بقلم: محمد الدوقي

في صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، نشرت حملة “أستاذي راك عزيز” نتائج استطلاع للرأي أجرته مؤخرا لتقييم التعليم خلال السنتين الدراسيتين الماضية والحالية، استطلاع شمل شريحة من التلاميذ تتوزع عبر مستويات الثالثة إعدادي والأولى بكالوريا والثانية بكالوريا، وهي شريحة كما يتضح تنتمي للمستويات الإشهادية حيث يُختتم كل موسم دراسي بإجراء امتحانات مدرسية إشهادية وهي بمثابة محطة مفصلية ومصيرية في المسار الدراسي للمتعلم.

الهدف من استطلاع الرأي، كما يتضح من خلال الأسئلة الموجهة للتلاميذ المشاركين، هو الوقوف على مدى تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في مجال التربية والتكوين ومدى نجاعة التدابير المتخذة من طرف الوزارة الوصية لضمان تعليم جيد لكافة أبناء الشعب المغربي في احترام تام للزمن المدرسي وللمواد الدراسية المقررة في المناهج الدراسية، في ظل أزمة الجائحة التي لا زالت تخيم بظلالها على سمائنا وفي وقت ما فتئت الاحصائيات الرسمية تروج لنجاح مقاربتها في تدبير العملية التعليمية خلال هذه المرحلة الاستثنائية من تاريخ بلدنا، وهو ما يتنافى مع شواهد الواقع التعليمي الكارثي ببلدنا والتقارير الإعلامية في تغطيتها لكثير من جوانب القصور والعجز والارتباك في سير عمل المنظومة التعليمية خلال مرحلة الجائحة.

الاستطلاع ركز في أسئلته على ست محاور رئيسية؛ تقييم العملية التعليمية خلال السنة الدراسية الماضية، نوع النظام التعليمي المتبع خلال السنة الحالية 2020/2021 (تعليم حضوري 100%، تعليم عن بعد 100%، تعليم بالتناوب “حضوري/تعليم ذاتي عن بعد”)، تقييم العملية التعليمية خلال الموسم الدراسي الحالي، عدد الساعات التي يدرسها المشارك في الاستطلاع أسبوعيا، نسبة استكمال المقرر الدراسي إلى حدود وقت إجراء الاستطلاع، وأخيرا الوسائل البديلة التي اعتمدها المشارك في استطلاع الرأي بشكل شخصي لتدارك تعثر النظام التعليمي الحالي.

على مستوى تقييم المشاركين لعملية التمدرس خلال السنة الدراسية المنصرمة حيث أزمة كورونا في أوجها، تم خلالها فرض حجر صحي لمدة ثلاثة أشهر وتوقيف الدراسة حضوريا والاستعاضة عنها بالتعليم عن بعد، عبر ,368% من المشاركين في استطلاع الرأي عن عدم رضاهم واعتبروا أن مستوى التعليم خلال سنة الجائحة كان رديئا، مقابل,7 26% اعتبروا أن المستوى التعليمي كان مقبولا و5 %اعتبروا أن مستوى التعليم كان جيدا. نتيجة أكدت التخوفات والشكوك التي أبداها حينذاك مختلف المتدخلين في العملية التعليمية من أساتذة وأطر المراقبة التربوية وجمعيات آباء وأولياء التلاميذ وغيرهم، حول نجاعة التعليم عن بعد ومدى جاهزية الوزارة لإنجاح هذا النمط من التعليم الذي يتطلب إمكانيات مادية ولوجيستيكية في الوقت الذي تفتقر فيه المؤسسات التعليمية ببلادنا لأبسط مقومات التعليم الحضوري فما بالك بالتعليم عن بعد، وهي نتيجة كذلك تفند الإحصائيات الرسمية بهذا الخصوص البعيدة كل البعد عن الواقع وعن حالة عدم رضى المغاربة الواسع عن مستوى تعليم أبنائهم والتي عكستها نتيجة هذا الاستطلاع، وهو كذلك ما يفسر نسبة98,9  %، حسب نتائج الاستطلاع، الذين فضلوا متابعة دراستهم حضوريا، أو فضلوا اضطراريا نمط التعليم بالتناوب “حضوري/تعليم ذاتي عن بعد” تحت إكراه الخصاص المهول في القاعات الدراسية وحالة الاكتظاظ التي تعيشها جل مؤسساتنا التعليمية. أما بخصوص تقييم المشاركين في الاستطلاع لعملية التمدرس خلال السنة الدراسية الحالية والتي عرفت اعتماد الوزارة الوصية لنمطي التعليم الحضوري وبالتناوب “حضوري/تعليم ذاتي عن بعد” وهو خيار لجأت له الوزارة بعد تردد في بادئ الأمر وضغط من طرف آباء وأولياء التلاميذ باعتباره نتيجة طبيعية لعدم رضاهم عن تجربة نمط التعليم عن بعد بشكل كامل، فقد عبر 47,8 %عن عدم رضاهم عن سير عملية التمدرس خلال هذه السنة، مقابل 44,4 % عبروا عن رضاهم، و7,8 %اعتبروه جيدا.

طالع أيضا  د. بن مسعود: لا بديل عن تأجيل الدخول الدراسي إلى حين إبداع بدائل جديدة بطريقة تشاركية

نتائج استطلاع الرأي الذي أجرته حملة “أستاذي راك عزيز” أظهر كذلك مستوى غير مسبوق في هدر الزمن المدرسي للمتعلم؛ حيث أغلبية المشاركين في الاستطلاع يدرسون ما بين 10 ساعات إلى 20 ساعة أسبوعيا وهو عدد أقل بكثير من معدل ساعات التعلم الأسبوعية، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى عدم استكمال التحصيل الدراسي للمتعلم وما ينتج عن ذلك من تدن في جودة العملية التعليمية برمتها، وهو ما أكدته نتيجة استطلاع الرأي حول نسبة استكمال المقرر الدراسي حيث إن 58,9 % من المشاركين نسبة استكمالهم للمقرر الدراسي تتراوح ما بين أقل من 20 % و60 %، علما أنه لم يتبقى على نهاية الموسم الدراسي سوى شهرين كأقصى تقدير، أضف إلى ذلك ما تتطلبه إجراءات المراقبة المستمرة من وقت سيتم اقتطاعه بالضرورة من زمن تعلم التلاميذ، هذا دون ذكر الزمن الذي من المفروض أن تتطلبه حصص المراجعة والدعم والتثبيت والتقوية، حتى يواجه التلاميذ الاختبارات الموحدة يحذوهم الأمل، مستقرين نفسيا واثقين من أنفسهم أن النجاح حليفهم، وهو ما يفسر كذلك تصريح وزيرالتربية الوطنية إمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بالبرلمان بإمكانية تمديد السنة الدراسية وهو اعتراف ضمني بالفشل في المقاربة التي اعتمدتها الوزارة منذ بداية السنة بخصوص احترام زمن التعلمات واستكمال المتعلمين لتحصيلهم الدراسي.

كما كشف استطلاع الرأي عن التكلفة المادية الباهظة التي تتحملها الأسرة المغربية نتيجة تعثر النظام التعليمي الحالي والذي لم يستطع لحد الآن أن يضمن تعليميا جيدا لأبنائها، حيث إن 52,2 %من المشاركين في استطلاع الرأي يلجؤون للتعلم الذاتي عبر الإنترنيت و40,6% منهم يلجؤون لدروس الدعم الليلية مما يضاعف من معاناة الأسرة المغربية في ظل وضع اقتصادي متأزم زادت من حدته أزمة كورونا، بينما 14,4% منهم فضلوا عن طواعية أو مكرهين العمل الجماعي مع الأصدقاء، لكن ما يبعث أكثر على الأسف والحسرة هو نسبة الذين ليست لهم بدائل لتدارك تعثر النظام التعليمي الحالي وهم يشكلون تقريبا خمس المشاركين، وهي نسبة ليست بالهينة إذا استحضرنا نتائج ذلك على مستواى تحصيلهم الدراسي ومستقبلهم التعليمي ككل.

طالع أيضا  الجبهة المغربية تندد بمنع مسيرة الأحد.. وتدعو إلى يوم وطني للتضامن مع الشعب الفلسطيني

إن ما كشفته نتائج استطلاع الرأي الذي أجرته حملة “أستاذي راك عزيز” حول تكافؤ الفرص في التعليم المغربي، هو حالة العجز والارتباك الذي أبانت عنه الوزارة الوصية في تدبير الحالة الاستثنائية التي تمر منها بلادنا على مستوى المجال التعليمي والحد من تداعيات أزمة كورونا على السير العادي للعملية التعليمية التعلمية برمتها، وكذا الفشل في ضمان مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع أبناء المغاربة على حد سواء، بين أبناء المناطق القروية حيث غياب الإمكانيات والتكنولوجيا الرقمية وبين أبناء المناطق الحضرية، بين أبناء الفقراء حيث انعدام الإمكانيات والوسائل البديلة الداعمة للتعلم وبين أبناء الأغنياء حيث الإمكانيات ومجالات اختيار البدائل الداعمة متنوعة ومتاحة، مبدأ هو من الركائزالأساسية للقانون الاطار الذي وضعته الوزارة وبشرت بتنزيله وبايجابياته وهو ما لم نلمسه لحد الآن، على الأقل في هذه المرحلة الاستثنائية حيث المتعلم أحوج ما يكون فيها للدعم والمؤازرة وللتجسيد الحقيقي لهذا المبدأ.