقتها لواجب الوقت والـمرحلة، فهل يُقبل السعي لتفريج كرب الأباعد قرابة وسكنا والأقارب أهلا وجيرانا فـي أمس الحاجة، وربما أكبر، لتلك الـمساعدة؟ هذا فـي حق الأفراد. وفـي الدول والحكومات، كيف تستقيم مسارعة الدولة -بحثا عن دعم سياسي فيما يشبه شراء الـمواقف- لتقديم مساعدات عينية فـي شكل أغذية وأدوية وأغطية لبلدان منكوبة، فـي وقت تعانـي فيه فئات عريضة من أبناء البلد من ذات الحاجة أو أكثر، وكان الأولـى صرف تلك الـمساعدات لأهل البلد؟ والأدهـى أن يتولــى الإعلام الرسمي تناول خبر تقديم مساعدات خارجية باعتبارها مؤشرا علـى الحضور والتميز فـي الساحة الإقليمية، وخبر معاناة ساكنة بعض الـمناطق فـي الـمغرب العميق فـي ذات النشرة دون حرج باعتباره واقعية وشفافية.   

طالع أيضا  الحقيقة الفلسطينية الضائعة (2) فلسطين أرض لها شعب

ومثلما يُعتبر الاهتمام بتلبية حاجيات الغير علـى حساب الحاجيات الشخصية والأسرية اختلالا فـي سلم الأولويات، يعتبر سلوك الدولة استهانة بالشعب ومؤشرا علـى عدم اكتراثها بمعاناته من جهة، ومؤشرا علـى افتقاد صفة الحكامة الرشيدة فـي تدبيــر الشأن العام للبلاد، من جهة ثانية، ذلك أن تحصين الجبهة الداخلية أولـى وأضمن للاستقرار والسلم الـمجتمعيين من السعـي لـمكاسب سياسية أقرب لاستجداء الـمواقف الأجنبية.

وفـي ذات السياق، وفـي سلوك غريب يصر القائمون علـى الإعلام الرسمي إلا تجسيد هذا الـمثل فـي تفاصيله من خلال الاهتمام بحراك دول الجوار تغطية وتحليلا، فـي حين يتجاهلون ما تعج به شوارع العاصمة، أقول: العاصمة، وليس الـمناطق البعيدة، من احتجاجات فئوية تطالب بالإنصاف ورفع الحيف عنها. إنه الاختلال فـي الرؤية والتقدير والـمعالجة. “خلاتُو ممدود ومْشاتْ تعزّي فـي محمود” بما يدل عليه من دلالات يـؤكده القول الشائع: “أهل الدار قبل الجار”.

والحمد لله رب العالـمين.