الـمصطفـى سـنـكي

تــأطــيــر:

الأمثال الشعبية أقوال مأثورة تعكس تجربة الشعوب وثقافتَها. وبها تُتبادل التجارب، وتُتقاسم الخبرات. وتتميز الأمثال بالإيجاز لفظا، والبلاغة تعبيرا، والدقة في تبليغ الـمعانـــــي. وتمثل الأمثال في مجموعها حكمة الشعوب والـمشترك الإنسانــي على مستوى القيم والـمواقف.

واعتبارا لدورها التربوي من جهة، وقوتها الحجاجية الإقناعية من جهة ثانية، اعتمدها البيان القرآني في مواقف كثيرة ومتنوعة داعيا إلى تدبرها واستيعاب رسائلها، كما في قوله تعالى في سورة العنكبوت: وتلك الأمثالُ نضربُها للناسِ وما يعقلها إلا العالـمون، وقوله عز وجل في سورة الحشر: وتلكَ الأمثالُ نضربها للناس لعلهم يتفكرون.

وتقريبا لدلالات بعض الأمثال الشائعة، ولفتا للانتباه إلى جزء مهم من تراثنا الشعبي، نتناول مثل “عادت حليمة لعادتها القديمة”، تعريفا بقصته واستقصاء لأهم دلالاته،

قصة الـمثل:

قد يكون للمثل أكثر من قصة بحسب الـمناطق، وتبقى قصة حليمة زوج (أصحُّ من زوجة) حاتم الطائي أشهر قصص هذا الـمثل. ذلك أن حليمة كانت بخيلة عكس زوجها حاتم الطائي الذي كان مضربا للمثل في الكرم، فقد بلغ بها البخل أنها لا تضع السمن الكافـي أثناء إعداد الطعام، إلى درجة أن يدها ترتجف كلما أخذت ملعقة سمن فلا تلبث أن تعيدها، وسعيا منه لتخليص زوجه من آفة البخل أخبرها أن الـمرأة تزداد عمرا بيوم عن كل ملعقة سمن في الوعاء، فبادرت حليمة للعمل بنصيحة زوجها وأضحى طعامها لذيذا شهيا.

 وبعد مدة، مات ولدها وحزنت عليه حزنا شديدا إلى درجة عافت الحياة، فبدأت تقلل السمن بالطعام ظنا منها أن ذلك سيقصر من عمرها ويُدني أجلها، فقال الناس: “عادت حليمة إلى عادتها القديمة”.

دلالاتٌ وعِـبَـرٌ:

للمثل دلالات وعبر إن على مستوى الأفراد والجماعات، ومن ذلك:

§     الطبع غلاب، ويغلب الطبع التطبّع، فقد يجتهد الإنسان للتغلب على بعض طباعه وعاداته غير الحميدة، لكنه وأمام خفوت الحافز يضعف ويعود لـما كان عليه من العوائد والـمألوفات التي بحكم العادة ترسخت في طباعه. وليس عبثا أنِ اعتُبر العزم على عدم العود شرطا من شروط التوبة النصوح، حتى قيل: لا توبة مع العود أو الإصرار على الذنب.

طالع أيضا  ذ. عبادي: الملكية والحكومة يتحملان مسؤولية قرار التطبيع.. ونقترح تغييرا جوهريا هذه ركائز ميثاقه

ويعتبر حديث “آيات الـمنافق” مفتاحا تربويا لـمعالجة اختلالات النفس قولا وسلوكا وفعلا. يقول صلى الله عليه وسلم: “آية الـمنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”، غير أن حصر علامات النفاق السلوكية فـي علاقة الإنسان مع غيره تجعل نجاعته التربوية والزجرية محدودة، عكس توجيه مسار مضامين الحديث النبوي إلـى علاقة الإنسان مع نفسه. فكم حدّث الواحد منا نفسه بوجوب الاستقامة والـمسارعة للطاعات، لكنه سرعان ما تخبو منه العزيمة؟ وكم وعدا قطعه الـمرء على نفسه بألا يفعل كذا، ولـم يَفِ بوعده؟ وكم استُؤمن على أعمال صالحة فخان الأمانة؟

لذلك يتطلب الأمر إرادة وعزيمة مقتحمة للتغلب على سالف العوائد والـمألوفات التي تكبل حركة الإنسان وتعوق سيره وتحول دون نجاحه، لا فرق في ذلك بين نجاح دنيوي أو نجاح أخروي، فالنجاحان لا سبيل لهما إلا بالقطع مع الـمثبطات والتشمير على ساعد الجد لـمعانقة التفوق والتميز. وتبقى التربية والبيئة الـمحتضنة للأفراد مع شرط الاستعداد مفتاح التغيير والولادة الجديدة للإنسان.

§     وما يجري على الأفراد يجري على الجماعات البشرية بل والأنظمة السياسية، فتحْت ضغط الـمطالبة بالتغيير والإصلاح يُضطر الاستبداد للتجاوب مع نبض الشارع، يُناور ويوحي له دهاقنته الـمحليين والعالـميين بالانحناء للعاصفة، فيُعطــــي الوعود بالإصلاح، وتتولـى الـماكينة الإعلامية التسويق للعهد الجديد والقطع مع عهود سوء التدبير؛ لكنه سرعان ما ينكص الاستبداد ويُخلف الوعود ليعود لسالف عوائده وطبعه، فلا عجب يتردد الـمثل بعد كل نكوص وانقلاب على وعود الإصلاح “عادت حليمة لعادتها القديمة”.

حقيقة لا تحتاج برهانا، فالواقع يشهد بها، والوحي الإلهي أقَـــرّها في حق الأقوام العاتية الطاغية التي طُبعت على الظلم والاستبداد، ولا تمنعها القوارع والوعيد الإلهي من العودة للبطش والعتو فـي الأرض كلما سنحت لها الظروف. يقول الحق سبحانه كاشفا طبع الاستبداد والـمستبدين: بَلْ بَدا لَهُمْ مَا كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِـما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. (سورة الأنعام:28).

طالع أيضا  في حوار معمّق حول مؤتمر "البعد الإنساني في فكر الإمام".. الدكتور الرضى يُبشِّر المهتمين بمَأْدُبة علمية دَسِمة

خارج النص:

مفارقة عجيبة بين دوافع حليمة زوج حاتم الطائي بعد حزنها علـى وفاة ولدها، حيث عادت إلى عادتها القديمة في التقليل من وضع السمن في الطعام اعتقادا منها أن ذلك سيُدنـي أجلها ويُسرّع وفاتها، وبين دوافع الأنظمة الاستبدادية في التراجع والالتفاف علــى مطالب الإصلاح، إذ تعتبر ذلك سبيلا لاستطالة نظامها وتثبيتا لتسلطها ولحكمها فـي رقاب العباد. ولكن هيهات هيهات، فالعدل أساس الـمُلك على حد تعبير العلامة ابن خلدون رحمه الله.