انطلق الأستاذ سعيد ضياء في الحلقة الرابعة من برنامجه “خير نساء العالمين” -الموسم الثاني- من قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.

واستدعى ضياء في الحلقة التي أفردها للصبر والجهاد عند السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، مواقف من بطولتها في نصرة الدعوة من خلال تهممها بهم أبيها النبي عليه الصلاة والسلام، واستيائها من الظلم الذي تعرض له من قبل كفار قريش.

وأشار إلى التصرف “الأرعن” لأبي لهب، بعدما كلّم النبي صلى الله عليه وسلم قريشا وفيهم خطب، وقام له فتكلم ممتعضا معترضا وأساء الأدب، وقال: “تبّا لك ألهذا جمعتنا”. فأنزل الله قوله تعالى: تبت يدا ابي لهب وتب…. موضحا أن هذا التصرف فتح الباب أمام سفهاء قريش ليتجرؤوا على مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فآذوه علانية جهارا، وتآمروا عليه ليلا ونهارا.

ولذلك بعد أيام قليلة من إعلان رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دعوته، وبينما هو قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ -كما روى البخاري- وجَمْعٌ من قُرَيْشٍ في مَجَالِسِهِمْ، إذْ قَالَ قَائِلٌ منهمْ: ألَا تَنْظُرُونَ إلى هذا المُرَائِي أيُّكُمْ يَقُومُ إلى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ، فَيَعْمِدُ إلى فَرْثِهَا ودَمِهَا وسَلَاهَا، فَيَجِيءُ به، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حتَّى إذَا سَجَدَ وضَعَهُ بيْنَ كَتِفَيْهِ، فَانْبَعَثَ أشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وضَعَهُ بيْنَ كَتِفَيْهِ، وثَبَتَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إلى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ – وهي جُوَيْرِيَةٌ -، فأقْبَلَتْ تَسْعَى، وثَبَتَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَاجِدًا حتَّى ألْقَتْهُ عنْه، وأَقْبَلَتْ عليهم تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الصَّلَاةَ، قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بقُرَيْشٍ، ثُمَّ سَمَّى: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بعَمْرِو بنِ هِشَامٍ، وعُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وشيبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بنِ عُتْبَةَ، وأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وعُقْبَةَ بنِ أبِي مُعَيْطٍ، وعُمَارَةَ بنِ الوَلِيدِ. قَالَ عبدُ اللَّهِ: فَوَاللَّهِ لقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَومَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إلى القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: وأُتْبِعَ أصْحَابُ القَلِيبِ لَعْنَةً.

فكانت هذه واحدة من صور الإيذاء التي تعرض لها مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذاقت معه آلامها أسرته الشريفة، ولملمت جراحها الغائرة فاطمة الصغيرة عليها السلام…

طالع أيضا  مجلس نصيحة يقارب موضوع المشترك الإنساني من منظور تربوي في الذكرى الثامنة لرحيل الإمام

فأشار ضياء إلى أن مثل هاته المواقف تبين أن هذا الدين لم يصلنا فوق أطباق الذهب مغطى بمناديل الديباج، “والله ما بلغنا هذا النور إلا فوق جثث الشهداء عظيمي الأجور الذين كتبوا قصة الإسلام بدمائهم الزكية، وضحوا بالأنفَس والأنفُس في سبيل الله، وما وهنوا وما استكانوا، ولا طبّعوا ولا ضيعوا”.

وصور ضياء بأسلوبه تلك الغصّة المريرة التي شعرت بها طفلة في عمر الزهور، وهي ترى أباها ساجدا وفوق جسده الشريف فرث ودم وسلا جزور، وسفهاء أشقياء يتمايلون من شدة الضحك والنشوة والسرور…

استرسل المتحدث موضحا الأحداث توالت سراعا، ورأت الزهراء عليها السلام من إيذاء قريش لأبيها أنواعا من الأذى، بعدما جنّدت قريش ذبابها وأبواقها ووظفت منابرها الإعلامية للتشويش على دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والافتراء عليه. فتارة يقولون هو كاهن أو ساحر، وتارة يقولون هو مجنون أو شاعر، وتارة يقولون بل هو كذاب أشر…

وتابع ضياء مبينا أن قريشا لا تتورع قريش عن العنف الجسدي مع هذا العنف اللفظي في حقّ مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتارة يضعون التراب على رأسه، وتارة يضعون القاذورات على جسده، وتارة يرمون الأشواك والأزبال في طريقه، ناهيك عن التهديد والوعيد، وما يحاك في السر من مؤامرات الغدر وخطط الاغتيال.

فكانت فاطمة الصغيرة عليها السلام شاهدة على كلّ هذا البغي، بل وكانت تنال حظها من آلامه النفسية القاهرة وجروحه القلبية الغائرة، يقول ضياء.

وتابع قائلا: “وبعد ثلاث سنوات من الإيذاء الذي لم يُجْدِ نفعا ولم يُحقق هدفا، بل على العكس هذه الدعوة الجديدة كانت تتوسع أكثر، وينضوي تحت لوائها المزيد من الناس. قررت قريش اللجوء إلى حصار الجماعة المؤمنة وكل من ساندها أو انحاز إليها. فحبس المؤمنون ومن آزرهم في شعب أبي طالب، وتمت مقاطعتهم اجتماعيا واقتصاديا في خطة دنيئة تخالف كل أعراف وتقاليد وقيم مكة السابقة”.

طالع أيضا  د. الرضى: هبّت رياح التوبة وأقبلت.. فهلمّ الصلح مع الله

ولكي يعطي كفار قريش لجرمهم هذا شرعية -يقول المتحدث- فقد اجتمع سادة القبائل جميعا وتعاقدوا وكتبوا بذلك صحيفة غاشمة، وليضفوا عليها شيئا من القدسية علقوها داخل الكعبة. استمر هذا الحصار ثلاث سنوات اضطر المؤمنون ومن ساندهم من المشركين أن يأكلوا الجلود ويقتاتوا على أوراق الشجر، وتضوع الأطفال جوعا حتى سمع بكاؤهم وأنينهم وحن لهم أعداؤهم.

كانت فاطمة الصغيرة عليها السلام شاهدة على كل هذا، فقد جاعت كما جاعوا، وأنّت كما أنُّوا، وتألمت كما تألموا، وخرجت من هذا الرباط المبارك هزيلة الجسم لكن قوية الإيمان مرفوعة الرأس.