بقلم: المصطفى سنكي

تنويه:

كثيرة هـي الأمثال الشعبية التي لا تُعرف لها قصة على الرغم من شيوعها وانتشارها في الحياة اليومية للناس، ومنها مثل “شْحالْ قَدّك من استغفر الله يا البَايْت بْـلا عْشا”، والذي يعني تجنبا لأي غموض نتيجة اختلاف اللهجات فـي الـمناطق: “كم يكفيك من الاستغفار ليلا، يا من فرّطت فـي صلاة العشاء”.

كما وجب التنبيه إلـى أن الـمراد من لفظ “عْشا” فـي الـمثل هو صلاة العِشاء، وليس وجبة العَشاء، ذلك أن تضمن الـمثل للاستغفار وهو من الأذكار يُحيل علـى الصلاة، وكلاهما ينتميان إلـــى الحقل التعبديّ.

دلالاتٌ وعِـبَـرٌ:

إذا كان من خصائص الأمثال الدقة في إصابة الـمعاني، فإن هذا الـمثل يصلح للبرهنة علـى وضوح القصد بكل يُسر. وعليه، لا اختلاف فـي مجالات استعمال وتوظيف هذا الـمثل دون الحاجة للاستعانة بقصته، فهو يقال لـمن انصرف للاشتغال بأمر ثانوي وضيّع ما يُعتبر واجبا بالضرورة، شأنه شأن من فرّط في صلاة العِشاء وهي من الصلوات الـمفروضة وسعى لتعويضها بكثرة الاستغفار. وهذا لا يعني الاستهانة بفضل الاستغفار، بقدر ما يعني احترام ترتيب الشرع للعبادات، وفـي الحديث القدسـي “وَمَا تقرَّبَ إِلَيَ عبْدِي بِشْيءٍ أَحبَّ إِلَيَ مِمَّا افْتَرَضْت عليْهِ، وَمَا يَزالُ عَبْدِي يتقرَّبُ إِلى بالنَّوافِل حَتَّى أُحِبَّه…”. لذلك فــ“إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة صلاته، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله”. كما فـي الحديث النبوي.

تثبيت الفرائض قبل الاجتهاد فـي النوافل تراتبيةٌ منطقيةٌ أثبتها حديث جبريل عليه السلام الذي وضح درجات الدين الثلاث: إسلام، إيمان، فإحسان، فلا يصح إيمان قبل استيفاء متطلبات الإسلام، ولا تشوّف لـمراقــي الإحسان قبل استحكام وتثبيت مقتضيات الإيمان. تراتبية صححها البيان القرآني للأعراب لـما ادّعوا الإيمان: قالت الأعرابُ آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا. فلا قفزَ على الدرجات والمراحل.  ذات التراتبية معتبرة فــي علم النحو الذي ميّـز بين مكونات الجملة أثناء الإعراب بيـن العُمدة كالـمبتدأ والخبر والـمفعول به، وبين الفُضلة وهو ما كان زيادة فـي التدقيق والتفصيل كالحال والنعت مثلا بعد استيفاء العناصر الضرورية للجملة.

طالع أيضا  ذ. قانون: الحاج عبد الرحمان عماري لم ولن ينسى من سلبوا ابنه حق الحياة

مثل شعبي يُعضده الـمثل الشائع: “أشْ خصّك آلعرْيان؟ قال: خاصّني خاتم أمولاي”؛ للتأكيد علـى مركزية وأهمية التخطيط فـي حياة الأفراد والـمجتمع؛ تخطيط يحدد الأولويات ويرتبـها. فالحكمة وضع الشيء فـي مكانه ترتيبا، وفـي وقته الـمناسب إنجازا، فقيمة كل عمل وسلوك فـي موافقته لوقته، لذلك كان أحب الأعمال الصالحة الصلاة فـي وقتها؛ وإنما يُؤجر الصابر عندما يصبر وقت الشدة والبأس ولحظة نزول البلاء، مصداقا لقوله تعالـى مُعدّدا مظاهر البر وصور التقوى فـي سورة البقرة: وَالصَّابِرِينَ فـِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الـْمـُتَّقُونَ.  

وعليه، لا يستقيم تقديم الأمور الثانوية علـى الأصول فـي كل مجال، فلا معنى للتطبيل للمشاريع الترفيهية وصرف الأموال والجهود فيها قبل توفير شروط وأسباب كرامة الـمواطن ولو فـي حدها الأدنـى، وإلا كيف يتيسر الولوج والاستفادة من خدمات مرافق ترفيهية عالية الجودة باهظة الثمن لـمن يعاني البطالة والهشاشة الاجتماعية؟! فكما لا يصح بناء دون دعامات تسنده، لا يستقيم أي شـيء وُضعت الفُضلة فيه مكان العُمدة/الركيزة، وكل إخلال بهذا الـمنطق فالـمحصلة لا تعدو هدرا للوقت وتبذيرا للجهود فـي غير جدوى وطائل. ولذلك قيل: من صحت بدايته أشرقت نهايته.

والحمد لله رب العالـمين.