بقلم: المصطفى مسالي

34. تعلمت أن الأفعال ثلاثة: ماض ومضارع وأمر؛ والمُضارِعُ من الأَفعال: ما أَشبه الأَسماء وهو الفعل الآتي والحاضر؛ والمُضارِعُ هو: المُشْبِهُ؛ والمُضارَعةُ المشابهة، والمُضارعة للشيء: أَن يُضارِعه كأَنه مثله أَو شبْهه، ومنه حديث معمر بن عبد الله: إِني أَخافُ أَن تُضارِعَ، أَي أَخاف أَن يُشْبِه فعلُك الرِّياء. وفي حديث معاوية: لستُ بنُكَحةٍ طُلَقةٍ ولا بسُبَبةٍ ضُرَعةٍ، أَي لست بشَتَّام للرجال المُشابِه لهم والمُساوِي. ومنه تعلمت أن من الصحبة وبالصحبة وفضل الله على المؤمنين بالصحبة يبدأ التغيير، وحسن الصحبة يعني حسن التربية، يعني أولويتها، ويعني أيضا أخذ الفرد بالإحسان، واكتنافه بالصحبة، ورفعه مع الجماعة، وأخذه عاطفيا وعمليا، وقلبيا وعقليا، ولذلك فالفعل المضارع مرفوع لمضارعته الاسم، ومنه تعلمت أن من تشبه بقوم فهو منهم، ومن أحب قوما حشر معهم، وأهل المعنى يقولون: هم القوم لا يشقى بهم جليس؛ والمرء على دين خليله، فإن أعمال القلب يأخذها قلب عن قلب مباشرة على أثير المحبة، ومن تحقق بحاله لم يمِل عنه حاضروه. وحسن الصحبة مفتاح لكل موقف مؤيد مسدد اليوم وغدا، فالطريق وعرة خطرة، والطريق اليوم سبخة تغوص فيها الأقدام، وزلقة تهوي بالمستعجل، مليئة بشوك يُدمِي، وحفائر تسبب العثرات، بل بمصائد واستدراجات، وثبات الخطوات الوئيدة، تصنعه الصحبة الموفقة السديدة، وثبات الخطوات المتئدة الوئيدة أولى من الوثبات، وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ؛ واجعل دستورك في ذلك خُذ ما صَفا دَعْ ما كَدَر.

أولياءُ الله لاَ يَهْتَدِى**بِهُداهُم غيرُ مِقْدامٍ بَطَلْ

تُحْسِنُ الظنَّ بِهِمْ وتَرَى**قُدْوةً في قولِهِمْ والعَمَلْ

تُحْسِنُ الصحبةَ في جَمْعِهِمْ**لا تُخَالِطْ أبداً مَنْ هَزَلْ

تحـــسن الـــذِّكْرَ وأورادَهُ**بِحُضُـــورٍ يَقِظٍ وأمـــلْ

تُحْسِــــنُ البـــذلَ عَلَى قِلَّةٍ**تَتَحــاشَى شرَّ داءِ البَخَلْ

تُحسنُ العِلمَ ولا تبتَغي**باقتناءِ العـــلم خَوْضَ الجَدَلْ

طالع أيضا  "إقرأ" في الأردن.. أكبر جدارية لإبراز مكانة اللغة العربية

صـــل يا رب على المصطفى**هوَ في الإحسانِ خَيْرُ مَثَلْ

35.  تعلمت أن المُضارِعُ هو: ما اشتغل به العبد في الحال، من الاشتغال بعمارة الأوقات وما كلف به، ومن ذلك أدركت أن العباد فيه أصناف: صنف منهم واقفين مع الأوقات بقدر الأوقات غائبين عن السوابق واللواحق، وصنف غلب عليهم الاستغراق في شهود الفاعل المختار، فانون عن أنفسهم غائبون عن وجودهم في وجود معبودهم، لا يخطر على بالهم سوابق ولا لواحق مستسلمين لمولاهم في حكمه وقضائه. وهذا هو مقام الإحسان، وعليه ينبغي أن ينصبّ الاهتمام، ويحكم الزمام.

36.  تعلمت أن المضارع هو المشبه بقوم وليس فيه ناهضة حب، وإنما قصده التزيي بأحوالهم والتطفل عليهم، وهو ما كانت فيه العلة الكبرى: الرضى على النفس الذي هو أصل كل معصية وغفلة وشهوة؛ فتعلمت أن من الرضى عن النفس تنشأ الدعوى وتعم البلوى فيدعي من يدعي القرب والوصول ويقول: أنيت أي: قربت من الله ووصلت إليه، والحال أن بينه وبينه ما بين السماء والأرض. وسبب ذلك الغلط والجهل المركب، وسبب الغلط عدم صحبة الرجال والتأدب معهم وتوقيرهم، إذ لا تعرف المقامات إلا بصحبة أهل المقامات العالية. ولمحمد إقبال رحمه الله:

نحن من نعمائه حلف إخاء

قلبنا والروح واللفظ سواء

كل فرد بأخيه ائتلفا

مثل در في سموط ألفا

37. تعلمت أن المضارع مرفوع أبدا، حتى يدخل عليه ناصب أو جازم، ومنه أدركت أن المتشبه بالصالحين القائمين المصاحب لهم، مرفوع أبدا، لأن من أحب قوما حشر معهم، ومن تزيا بزي قوم فهو منهم، فلا يزال عزيزا مرفوعا ما دام منخرطا في سلكهم حتى يدخل عليه ناصب فينصبه لطلب الدنيا أو طلب الرئاسة وحب الظهور القاسم للظهور؛ أو جازم يرده فيقهقره على الرجوع من طلب المولى فيترك صحبة أهل الصلاح والفلاح والتقوى، ومنه تعلمت أن التنازع على المواقع بالوقيعة باطل، ومن أطاع الهوى هوى، ولا يغني ندمك إذا زلت قدمك، ولا تلتفت لمن يقيم أبنية الضرار، ويهتك الأسرار، ويحدث ثغرة في الأسوار، فاستقبل الخير بقلب حر، ولا تقرب لهو السائبين. ولمعروف الرصافي:

طالع أيضا  الدكتور نصيح يصدر بيانا استنكاريا بخصوص بيته الذي يتواصل تشميعه واستباحته

ملأنا الجوّ بالجدل اصطخاباً**وكنّا قبلُ نملؤه هُتافاً

وما زلنا نَهيم بكلّ وادٍ**من الأقوال نُرسلها جُزافا

38. تعلمت من الفعل المضارع آداب الحاصل الحاضر ومنها: اغتنام الوقت قبل الممات، وانتهاز الفرصة قبل الفوات، والمسابقة إلى فعل الخيرات، فقد كانت في قلوب الصالحين لوعة الشوق إلى معرفته والمسارعة والمسابقة إلى مغفرته ورحمته. وأنا المسكين، عُريان الغفلة؛ ما يفيدني وينفعني مع الله نهض الناس أو سقطوا، كرهوا حالة غفلتهم أو بها اغتبطوا. ما ينفعني مع الله إن كان عقلي مسدودا عن العبرة، وكانت عيني مجدبة من خشوع وعبرة. يشهد كسلي وانحطاط عملي ببراءتي من الهمة، لا أبالي بمن سبقني إلى القمة. ولشاعر القوم:

السباق السباق قولا وفعلا**حَذّرِ النفس حسرة المسبوق

39. تعلمت من الفعل المضارع الاستمرار والمداومة على الصالحات، فقليلٌ دائم خير من كثير منقطع، فلا بد من الصبر وتحمل أعباء الطريق، و الاستمرار في بذل الجهد رغم كل ضيق وتضييق، والسماح في بعض الحقوق رغم كل حصار وتصفيق وتلفيق، وعدم استعجال النتائج، وأكون كإبراهيم الخواص رحمه الله، ما هاله شيء إلا ركبه، وأن علاج الهول أن تزدريه، وتذلّلَه وتمسك بلجام المصاعب حتى تنقاد، فإن طبيعتها كذلك، تتمرد وتجمح، لترهب الذي يريدها، فإذا كان عارفا بطبائعها أقدم عليها بشجاعة وتحداها، واخترق حاجز الرعب، فتنهار وتستسلم وتُعطيه القياد، على أنها العزمات والهمم وصحبة القمم، هي من يبدد والأهوال والفتن ويزيل الألم، وغيابها يورث الانحسار والانسحاب ورجفات القلق والهروب من الميدان والعيش بين الحفر.

وانتصارات القلوب هي منبع ومفتاح انتصارات الساحات والميادين. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ الْتُكْلَانُ.

فـإن تكـن الأيـامُ فيـنا تَبـَدَّلَتْ**بِـبُؤْسى ونُعْمى والحوادثُ تَفعلُ

فـــما ليَّـنَت منَّـا قنـاةً صـليـبةً**ولا ذلَّلـتْـنا للـــتي ليـــس تجْمُلُ

ولــــكن رحـلنـاها نفـوساً كريـمةً**تُحمَّـلُ ما لا يُستـطاعُ فتحملُ

طالع أيضا  قراءة في كتاب العدل.. د. متوكل: من عقبات إقامة العدل نظام الاستبداد نفسه الذي يصادر الحريات ويستفرد بالقرار

وقَيْنا بحسن الصبر منا نُفـوسَنا**فَصَحّتْ لنا الأعراضُ والناسُ هُزَّل

(يتبع)