بقلم: ذ. سعيد ضياء

ويدعونا الإمام –رحمه الله تعالى- للتخلق بهذه المكارم الحسان التي ذكرتها أمنا خديجة عليها الرضى والرضوان في حق المصطفى العدنان، ويحثنا على التعامل بها مع كلّ إنسان أينما كان:

“واجب الأبرار الأحرار أن يلبوا نداء المحتاج والمستضعف والصادق أينما كان، وأن يغرسوا في تربة المسلمين ثم في تربة الناس أجمعين شجرة البر الباسقة ليستمسك بها كل ملهوف، وأن يمدوا يد التعاون والتعاطف والتنافس في خير الإنسانية للحُشاشة الفاضلة من المروآت والشهامة المنادية بحقوق الإنسـان وحقوق المستضعفين، إلى أن يطوَّق أخطبوط الاستكبار وتُكْسَر بيضة القانون المجحف. واجب الأبرار أن يشمل برهم، وهم في طريق الخلافة الثـانية، كل بَرٍّ وفاجر في حدود قوله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين 1.

حق الله وحق أنفسنا أولا ثم يعمّ برّنا العالمين. فإنه «من نفَّس عن مومن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» الحديث رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة.” 2.

ولا يملّ الإمام المجدد -رحمه الله تعالى- من التذكير على أن تطلع المؤمن إلى درجة الإحسان تلزمه باقتحام العقبة تعرفا على مشاكل أمته، يعاني آلامها، ويحمل أعبائها، منفقا من وقته وجهده، باذلا من ماله ونفسه:

“التطوع الميداني يهيئ فرصة للمؤمن ليعرف مشاكل أمته، ويلتصق بواقعها ويعاني آلامها، ويتهيأ لحمل أعبائها. ندفع المؤمنين لميدان التطوع، يعطون الشعب من أموالهم، ووقتهم، وجهدهم، فينتقلون بذلك من الموقف التابع إلى الموقف المسؤول، ومن ذهنية الذي يبحث عمن يحل مشاكله، إلى عقلية القوي الأمين، يتعلم القوة والأمانة في الميدان لا في الأحلام، يحل هو مشاكل الناس، لا يكون عالة على الناس.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين كاتبا.. مقاصدية التأليف وبراعة الكتابة

هناك في الشعب المسلم بطالة متفشية من جراء فشل الجاثمين على صدورنا. هذه البطالة يمكن أن تتحول طاقات للبناء لو جاء العدل، ودخل وسط الشعب أمناء أقوياء، يدهم في يد المحروم، ومجلسهم معه، ووجههم باسم في وجهه، وأخوتهم مبذولة له، عطاء من مال ووقت وجهد واهتمام وإكرام.

من يعلّم الجيوش الجرارة من الشباب الذي لفظته مدارس الفتنة وغيره ممن لم تفتح له قط بابها؟ من يعالج أمراض مجتمع الفتنة الحسية والمعنوية؟ من يسد خلل الفقر والبؤس الذي منه تدخل للناس سائر الرذائل؟” 3.

ولا يفوّت الإمام –رحمه الله تعالى- الفرصة لإعادة التذكير في كل مناسبة. إذ لا يتعلق الأمر عنده بحملة انتخابية تُنمَّقُ كذبا وافتراءً ببعض العطاء، وتُزوَّقُ نفاقا وازدراءً ببعض صور التواضع والمواساة لذر الرماد في عيون البسطاء، وإنما الأمر عنده سعي دؤوب لنيل رضا الله وبلوغ ذرى الكمال عند مولاه. فيقول:

“روى الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم! مرضتُ فلم تَعُدني! قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب! وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أَطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني! قال: يا رب! كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال استسْقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي؟”.

هل هنالك أبلغُ من هذا البيان للدلالة على الأهمية القُصوى لإسداء الخير إلى الناس، وعلوّ مرتبة الإحسان إلى الخلق عند الله؟ وهل ترك لنا القرآن الكريم مطلبا من مطالب البِرِّ إلا بينه في قوله عز وجل: ليس البرُّ أن تولوا وجوهكم قِبَل المشرق والمغرب. ولكن البرّ من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على حبه ذوي القُربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة. والموفون بعهدهم إذا عاهدوا. والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس. أولئك الذين صدقوا. وأولئك هم المتقون 4.

أرأيتِ أختَ الإيمان كيف ذكرت أعمال البر مباشرة بعد الإيمان القلبي بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين، وقبل الصلاة والزكاة؟ من صلت صلاتها وزكت فرضها فهي مؤدية لواجب عيني تحاسب عليه. أما من تبرعت بمالها وحنان قلبها على المحتاج من قريب ومسكين وسائل فقد أسْهمت في القيام بفرض كِفائيٍّ متعلق بذمّة الأمة، فارتفعت بذلك مرتبة عملها إلى أعلى. المصلية المزكية فرضَها ما عدَت أنْ بنَتْ أركان بيت إسلامها. أما المحسنة إلى الخلق المجاهدة بمالها وحنانها فهي تبني في صرح دين الأمة. بذلك كان لها الفضل.

طالع أيضا  بعد 200 من الاعتصام.. الطلبة المطرودون مستمرون في الاحتجاج والتضامن معهم يتزايد

غرسة المرحمة في قلب المؤمنة يُعرف تغصينها وإزْهارها وإثمارها مما تشيعه حولها، الأقربَ فالأقرب، من أنواع البِر والإحسان والألطاف والأَرفَاقِ. ما بينها وبين ربها عز وجل لا سبيل إلى الاطلاع عليه، ونعرف المرحمة بآثارها. تصلح في الأرض حين يفسد فيها المفسدون. تبذر بذور الحب والرحمة في مجتمع الكراهية. تَتَفَرَّغُ لسماع شكوى المعاني. تنصَح المتخبطات في المشاكل وتشفع النصيحة بالبذل والعطاء والسعي لدَى من بيدهم مفاتِح المشاكل. تحوط برعايتها وعنايتها المنبوذات والمحرومات والملفوظين من أطفال البؤس.” 5.

ويشير المرشد –رحمه الله تعالى- إلى أن هذه العناية بالإنسان وهذه المعاملة بإحسان هي واجب الشكر المفروض على أهل الإيمان أن هداهم الله فضلا منه ونعمة، وانتشلهم من غيابات الكفر كرما ومنّة:

“تشكر ربها على نعمه أن هداها للإيمان، فتتفجر ينابيع الخير في قلبها، تترجم الشكر والخير عطاءً من مالها وحنانها ووقتها واهتمامها ووقوفها بجانب اليتيم، والمسكين، والمقهور، والأسرة المكسرة أو المهددة بكسر، تصلح ذات البين، وتأسو الجراح، وتحتضن النّوائب، وتَجْمع مع أخواتها العون المادي والعاطفي لرَأب الصَّدْع في البيوت، والتخفيف مما في البيوت من مآس وما في الشوارع من حُطام بشري.” 6.

 


[1] (سورة الممتحنة، الآية: 08).
[2] عبد السلام ياسين، الإحسان 1، مطبوعات الافق- الدار البيضاء، ط1/1998، ص467.
[3] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، ط2/1989، ص201.
[4] (سورة البقرة، الآية: 176).
[5] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات 2، مطبوعات الافق- الدار البيضاء، ط1/1996، ص58.
[6] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات 2، مطبوعات الافق- الدار البيضاء، ط1/1996، ص60.