أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الباحثة في الشأن السياسي وعضو المجلس الوطني للقطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان الأستاذة خديجة الكمري، بمناسبة مرور سنة على انطلاق جائحة كورونا وتعاطي الدولة المغربية مع هذا الوضع الذي فرض نفسه على الجميع.

الحوار وقف عند التقويم العام للتدبير، والاتجاه الذي حكم قرارات وإجراءات حالة الطوارئ والحجر الصحي وتفاصيلها، ووضع القطاعات الحساسة كالصحة والتعليم، والوضع الاجتماعي للمواطن المغربي… وغيرها من القضايا الهامة.

فيما يلي نص الحوار:

مضى عام كامل على انطلاق حالة الطوارئ وما أعقبها من حجر صحي وتدابير في المغرب من أجل مواجهة جائحة كورونا، ما ملاحظاتك العامة على تعاطي الدولة مع هذا الحدث؟

بسم الله الرحمن الرحيم. بداية أشكر دعوتكم الكريمة للحديث حول هذا الملف الذي شغل المغاربة عامة وترك العديد من علامات الاستفهام حول تداعياته على المستقبل الذي لا يزداد إلا غموضا، خاصة بعدما تحدث آخر تقرير للمندوبية السامية للتخطيط عن ارتفاع نسب الفقر الذي تضاعف سبع مرات وما تحمله هذه الأرقام من دلالات. لكن الملاحظ عموما هو أن الدولة المخزنية ظلت متصالحة مع طبيعتها السلطوية، ولم تفاجئنا كثيرا بكيفية تعاطيها مع الجائحة، سواء من ناحية احتكار تدبير الملف في جو من التعتيم والغموض لف العملية برمتها، وقد ظهر ذلك جليا في تضارب التصريحات في أحيان كثيرة، أو من ناحية استغلال الحدث لترسيخ منطق الاستبداد خاصة في المبالغة في استعمال القوة ضد بعض التجاوزات من طرف بعض المواطنين، أو في تصفية الحسابات السياسية مع مجموعة من الأصوات المعارضة التي تغرد خارج سرب المخزن، إضافة إلى مجموعة من الانتهاكات التي ارتكبت ضد حقوق الإنسان…

ثمة من يرى أن الدولة في المغرب تعاطت مع الوضع بكثير من الحنكة والسرعة مقارنة مع قدرتها وظروفها؟

جميعنا أشدنا في بداية تعاطي الدولة مع الجائحة بسرعة رد الفعل في فرض التدابير الوقائية للحد من خطر انتشار العدوى، وقد انخرط غالبية المغاربة في إنجاح هذه العملية بروح وطنية عالية جدا حتى وإن كان هناك بعض الحالات الجانبية، لكن ما ظهر لاحقا أن رد فعل الدولة لم يكن بتخطيط محكم، وأن ليس هناك سيناريوهات محتملة لتدبير المراحل التي ستعقب إجراءات الحجر وتكلفتها الاقتصادية الكبيرة جدا، إضافة إلى تكاليفها الاجتماعية والنفسية، فما وقع بعد فترة الحجر من ارتفاع للإصابات وللوفيات وما ظهر من عدم قدرة المستشفيات على استيعاب الحالات الوافدة، ومن استغلال بعض أصحاب المصحات الخاصة للجائحة لمضاعفة الأرباح المادية تحت أعين الدولة العاجزة تحت سطوة الجائحة، طرح سؤال الجدوى من فرض الحجر أساسا منذ البداية إن لم يكن بغرض التأهب للفترة التي ستعقبه، هنا ظهر حجم التخبط والارتجالية.

مع الأسف ليس هناك مجال للحديث عن الحنكة، وبالتالي لم يكن الحجر إلا فترة سجن للمغاربة في انتظار أن يكون الوقت أو المناخ عاملا في القضاء على الفيروس كما أشيع، لكن عندما تم التأكد من كونه من الفيروسات المعمّرة لم يعد هناك مجال لتمديد فترة الحجز الكلي، وبالتالي تكشفت سوءات كثيرة..

الدعم الذي قُدّم للفئات الهشة، وعدم انهيار القطاع الصحي رغم كل صعوباته، واستمرار النظام التعليمي وعدم توقفه، وتوفير الخدمات الأساسية طيلة هذا العام… ألا يمكن أن نعتبر ذلك نجاحا؟

طالع أيضا  ذكرى الاستقلال وسؤال الاستقلال

أولا لا يمكن الحديث عن مجرد صعوبات في القطاع الصحي، بل نتحدث عن منظومة هشة ومتهالكة، كذلك الشأن بالنسبة للنظام التعليمي الذي يحتل مراتب متدنية، دون الحديث عن نسب التسرب والهذر المدرسي، وعدم مواكبته لا لسوق الشغل ولا للتطورات العالمية… والأمر سيان بالنسبة لنظم الرعاية الاجتماعية؛ راميد نموذجا، حيث تم فيها إطلاق اليد الطولى للسلطة وأعوانها في تقدير من هم أصحاب الاستحقاق، وتم تدبيرها بطريقة شابها الكثير من الاختلالات باعتراف وزير الداخلية، وقد تكشّف استفادة الأعيان من خدماتها، بينما حرمت فئات عريضة من أصحاب الاستحقاق الفعلي…

الحديث عن النجاح يجب أن يرتكز على مؤشرات واضحة، والواضح قبل الجائحة أن البنيات الاجتماعية هشة جدا وغير قادرة على توفير الخدمات اللازمة للمغاربة حتى في الحالات العادية، وما حصل أثناء الجائحة هو كشف الستر عما تبقى من سوءات الفساد المستشري في مفاصل الدولة وعن حجم الفجوة بين إمكانات المغرب وثرواته وبين ما يعيشه المغاربة من حرمان حتى من حقوقهم الأساسية، وإذا كانت منظومات صحية قوية وتعليم متطور ونظم رعاية قوية في البلدان المتقدمة اقتصاديا وسياسيا قد انهكتها الجائحة، كيف يمكن إذن لبلد منظوماته متهالكة كالمغرب أن يتبجح بأنه نجح في احتواء الأضرار الناتجة عنها. الحديث عن النجاح هو فقط من البروباغندا التي يعتمدها المخزن لتلميع صورته، والواقع أنه لولا ألطاف الله تعالى بعباده المستضعفين، ولو أن انتشار العدوى كان بمثل الشراسة التي انتشرت بها في أوربا وأمريكا لقضت في بلدنا على الأخضر واليابس ولكانت الكارثة أعظم.

كيف تتبّعتِ وعشت أوضاع المجتمع الذي توقفت معظم قطاعته الاقتصادية والاجتماعية في مراحل مختلفة؟

بعد عام عن بداية الجائحة وربما مع بداية التأقلم معها بشكل أو بآخر، ستظل ذاكرة  المغاربة خزانا لصور من القهر والإحساس بالحكرة بل والغربة في أرض الوطن، مما يستحيل أن يمحوها الزمن، فحدث المواطن الذي لم يعد يحتمل الجوع ومات منتحرا تاركا وراءه لافتة كتب عليها جملة (تنموت بالجوع) اختصارا لبؤس حياته، وحدث العالقات في معبر سبتة وتعرضهن لخطر التحرش والاغتصاب، والعاملات الزراعيات اللاتي تسبب الإهمال وعدم الرقابة في إصابتهن بالوباء، وملف العالقين ومآسيهم الإنسانية، إضافة إلى مآسي من فقدوا ذويهم والتكتم على ملفاتهم الصحية ومعاناتهم في المستشفيات… كلها وغيرها أحداث ستظل عالقة في الضمير الإنساني تسائله عن جدوى الدولة ومؤسساتها ومسؤوليها الذين عجزوا حتى عن توفير الحد الأدنى من العيش الكريم للمواطن، دون الحديث عن مطبات التعليم عن بعد وعدم تكافؤ الفرص الذي تفرضه التفاوتات المجالية والتفاوتات الاقتصادية، أو الحديث عن مصير آلاف الأسر التي كان عماد عيشها على الاقتصاد غير المهيكل، أو عن تنامي ظاهرة العنف الزوجي خاصة أثناء فترة الحجر بسبب ضيق فرص العمل أو انعدامها في مقابل استمرار تكاليف الحياة الباهظة، كل تلك الأحداث أظهرت وبالواضح أن المواطن البسيط هو أكثر من دفع كلفة الجائحة وهو أكبر المتضررين منها.

تنامت تخوفاتُ أصوات سياسية معارضة وحقوقيين من استغلال ظروف الوباء وفرض حالة الطوارئ لتعزيز مسار الاستبداد والتسلط في المغرب. إلى أي حد توافقين هذا التخوف، مع العلم أن معظم دول العالم كانت في حاجة إلى قوة سلطة تنفيذية تتحرك بسرعة وفاعلية لمواجهة هذا الحدث العالمي؟

يقال أنه لا قياس مع وجود الفارق، نعم هناك دول عديدة احتاجت إلى قوة تنفيذية تتحرك بسرعة وفاعلية لتطويق الجائحة والحد من انتشار العدوى، لكنها في المقابل حرصت على توفير الخدمات الأساسية ودعم العائلات المعوزة كما هو الشأن في إيطاليا وفرنسا وتركيا على سبيل المثال، أو إعادة ترتيب الأوراق وهيكلة الميزانيات لدعم قطاع الصحة بإنشاء المستشفيات الضخمة والزيادة في طاقتها الاستيعابية وتوفير الأدوية وصناعة الأجهزة والمعدات اللازمة، ثم إمداد البحث العلمي بكل المقومات في تجربة السباق لتصنيع اللقاح كما حدث في الصين مثلا التي كانت أكثر تطرفا في فرض الطوارئ بالقوة، وكانت الأسرع في احتواء الجائحة، فمثل هذه الدول لم تكن المقاربة الأمنية هي الحل الأوحد لديها في مواجهة الحادثة، إنما كانت فقط في مرحلة انتقالية يعقبها التخطيط للمراحل القابلة. أما في بلد كالمغرب مثلا، مات فيه مواطن منتحرا بسبب الجوع أثناء فترة الطوارئ، وعانت عائلات كثيرة من العوز وقصر اليد، وحرم الكثيرون من الاستفادة من دعم صندوق كورونا بسبب الأمية وتعقيد مسطرة الاستفادة.. لم تكن المقاربة الأمنية إلا زيادة في التنكيل بالمواطن وإطلاقا ليد الاستبداد وزبانيته للمزيد من التسلط والاستعلاء، ناهيك عن أن هناك فعلا استغلال لحالة الطوارئ لإسكات الأصوات المعارضة كما حدث لمجموعة من الصحفيين والحقوقيين والنشطاء، ولضرب الحق في الاحتجاج في الشارع العمومي بدعوى الخوف من انتشار العدوى وبالتالي قمع مجموعة من التظاهرات لفئات سياسية ونقابية..

طالع أيضا  سنة على انطلاق الجائحة.. الأستاذة الكمري: كورونا كشفت سَوْءَات الفساد المستشري في مفاصل الدولة

ما المؤشرات التي تعتمدين عليها للقول بأن النظام المغربي مضى في اتجاه ترسيخ التسلط؟

النظام في المغرب مثله مثل أي نظام شمولي استبدادي، يسعى لترسيخ وجوده باستعمال القوة، ويؤمن بأن هيبة الدولة مرتبطة بقدرة آلتها الأمنية على القمع والتخويف، وقد نهجت هذا النهج في قمع حراك الريف وجرادة، وكيف جعلت من رموزه عبرة لمن تسول له نفسه الاحتجاج على واقع الظلم وغياب العدالة الاجتماعية، عبر الانتقام منهم بأحكام قاسية وتلفيق التهم والنيل من كرامتهم، وهذا ما تنتهجه في قمع احتجاجات قطاعي الصحة والتعليم في محاولة لوأد أي شرارة قد تعيد تجربة ما وقع في 2011 الذي اضطرها إلى التنازل عن هيبتها المزعومة والانصات إلى الأصوات المنبعثة من الشارع، لذلك تجدها اليوم ماضية في نهج القوة والسلطوية عبر القمع وسجن المعارضين وضرب حرية الصحافة ومحاولة فرض الرقابة على الإعلام الموازي بمحاولة تشريع قوانين هدفها حصار حرية التعبير وكتم الأصوات الحرة.. إلى غير ذلك من تمظهرات الدولة المخزنية التي تعتبر نفسها فوق كل القوانين.

اعتبر كثيرون إقدام أعوان السلطة من مقدمين وشيوخ وغيرهم على تعنيف الأساتذة وعلى أعين الجهات الأمنية المشرفة واحدا من أهم مرامي الدولة من تدبير الجائحة، والمتمثل في ترسيخ دور وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية والسلطوية بكافة امتداداتها. كيف تابعت الواقعة وما دلالاتها الاجتماعية والسياسية أولا؟ وما المطلوب لوقف هذا التدمير الرمزي لمكانة الأستاذ ثانيا؟

دولة المخزن تعتبر نفسها فوق القانون وكل النصوص والتشريعات صنعت فقط لتصطاد بها معارضيها، هي جهاز يتحرك من قمته لقاعدته بواسطة التعليمات التي لها وحدها وجوب النفاد، ولتعطي المصداقيه لهذه التعليمات تجدها تحمي جهازها من كل مساءلة أو تعريض لطائلة المحاسبة أو القصاص وفق القانون، وما حدث في واقعة الشهيد كمال عماري وعدم تقديم الجناة للعدالة هو من مظاهر حماية المخزن لأجهزته ليعطيها الأمان ويطلق يدها في القمع والتنكيل بالمواطنين المغضوب عليهم. وهذا بالضبط ما يقع اليوم في حق الأساتذة من تعنيف ومن محاولات لإهدار الكرامة.

طالع أيضا  هكذا حبَّبنا الإمام ياسين في رسولنا الكريم (10)

أما الدلالات السياسية للواقعة فهي الفصل بين جهة لها واجب الطاعة وجهة لها واجب الخضوع والامتثال، كما الفصل بين السادة والعبيد، وكما الفصل بين أصحاب الضيعة والعاملين فيها وفق شروط عقود الإذعان التي تكون فيها إرادة صاحب السلطة هي المحددة لبنود العقد، وبالتالي ضرب رمزية الأستاذ ومكانته الاعتبارية في النسيج الاجتماعي حتى لا يكون قدوة أو قطبا للحشد، بعد ضرب الوساطات السياسية المتمثلة في الأحزاب، والوساطات الاجتماعية المتمثلة في المركزيات النقابية، واليوم باتت فوهة المدفع موجهة نحو الرموز لكي يضل المخزن وحده في الساحة دون منافس ويبقى صوته فقط هو المسموع، لذلك فالمطلوب من القوى الحية ألا تسمح بهذا الخرق السافر للحقوق الذي يضرب كل القيم النبيلة، فضرب الرموز قضاء على أجيال بأكملها، والدفاع عن كرامة الأستاذ دفاع عن المستقبل وصناعة للتاريخ.

يسجل على التدابير المتخذة الكثير من التضارب وعدم الانسجام، وآخر ذلك المضي نحو فتح المزيد من الفضاءات كالحمامات والقاعات الرياضية مثلا في مقابل بدئ الحديث عن إغلاق ليلي في رمضان يشمل صلاة التراويح. كيف تنظرين لهذه التدابير من حيث انسجامها ومنطقها؟

أولا لا يمكننا بناء مواقف على أساس ما يشاع من أحاديث لازالت إلى حد الساعة لم تصدر عن جهات رسمية، ولكل حادث حديث، لكن ما وقع سابقا عندما فتحت المقاهي والنوادي الرياضية في مقابل استمرار قرار إغلاق المساجد بدعوى الخوف من أن تشكل بؤرا لانتشار العدوى، كان فيه تناقضا صارخا عبر عن انتقائية فجة وغير مقبولة وتطرح الكثير من علامات الاستفهام حول الأسباب الحقيقية وراء استمرار قرار غلق المساجد، وما أعتقده أن هذه القرارات لم تكن عشوائية حتى وإن ظهر عليها التضارب وعدم الانسجام، ومع استمرار تصاعد احتجاجات الأستاذة وازدياد السند الشعبي لمطالبهم العادلة، قد يتم الركوب على حدث الجائحة وفرض الطوارئ في ليالي رمضان لمحاولة حصار تمدد هذه الاحتجاجات وتطويقها عبر توفير سند قانوني يعطي “الشرعية” لأي تدخل في حقهم.

أخيرا ما المطلوب من قوى المجتمع من أجل صنع توازن خلاّق في المعركة مع السلطوية والاستبداد وتسريع الخطى في مسار الحرية والكرامة والعدالة؟

المعروف منطقا أن ما يصنع التوازن داخل المجتمع هي حلقات الوساطة التي تؤمن التواصل بين المواطن بمختلف فئاته ومؤسسات السلطة الحاكمة، إذ تعتبر هذه الحلقات المتمثلة في مختلف هيئات المجتمع المدني من أحزاب أو نقابات أو جمعيات… بمثابة صمام أمان لضمان السلم الاجتماعي والحفاظ على مختلف التوازنات، لكن ما سعى له المخزن منذ عقود للاستفراد بالسلطة، هو ضرب هذه الوساطات عبر شراء النخب أو تحييدها أو قمعها بالقوة، حتى أصبحت الساحة فارغة بسبب عدم الثقة الذي أصبح سمة تطبع العلاقة بين المواطن وهذه الهيئات، وهو من أخطر ما يهدد استقرار المجتمع، لذلك فالمطلوب اليوم تكثيف الجهود لإعادة اللحمة واستعادة الثقة ورص صفوف كل غيور على مصلحة الوطن لإعادة بناء هذه النخبة، وبالتالي فرض إرادة التغيير والتحول الديموقراطي الحقيقي وتضييق مساحات الاستبداد ما أمكن لأن ما يقوي الاستبداد هو ضعف النخب وتشرذمها.