بقلم: الـمصطفـى سـنـكي

قصة الـمثل:

علـى الرغم من كونه أكثر الأمثال شيوعا وانتشارا في البلدان العربية، إلا أن قصته غير متفق عليها، وأكثر الروايات وأقربها لفحوى هذا الـمثل: “ضربني وبكــى، وسبقنـي وشكا”، ما وقع لسيدنا يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز “زليخة” التي راودته عــن نفسه فاستعصم، ولـما انكشف أمرها بادرت للشكوى واتهامه بالخيانة: قَالَتْ: مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، فانتهى به الأمر سجينا ظلما وعدوانا: ثُمَّ بَدَا لَهُم من بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات  لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حين. (سورة يوسف).

دلالاتٌ وعِـبَـرٌ:

لعل أبرز دلالة لهذا الـمثل الشائع كشفه لطبائع بعض الناس واستمرائهم الظلم؛ جنوح إلى الظلم رصده الشاعر أبو الطيب الـمتنبي فـي بيته الشهير حيث يقول:

والظلمُ من شِيَمِ النفوسِ*****فإنْ تجدْ ذا عِفّةٍ فلِعلّةٍ لا يَظلمُ

ومعناه: إن بعض النفوس البشرية تنزاح إلى الظلم والعدوان، ثم تقدم على تبريره وتسويغه، وإنما يتعفف الإنسان ويسلك الـمسلك القويم إذا انحاز إلى فطرته السوية. وقد استدعينا قول الـمتنبي لرصد حالة سلوكية عند تلك الفئة، وإلا فالأصل فـي الفطرة البشرية هو الطيبوبة، وإنما تنـزاح النفس عن طبيعتها الخيِّرة نتيجة التربية غير السوية وتحت تأثير الواقع الذي “يفرض” تصورات معينة.

وبالعودة إلـى الـمثل، يلاحظ أنه يُعري ظلما مزدوجا: ضربٌ وتباكٍ ثم مسارعة للتشكــي. إن الظالم إنما ينزع للظلم لوجود سند يحميه، لذلك فهو لا يتورع فــي الظلم، بل يسعــى لتزكيته باللجوء للشكوى، فيقع الظلم والعقاب على الطرف الضعيف الذي لا يسعه إلا الرضوخ لرغبة الظالم ومن يؤازره ويحميه، وتبقــى قصة سيدنا يوسف عليه السلام مثالا بليغا لهذا الظلم الـمزدوج الذي تكفلت العناية الإلهية بفضحه ولو بعد ردح من الزمن: “قَالَتِ امرأة العزيز الآن حَصْحَصَ الحقُّ أنا راودته عـن نفسه وإنه لـمن الصادقين”.

طالع أيضا  محبته صلى الله عليه وسلم العروة الوثقى

وإذا كان الظلم وادعاؤه سلوكا مشينا مذموما شرعا وعرفا وفطرة، فإن أثره الوخيم يتضاعف عندما يصدر من الجهة التي يُفترض فيها حمايةُ الأفراد وتوفير شروط البيئة العادلة. يزداد الظلم وادعاؤه بشاعة عندما تتبناه أجهزة الدولة آلية لـمصادرة الحريات وهضم الحقوق، فتنتصب الإدارة وأجهزة الدولة خصما وحكما فـي نفس الآن، وتُحوَّر القضايا وتفبرك الـمحاكمات (الاعتداء علـى أعوان السلطة نموذجا)، ويستحيل الضحايا الأبرياء جناةً يودعون فـي غياهب السجون.

“ضربني وبكــى، وسبقنـي وشكا” مثلٌ سارٍ وشائع فـي كل بيئة اختلت موازينُ قيمها، وبارت منظومتها التربوية، وأفلس فيها تدبير الشأن العام، فلا غرابة أن يشيع الـمثل و”يتنافس” الأفراد وأجهزة الدولة على تبنيه ليبقــى مؤشرا على اختلال عام في الـمجتمع ومؤذنا بالخراب والبوار.  

مثلٌ بحمولة مُشبعة بانحطاط قِيمي وإفلاس أخلاقـي يعتبر التصدي له واجبا سعيا للصلاح أفرادا ومجتمعا، عبر البوابة التربوية أولا تثبيتا لقيم الفضيلة والعدل، وعبر الـمنظومة الزجرية تصديا لكل أشكال التسلط والشطط فـي استعمال النفوذ والسلطة، وتوفيرا لشروط العدالة والإنصاف وسيادة القانون، وتكريسا للمواطنة الحقة، وتشجيعا علـى الانخراط الإيجابـي في البذل والعطاء خدمة للصالح العام.

والحمد لله رب العالـمين.