بقلم: عبد الصمد الرضى

قررت الحكومة المغربية حظر التنقل الليلي على الصعيد الوطني خلال شهر رمضان الأبرك؛ وأعلنت ذلك عبر بلاغ رسمي.

وبناء عليه، فسيمنع الناس الذين كانوا يتجولون قبل الثامنة في الأسواق بشتى أنواعها؛ المتاجر الكبرى والمتوسطة والشعبية، وفي وسائل النقل والإدارات العمومية والمدارس والجامعات و… كل ذلك سيمنع من الساعة الثامنة ليلا إلى الساعة السادسة صباحا، باستثناء الحالات الخاصة. وذلك “تبعا لتوصيات اللجنة العلمية والتقنية بضرورة الاستمرار في الإجراءات اللازمة للحد من انتشار وباء كورونا المستجد، خاصة مع ظهور سلالات جديدة ببلادنا، وفي سياق تعزيز التدابير الوقائية المتخذة للحفاظ على صحة المواطنات والمواطنين، وأخذا بعين الاعتبار الحركية الواسعة التي يعرفها النسيج المجتمعي المغربي خلال شهر رمضان المعظم، وفي إطار الحرص على أن يمر هذا الشهر الفضيل في ظروف صحية مناسبة تعكس رمزيته الدينية الكبرى”.

هذا القرار يستدعي نظرا شرعيا بميزان ذي أبعاد مقاصدية وافية، ومساءلة علمية واضحة المعالم.

فهل هذه المسوغات غائبة من الساعة السادسة صباحا إلى الثامنة ليلا؟ أم أن الخطر غير وارد نهارا ومتحقق ليلا؟

ولكي تتجلى الصورة جيدا ويزول الغبش على كل ذي عقل. نروم في هذه العجالة الإجابة عن الأسئلة التالية:

أولا: ماذا يمثل الدين بالنسبة للمغاربة، وما أثر هذا القرار على مستوى التدين لدى المواطنين، بما لهذا الشهر الفضيل من “رمزية دينية كبرى” حسب البلاغ؟

ثانيا: ماذا يعني رمضان لهم، وكيف يستقبلونه، وبأي انسجام يتعاطى المغاربة مع حياتهم نهارا، ليلزموا بيوتهم ليلا، أية رمزية تبقى، وأية تدابير وقائية نهارية فقط؟

ثالثا: أية مصالح ستتحقق في رمضان بالحجر القهري، وأين ذلك من مقاصد الدين الحنيف؟

أولا: ماذا يمثل الدين بالنسبة للمغاربة؟

لا يرضى مغربي حر أصيل أن يمس دينه بسوء، أو يضيق عليه فيما بقي من فسح للتدين الوسطي السليم، فرغم ما نجده من انحرافات في بعض السلوكات، أو ضعف عند بعض المواقف، أو مجانبة التعاليم الشرعية بسبب قساوة ظروف الحياة، ومحنة لقمة العيش لدى الفقراء والمستضعفين، فإن حب الدين مركوز في قلوب المغاربة بشتى أصنافهم وطبقاتهم، وأطيافهم ودرجاتهم، بل وإن الغالبية العظمى من الرجال والنساء يتمنون توبة نصوحا، وأوبة إلى الله تعالى كلما ضاقت بهم المسالك، أو ذكرهم المذكرون بالله تعالى، وإنهم ليرجون أن يكون رمضان بما هو مدرسة تربوية إيمانية نقلة نوعية في حيتهم، وميلادا جديدا في رجوعهم إلى الله تعالى.

لقد أثبتت الإحصائيات أن “89 % بالمائة من المغاربة يرون أن للدين أهمية كبيرة جدا في حياتهم، مقابل %10 بالمائة يرون أن للدين نوعا ما أهمية في حياتهم، في حين تبلغ نسبة من يرى أنه ليس للدين أهمية في حياتهم أو ليس له أهمية على الإطلاق 1% بالمائة. من خلال هذه النسب التي صرح بها المسح العالمي حول القيم، الذي أنجز بالمغرب أواخر عام 2011 على عينة مستجوبة بشكل عشوائي يبلغ عددها 1200 من ساكنة الوسطين الحضري والقروي، يتبين أن الدين يحظى بأهمية جد واسعة في المجتمع المغربي. معطى يؤكده ذات المسح العالمي، بجواب المغاربة عن سؤال الصفات التي يمكن تشجيع الأطفال على تعلمها في المنزل، إذ ذكرت نسبة تناهز 78% بالمائة من المستجوبين أن الإيمان الديني يعد صفة جد مهمة في هذا الإطار.”

طالع أيضا  تعلم لغتك العربية.. (12) التمييز

معنى هذا الكلام أن القائمين على أمر المغاربة ملزمون بإقامة دينهم بما في الكلمة من معنى، وبذل الجهد والمال والفكر والتشريع بما يقيم به المغاربة دينهم خاصة الأركان الخمسة لمن يستطيعها جميعا، أو الثلاثة الأولى؛ الشهادتان وإقامة الصلاة وصيام شهر رمضان، لمن لا تجب في حقه الزكاة أو لا يستطيع الحج إلى بيت الله تعالى أو هما معا.

إقامة الدين من أولى الأولويات، وأسبق الأسبقيات في ميزان المسؤولية الشرعية والسياسية والتاريخية لمن تحملوا الأمانة، أما السعي للتحكم في دين الناس وفرض نظر واحد، ورأي واحد، وفهم واحد…. فليس من الدين في شيء .

إنه لا مناص من أن تسخر مقدرات الأمة وطاقاتها ومواردها لدين الأمة لا لثلة حاكمة لا ترى في الدين إلا مدخلا للتحكم في الناس، بجعل الدين مطية لإسكات القول الناصح المعارض، وتلك لعمري لمهمة العلماء الذين أمروا ببيان الحق وعدم كتمانه.

ثانيا: ماذا يعني رمضان الشهر الفضيل للشعب المغربي؟

يعني الكثير..

يعني مرحلة مراجعة الذات في العلاقة بالدين، يعني الطمع في أن يتوب الله عليه، فيتوب هو إلى الله.

رمضان بالنسبة للمغاربة موسم التراحم والتواصل والتعاون على طاعة الله والاجتهاد في ذلك…

سعي إلى المساجد حضورا للصلوات، خاصة صلاة التراويح، صلات اجتماعية بين الفقراء والأغنياء، تضامنا بين أفراد العائلات، إطعاما للطعام، وصلة للأرحام، وإفشاء للسلام.

مذاكرات للشؤون الدينية، ومتابعات للمعلومات الشرعية التي من شأنها أن ترفع من منسوب الوعي الديني لدى الناس، وتعمق انتماءهم الحضاري لخير أمة أخرجت للناس، فيذكرون الوقائع التاريخية الرمضانية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي تاريخهم العريق.

رمضان ضيف محتفى به من لدن الجميع، فكل اشتغال عمومي مناقض لهذه القدسية “رمزية دينية كبرى” قبيل رمضان لا يصدر إلا ممن لا يعير للشعب المسلم الأصيل أي قيمة، ولا يكترث لأية حرمة.

–  يقمع الأساتذة معلمي الخير للناس، ويمعن في الاستهانة بكرامة المرأة الفاضلة العفيفة.

– يطرد الأطر الصحية، جند مواجهة الجائحة، في شوارع العاصمة، أمام كاميرات العالم، وكأنها حاملة الفيروس الخطير المضر بصحة المواطنين، أو سلالات جديدة تتطور وتتحور، ولعله من تمام” الحرص على أن يمر هذا الشهر الفضيل في ظروف صحية مناسبة تعكس رمزيته الدينية الكبرى” أن تكسر الجماجم ويسحل الشرفاء في الشوارع، ويمنع طلبة العلم من حقهم الرباني والإنساني والدستوري المتمثل في طلب العلم مدى الحياة

طالع أيضا  فإن سابّك أحد..

كل ذلك، ظلم وأي ظلم ! واستهتار بالشهر الفضيل وأي استهتار ! وتجبر وأي تجبر !

فكيف يستقيم بك أيها المسؤول في هذه الفظيعة الكبرى، من حامل العصا ضد من علمك، مرورا بمن يقضى الأوقات الطوال في التخطيط لكيفيات قمع المطالبات السلمية المشروعة، وصولا إلى أصحاب الكراسي المريحة والقاعات المكيفة الهادئة المعاندين للحق، المتربصين بكل صوت….

كيف يستقيم لك استقبال الشهر الفضيل، وترجع إلى بيتك بعد أن “انتصرت” على الأستاذة والأستاذ والممرضة والممرض والطالبة والطالب، لتحدث ابنك التلميذ عما فعلته بأستاذته في المدرسة دعما للواجب الوطني، وتخبر زوجتك أو والدتك عن إمساكك الممرض والزج به في الأرض، وهي تعلم أن زميله هو الذي يستقبلها في المصحات ليرفق بها في أغراضها الصحية، ترسم لابنك المتابع لدراسته بالجامعة بطولات التربص بالطالب الذي لم يبق له إلا معركة الأمعاء الفارغة لاسترداد حق ضاع منه…

كيف تمسك عند أذان المغرب تمرة وتقول:” اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله، كيف بك وكل ذلك في كتاب محفوظ.

أ ليس فيكم رجل رشيد !

المغاربة يعرفون تمام المعرفة أن رب رمضان يفتح فيه أبواب الجنان ويغلق أبواب الجحيم فقد تعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُبشِّر أصحابه فيقول: «قد جاءَكم شهر رمضان، شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه، فيه تُفتح أبواب الجنان، وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغلُّ في الشياطين، فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، مَن حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ”

وأنتم تختارون الاستهتار بكرامة المحتجين السلميين من خيرة أبناء هذا الوطن، مهما كان “جرمهم” فهم سلميون واعون، ثابتون، صامدون…. وخاب مسؤولون لا يراعون للمعلم كرامة ولا شرفا، ولا للمرأة عفة ولا طهارة…. خاب وخسر.

أ ليس فيكم رجل رشيد.

يا علماء البلد وملحها، تعلمون ما لرمضان من حرمة، وما للمؤمن من كرامة، وما لنصرة المظلوم من عزة، فما جدوى السكوت في معرض البيان؟ وما جدوى العلم بصفات العدل دون نصرة المظلوم؟ وما جدوى أن تأمر الضعيف المظلوم وتنهاه وتسكت عن الظالم وتتحاشاه؟ بل تسوغ له استكباره واتباع هواه.

اتقو دعوة من لا نصير له، واحذروا السكوت المقيت مقابل دنيا زائلة، لا تبيعوا العلم الشريف، صنه يصونك، وأعزه يعزك…

جل العدل اللطيف إذ يقول: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”

يا علماء البلد وملحها، كيف بنا إذا الملح فسد !

ثالثا: أي مصالح ستتحقق في رمضان بالحجر القهري؟

كلما سألت بعض “مهندسي” المصالح والمفاسد، والأولويات والموازنات، إلا صدعوا رؤوسنا بأن الوضع يقتضي درء المفسدة الكبرى بقبول المفسدة الصغرى، وارتكاب أخف الضررين، وأهون الشرين و…

طالع أيضا  العلماء ومسؤولية تحرير الأمة

وتطلع الحكومة بقرارها “النفيس” بإغلاق كل المرافق من الساعة الثامنة ليلا إلى السادسة صباحا إلا ما كان حالة خاصة. نسأل :

– هل أنتم عاجزون عن إيجاد اللجان التي تسهر على التطبيق الآمن للاحترازات الصحية في شهر رمضان ببيوت الله تعالى، ونشيطون في جلب جحافل القوات لقمع نساء ورجال التعليم في مشهد عار أمام الأمم؟

– هل فتحتم الباب للشباب المتطوع للإسهام في إنجاح الموسم الرمضاني بكل مسؤولية، افتحوا الباب، أعطوهم فترت تأهيل لمهمات خدمة رواد المساجد وسترون عجبا؟ أم هو الخوف من يقظة التدين لدى الشباب؟

– هل أدركتم مقدار التناقض الصارخ الفاضح حينما تفتحون كل ذلك خلال النهار، أسواق ومدارس وحمامات …. وتمنعونه ليلا؟ هل ذلك سيزيد احتمال توسع انتشار الوباء أم يقلصه؟ اللهم نعمة العقل والفهم

– أي مصلحة ستتحقق حينما تزيد الفقير افتقارا بأن تضيقوا عليه تلك الفرص النادرة التي ينتظرها بفارغ الصبر ليكسب منها بعض ما يقيم بها أوَده بعد أن لفظته منظومة تعليم فاشلة، وأهملتهم منظومة تشغيل متعجرفة وداست حقوقه آلة رأسمالية متوحشة؟

– أي مصلحة ستحققون بهذا القرار حين تزجون بالتجار البسطاء والحرفيين المساكين والعمال المياومين الذين ينتظرون هذا الشهر بفارغ الصبر ليروجوا بعض الترويج، وقد أنهكتهم سنة كاملة بما حمله الوباء؟

أ لا إن أم المصالح وأسمى المقاصد، وأقدس الغايات إقامة الدين الحق في نفوس العباد حتى يكونوا عبادا لله اختيارا، كما هم له عبيد اضطرار، فلأن تكون عبدا لله مطيعا محبوبا، خير من أن تكون له عبدا عاصيا ممقوتا مقهورا…. لك الاختيار وبيدك القرار

يدرك المغاربة تمام الإدراك كيف يحبهم النبي صلى الله عليه وسلم، إذ هو صلى الله عليه وسلم بهم رؤوف رحيم، بل بنا رؤوف رحيم، يتألم لألمنا ويفرح لفرحنا، ويرجو أن نكون في شفاعته يوم القيامة.

إنه يحتفي أيما احتفاء بهذا الشهر الفضيل، ويحشد عبارات التحفيز على حسن اغتنامه، ويدعو إلى الاستعداد الجيد لأيامه ولياليه، ويندب المسلمين جميعا للتعاون على قضائه في أحسن الظروف، واستفراغ الوسع من أجل ذلك، تخطيطا وإعدادا، وبذلا وإنفاقا، وصبرا ومصابرة.

فماذا فعلتم إزاء هذه السنة العظيمة؟ أم أن شهر رمضان ليس لكم منه إلا الاسم…

عودوا إلى رشدكم…. معذرة إلى ربكم لعلكم تتقون…. لا نرجو لنا ولكم إلا نجاة وهداية وحرية وكرامة

لا تغرقوا السفينة في طوفان هيجتموه

هلم التوبة إلى الله…. هلم الصلح مع الله….. حسبنا الله….. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.