بقلم: ذ. سعيد ضياء

الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله، وعلى الآل والصحب ومن والاه.

روى البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: “أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ”. فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ، حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امرأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ. فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ” 1.

 بأبي وأمي هو عليه الصلاة والسلام، إذا كانت هذه أخلاقه قبل البعثة، فكيف تكون أخلاقه بعد البعثة؟

طالع أيضا  طنجة الغارقة!

“كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا”

هذا القلب الكبير الذي وسع الناس برحمته وعطائه وبذله دون خشية من فقر، هذا القلب النقي الذي لم تتمكن من كبح جماح نبله أغلال الشح والأنانية والمكر، فجاد بالخير في السرّ والجهر، هذه النفس الزكية التي لم تنل منها سلطة المال، فأعطت بدون سؤال، ولم تقهر ولم تذلّ الرجال، حاشا أن يخزيها ذو الجلال.

عبد أشبع الجائع، وآوى الضائع، وسقى الظمئان، وأسعف الولهان، ومسح رأس اليتيم، وواسى المبتلى السقيم، كيف يخزيه الله؟

وإذا رحمت فأنت أمٌّ أو أب******* هذان في الدنيا هما الرحماء 2

يتخذ الإمام المجدد عبد السلام ياسين –رحمه الله تعالى- هذه الخصال التي وصفت بها مولانا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم زوجُهُ الطاهرة رضي الله عنها دعامات أساسية لبناء مجتمع العمران الأخوي الذي تنشده الأمة الإسلامية، والذي سيفيض برحمته وعدله على البشرية جمعاء، فيقول حاثا كلّ من يحمل مشروعه التجديدي على التحلي بهذه الخصال، والتخلق بهذه الخلال:

“في مجتمعات منحلة ينادي المؤمنون غدا لإعادة بناء الأمة. وليس تبنى على الشح والأنانية والأثرة، وهي من أمراضنا الفتنوية. إنما تبنى على خلق جميل، نجد نموذجه الكامل في المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلم.

قالت له أمنا خديجة رضي الله عنها حين رجع فزعا من الوحي، وهي أعرف الناس بسجاياه: «كلا والله لا يخزيك الله أبدا! إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل (وهو من لا دابة له، فهو عاجز عن السفر) وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق (تساعد كل محتاج وكل من طرأ عليه طارئ)» رواه الشيخان وغيرهما. في رواية: «وتصدق الحديث» وفي أخرى: «وتؤدي الأمانة».

الفتى يحمل، ويصل، ويجمع، ويفدي إخوته. ليس الفتى من هذه الإبل المائة التي لا تكاد تجد فيها راحلة. بل هو حامل ثقل الجماعة.” 3.

طالع أيضا  محبته صلى الله عليه وسلم العروة الوثقى

»وتحمل الكل «يشرح الإمام المجدد رحمه الله تعالى الكلُّ قائلا: (وهو من لا دابة له، فهو عاجز عن السفر)، ثم يعطيها وصفا أدق وأعمق حينما يتحدث عن سبب عجز هذا الكَلّ فيقول:

“نهب أموالَ المسلمين ولا يزال ينهبها حكامُ الجبر، ومن يسير في ركابهم، ويأكل من مائدتهم من الصنائع. طبقة مستكبرة نهابة.

هذه الطبقة الطفيلية المتسلطة تستأثر بخيرات المسلمين، وتكون وسائط للنهب الأجنبي والتسلط. تستهلك ولا تنتج، لا تحمل الكل، بل هي أصل الكلالات وسببها. جهود المسلمين تسخرها لمصالحها ومصالح حلفائها الجاهليين.” 4.

ويبين الإمام -رحمه الله تعالى- أن هذه الخصال التي جمعها مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم هي من خصال الكُمّل من الرجال، ومن شمائل المحسنين المحبوبين عند الله تعالى فيقول:

“لا يحب الله المتكبر المستعلي على المسلمين، الشحيح بماله، إنما يحب من ينفق ليسد الخلة، ويبلي الحاجة، ويأسو الجرح، ويكفل اليتيم، ويرحم المسكين، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الحق.” 5.

ويسترسل الإمام –رحمه الله تعالى-:

“بر الأقارب ابتداء بالوالدين واجب. ويعتبر الإسلام منع ذوي الرحم من بر المسلم من الفظائع. ويعتبر قطع ما أمر الله به أن يوصل من الموبقات. مال اليتيم له الحرمة القصوى. الأرملة، والبنت، والمعسر، وذو الكربة، والملهوف، فرص ليتقرب المحسنون ببرهم إلى الله. ثم هنالك العطاء على الإسلام وتأليف القلوب عليه.” 6.

ثم يذكرنا الإمام بتلك الثلة المباركة من الرجال والنساء الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأسوا به حقّ التأسي. قال رحمه الله تعالى:

“نقرأ في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه البررة، في حياته وبعد وفاته، أمثلة ناصعة للإيثار وقسمة المال. كانت أموال المسلمين تقسم عليهم من بيت مالهم بالأمانة العادلة. ثم يشيع المال الخاص من الأيدي الرحيمة التي لا تمسك ولا تعرف إمساكا على البائس الفقير.

طالع أيضا  في أسباب رفض التطبيع مع كيان غير طبيعي.. (1)

هذه قصة واحدة من قسمتهم رضي الله عنهم. روى ابن سعد عن أم درة قالت: «أتيت عائشة بمائة ألف. ففرقتها وهي يومئذ صائمة. فقلت لها: أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحما تفطرين عليه؟ فقالت: لو كنت أذكرتني لفعلت»!” 7.

وبحكمة المرشد المربي يدعونا –رحمه الله تعالى- لنحدو حدو الأكابر، بهذه الكلمات التي تكاد تنطق حسرة وألما:

“في عصر الأنانيات ما أحوجنا أن نتخلق بأخلاق من ينسى فطوره ويعطي بلا حساب!” 8.

يتبع الجزء الثاني…


[1] رواه البخاري عن عائشة ام المؤمنين رضي الله عنها.
[2] من قصيدة “ولد الهدى فالكائنات ضياء” للشاعر أحمد شوقي.
[3] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، ط2/1989، ص194.
[4] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، ط2/1989، ص196.
[5] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، ط2/1989، ص208.
[6] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، ط2/1989، ص208.
[7] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، ط2/1989، ص210.
[8] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، ط2/1989، ص210.