بقلم: مصطفى شكٌري

تعيا الأقلام إن مضت تسود صفحات وصفحات في ذكر مخازي الظلم التسلطي للدولة المغربية؛ فحيثما وليت وجهك ترى تصاعد مد المنع والقمع جمعويا ومهنيا ونقابيا وسياسيا وتربويا واقتصاديا، ولئن كان هذا ليس غريبا عن دولة جوهر بنيتها جبر وعض، وديدن سلوكها قهر وضغط، فإن تزايد وتفاقم مظاهر القهر العام وشموليته لعديد من أصناف فئات المجتمع لمما يثير الاشمئزاز، ويرفع من درجات التوتر بين المجتمع والسلطة في ظرفية دولية حرجة تتميز بصنوف من البلايا، وضروب من التمالؤ الدولي على مقدرات المستضعفين وقيمها.

دولة التسلط عموما لا تقرأ العالم، ولا تقرأ التاريخ، ولا تقرأ الماضي البعيد ولا القريب. لقد سئم الناس من البنى السياسية التسلطية في العالم كله، ونحن مازال عندنا من يأمل أن يؤبد الوضع لصالحه، ويمضي في نهجه التحكمي بمنطق السائق للقطيع الهامل إلى زرائب العلف العفن ومنها إلى مذابح الطحن والسلخ والسحل، وما الحراك الشعبي في الربيع العربي وفي الاحتجاجات المتسعة إلا أدلة ناصحة وأمثلة ساطعة لمن بقي في عقله ذرة فهم وعلم على أن المنحى العام لدولة التسلط في تنازل متدرج إلى قعر النسيان في مزابل تاريخ الاستبداد والمستبدين.

لقد أضحى للعيان وفي كل دول المعمور أن القوى المجتمعية أصبحت واعية بأن المشكلة الكبرى في واجهة التغيير تكمن في الأنظمة الشمولية الاستبدادية، وعليه يكون الاشتغال بغير أصل الداء ومكمن البلاء هدرا للوقت وإضاعة لزمن التغيير وتحويرا للنقاش وسيرا في الاتجاه المعاكس، فعن الاستبداد تولدت وتفرخت كل الأمراض ونمت وتطاولت وتشعبت، ومتى تجذر الوعي وتنامى أن فساد الحكم هو المصيبة الحالقة تبدت الطريق واضحة في تحديد واجهات الفعل المجتمعي الباني للتغيير الحقيقي.

ولئن كان النضال الحقوقي والقانوني والسياسي من أبرز الواجهات التي يمكن منها فضح جملة الممارسة القمعية لدولة التسلط، فإن هناك واجهة أخرى للمانعة والمجابهة هي الواجهة الإيمانية القيمية القائمة على بعث أجواء اليقين في الله والثقة في قدرته على تغيير ما بنا عامة -إن نحن غيرنا ما بأنفسنا خاصة- وهنا إنما نؤكد على توزين العامل الذاتي للفاعل التاريخي الإنساني متى صلحت النية وصحت الوجهة، لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، إذ أنّى للباطل أن يغير باطلا مثله أو أشد منه.

طالع أيضا  مداخل وواجهات استراتيجية لمناهضة التطبيع

إن ما يقع في كون الله عز وجل، إنما يقع بأمره وبإذنه وبمشيئته وبحكمته، وإن فعل البشر مهما بدا لنا ظالما إنما جاء ليسلك في سنة الله لتمضي تلك المشيئة، فالحمد لله الذي جعل الأعمار والآجال بيده وحده، فلا يملك أحد أن ينقص منها شيئا، والحمد لله الذي جعل الرزق بيده فليس بوسع أحد أن يقتطع منه أو يحد منه.

إن ما يجري لنا جزء من ذلك التدافع الأزلي بين الحق والباطل، بين النور والظلمة، بين الهداية والضلالة، بين الشيطان وجند الله إن تكونوا تالمون فإنهم يالمون، وترجون من الله ما لا يرجون، وإن أمامنا مستقبلا يجسده وعد الله بالتمكين للمسلمين، وموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشارته بالخلافة الثانية على منهاج النبوة، فنحن في صعد ولن تستطيع قوة في العالمين أن تقف أمامنا متى آمنا وعملنا صالحا.

إن في المجتمع موجة موجهة بأيدي الآثمين لنشر الميوعة والفساد الأخلاقي والتطبيع مع الفاحشة، تنضاف إلى القهر التسلطي السياسي والافتراس الاحتواشي المالي والاقتصادي والإلهاء اللّغْوي الإعلامي، لتكون الحلقة دائرة محكمة متمكنة من الإرادات والعقول والنفوس، وبغير اعتماد التربية البانية للمجتمع نهجا دائما متجددا أولا ووسطا وآخرا نكون نبني على غير أساس متين، ونشيد على غير بناء مكين، إذ يكون الإنسان الذي هو موضوع التغيير والفاعل فيه فراغا في فراغ لا تزند له شعلة، ولا تضرم له نار، ولا يسطع منه نور. وليست التربية المنشودة هنا هذرا يلاك، وفلسفات تشقشق بها الألسنة، ونظريات يحوم حولها النقاش، إنما التربية تشرب قلبي، وتمثل عقلي، وسلوك منهاجي في حاضنة نواظم المحبة والتشاور والفاعلية المنضبطة.

إن من عجائب أمر الله أن دولة التسلط تريد أن تستفز المجتمع وتفزعه وتعمق التفرقة بين جوانبه، ويأبى الله إلا أن يجعل المستبدين سببا ليجتمع الناس على قضية ويتوحدوا على هم جامع شامل، فنحن متى صرنا على اختلافاتنا وتعدد مشاربنا جماعة جامعة لهمنا الفردي وهموم أمتنا الجماعية سنكون وسنبقى دائما على خير ما قلنا وما نقول “نحن” دون أن يستفرد بعضنا بالأمر لمذهبية فكرية أو حسابات سياسوية، وما دام مفهوم الجماعة وروح المجموع ساريا فينا بمحبتنا وصفائنا وتواصلنا، وبإعمالنا لمنهجية الحوار والتواصل والتشاور فإن كل العقبات تغدو سهلة الاقتحام وميسورة التجاوز.

طالع أيضا  ذكرى رحيل "أم الوفاء"

إنها فرصة تاريخية لنحقق أمرين اثنين: نعود لربنا تائبين، ضارعين، محسبلين، محوقلين، مفوضين، ثم نعود لنرتب أحوال عمالنا بمزيد من اليقظة والتعبئة، لمجابهة من يتربص بنا من العدو الداخلي والخارجي، فلتقطع الأمة مع الهلهلة، ومع الهزيمة النفسية، ولتتقوى جبهتنا الداخلية، ولنوسع من دائرة الواعين بنهاية عهد التسلط، وبتصاعد الغضبة الشعبية، وببلوغ الظلم مداه، ولنعمل على تكثيف درجة الوعي بأهمية الحل الجماعي وتوسيع الجبهة الجماعية ضد الظلم والقهر.

إن دولة التسلط تراكم الفشل وراء الفشل، وتغطي بخطة التغول جراثيم فنائها الذاتي، وكلما وسعت الجبهة المجتمعية الممانعة من حضورها داخل المجتمع واجتنبت أسباب الشقاق والنفاق والانعزالية استطاعت أن تضع لها موضع قدم رصين وسط الناس وقواه الحية، وعليه يغدو الحفاظ على الكيان الموحد المتراص للقوة المجتمعية من الاختراق ومن هواجس التخوين والتخويف وأراجيف التثبيط والهزيمة النفسية واجهة مهمة للالتحام الشعبي والاقتحام الجماعي.

إن حركة مجتمعية واسعة في جبهة فضح خروقات الهجمة التسلطية للاستبداد، وتوسيع دوائر التواصل والتعارف والتحاور في الفضاء العام، سيكون هو البرهان الصادق والعملي والجواب الحقيقي الذي سيعزل التسلط وجنده وسياسييه. لكن دون ضرورة عدم إغفال تحقيق التوازن بين ممانعة الاستبداد والحضور الوازن في المجتمع والاندماج في حمل هموم الناس والحضور معهم، والتوجه إلى الأعماق التي تدار فيها الحرب القذرة ضد المجتمع في مجال القيم الرابطة للحمة هذا المجتمع في ميادين التعليم والأسرة والمسجد والإعلام والثقافة، هذا طبعا دون اعتماد العنف، والانجرار وراء سياسات الإلهاء والإغراق في صنوف النقاش الهامشي على متن النضال الناجع الناجح الفاعل في مواقع الفعل الحقيقي لصناعة الاستبداد. ولعل المهم في كل هذا ألا تعزل الحركة المجتمعية نفسها أو ألا تعزلها سلطة الاستبداد، وألا يغلب الظهور النضالي السياسي التربية القيمية والمعرفية والفكرية المتوازنة، وأن يكون اليقين في الله الهادي والأمل في الغد المشرق الحادي إلى ضمان الصمود في وجه التقلبات السياسية الأرضية المادية المنقطعة عن المعنى.

طالع أيضا  البيضاء تغرق.. وحملة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي (صور)