بقلم: فؤاد هراجة

يُجمع الفلاسفة أن وجود حاكم يدبر شؤون الدولة ضرورة تقتضيها السياسة. الموقف نفسه يتبناه الدين حين يعتبر أن تنصيب الحاكم واجب شرعي وموقف عقلي. لكن ما الذي يعنيه فعل اختيار الحاكم؟ إنه يعني إيداع كل شخص إرادته في شخص الحاكم؛ أي أنه يختار من هو جدير بتجسيد إرادته وترجمتها حقيقة في الواقع. تجتمع في الحاكم إذن كل الإرادات لتشكل إرادة جامعة تقتحم كل عقبات التدبير السياسي. هذه القوة الاقتحامية يتوجب استخدامها في ما يحقق النفع العام لسائر الناس داخل الدولة أولا وقبل كل شيء.

وبناء عليه فإن وظيفة الحاكم في أصل الأمر تتمثل في تحقيق ما يريده الناس وليس ما يريده الحاكم لنفسه. إنهم أودعوه إراداتهم لتدبير مصالحهم وفق ما يريدون. فإن هو أساء استعمالها جاز لهم استعادتها ووضعها عند من هو أهل لذلك، إما عبر رفض حكمه او عدم التصويت عليه. والحاكم هنا قد يكون شخصا أو حزبا أو حكومة أو تيارا. فعندما نعني أن الحاكم إنما يستمد إرادة الحكم من إراداتنا، حينئذ فقط سندرك أننا مسؤولون عن أي فساد سياسي واقتصادي لأننا ارتضينا أن توظَّفَ إرادتنا في ذلك.

إن الشعب حينما يرتقي بوعيه لفهم جوهر الحكم سيدرك لا محالة أن الحاكم مجرد خادم مستأمن على إرادات الناس، يتوجب عليه حفظها ورعايتها واستثمارها في الخير العام. هكذا عندما يخرج الناس للاحتجاج، يكون غرضهم من ذلك تذكير الحاكم من خلال شعاراتهم أن هذه إرادتنا، وهذا ما نريده! والطبيعي أن يتفاعل الحاكم معهم وينظر مع حكومته كل السبل لتحقيق إرادتهم، وإلا سيكون قد أخل بالعهد والعقد والأمانة.

إن سر نجاح السياسات في الغرب سببه فهم الناس وإدراكهم لحقيقة الحكم، وعدم بقائهم رهائن الوهم الزائف. بكل أسف خالفنا صريح القرآن الكريم في قوله تعالى وأمرهم شورى بينهم ثم خالفنا صريح السنة النبوية بأن أصبحنا متاعا يرثه الحكام أبا عن جد. فمتى يا ترى سنعتق رقابنا، ونستعيد إرادتنا، ونحرر الأجيال القادمة من ربقة استعباد الحكم ووراثته؟

طالع أيضا  مهرجان الذكرى العاشرة لاغتيال الشهيد كمال عماري (فيديو)