بقلم: عبد القادر فرطوطي

لا شك أن تنوعا فكريا وعقائديا واقتصاديا… كهذا، يتطلب من القيادة تأنيا وتؤدة وروية وحنكة كبيرة في اتخاذ القرارات السياسية المناسبة والحاسمة، ويتطلب كذلك وجود قيادة ربانية حكيمة آثرت وتوثر المصالح العامة على المصالح الخاصة الضيقة، وذات بعد نظر لجني ثمار قراراتها في المآلات القريبة والبعيدة.

وهي صفات لا توجد إلا فيمن علم يقينا أن الله سبحانه لا يضيع أجر المحسنين، هكذا كان الصحب المجاهدون رضي الله عنهم أجمعين وقد تربوا في الحضن الشريف، وتدربوا على توطين مبدإ الشورى مبكرا في مجتمعهم.

ألم يكونوا مضطهدين مطاردين في مكة وغيرها فأصبحوا بفضل الله ورسوله منعمين بالحرية والكرامة والعيش المشترك الكريم والأمن على الأهل والأنفس والأموال؟

ألم يعذب منهم الكثير بسبب تشبته بعقيدته، بل منهم من استشهد في سبيلها؟ ألم تكن الحرية مطلبا أساسيا لهم وهم المهجرون قسرا من أوطانهم؟

نعم وقد تدرجت الصعاب في امتحانهم من امتحان إلى امتحان “من امتحان استعداد المؤمنين للقتال في غزوة بدر، فامتحانهم على الصبر في تحمل الهزيمة في أحد، فامتحانهم على التوكل على الله ولو أجمع العالم كله على قتالهم في غزوة الخندق، ثم امتحانهم على الطاعة في صلح الحديبية، ثم امتحانهم على العفو عند المقدرة في فتح مكة، ثم امتحانهم على ألاَّ تعجبهم كثرتهم في غزوة حنين، ثم الامتحان الأكبر في غزوة العُسْرة” 1.

نعم كانت الحرية مطلبهم لأنها “حاجة فطرية أصيلة في الإنسان من حيث هو إنسان وشرط من شروط وجوده الاستخلافي وعطائه الإبداعي” 2، خاصة حرية الاعتقاد والتعبد لله دون قيد أو شرط، فلا وجود ولا استخلاف ولا عطاء إبداعي في كل مناحي الحياة بدونها.

من هنا كانت أولوية بناء مجتمع ملتحم، رغم الاختلافات العقدية والاجتماعية والاقتصادية، يضمن للمعذبين في الأرض كرامتهم وحرياتهم، ويزرع بذرة الأمل لدى المسلمين أساسا، وهي البذرة نفسها التي تاه عنها الناس في زمننا بسبب سياسات التجهيل والتيئيس والتخويف، بذرة رعاها الصحب تحت إشراف المعلم والمربي الأول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه بعض ثمراتها:

·    بناء مجتمع متعاون على أساس مشترك تطاوع له الجميع، فلولا الغدر والخيانات لعاشت الشعوب في أمن وأمان رغم اختلافاتها العقدية، وتبايناتها الاجتماعية، وتفاوتاتها الاقتصادية، لوجود حد أدنى من المشترك كان يمكن الاجتماع عليه، ونفس الأمر يمكن حدوثه في زماننا إن وجدت الإرادات والنيات الصادقة التي تبغي الخير لهذا الوطن.

طالع أيضا  أخي المسلم، اختبر نفسك في رمضان

·    آثار مهمة على الدعوة الفتية وتوسع آفاقها، إذ تمكنت بالرحمة من التغلغل في نفوس مختلف شرائح المجتمع المدني.

·    نبذ كل أشكال التنقيص أو التنكيل بالدعوة والدعاة كما كان في الفترة المكية، حيث أصبحت عين الدولة الفتية على تنفيذ بنود الاتفاق والضرب على من يتجاوزها من جميع الأطراف، وما وقع لليهود بعد الخيانة خير شاهد على ذلك.

·    طمأنة كل الأطراف بالعيش الكريم والاحترام المتبادل، بتحديد الواجبات والحقوق تحت ظل وطن يتسع للجميع، ولقد كان ذلك حاسما في قبول الآخر وعدم الغائه، أو إقصائه.

·    سد الطريق أمام الأعداء التقليديين بمكة الذين ناوروا لتأليب الرأي العام الجديد ضد المطاردين، لكنهم لم يفلحوا في ذلك، لأن الرأي العام الداخلي حُصن بمعرفة أعدائه الحقيقيين والمحتملين.

من هنا يتضح أن التربية النبوية المتزنة المتوازنة كانت جالبة لكل المصالح ودارئة لكل المفاسد، وهي حنكة للقائد واستراتيجيته في العمل، وتقديره للمصلحة والمفسدة من أجل تحقيق مجموعة نتائج آنية ومستقبلية، وهذا بتوفيق من الله طبعا.

وبالإضافة إلى ما سلف ذكره، أشير إلى أن تجنب الحرب ما أمكن مع اليهود أساسا من بين أهم النتائج التي تحققت في ظل العيش المشترك، لماذا؟ لأن الحرب مع عدو يهوى الحروب والفتن، ومتمرس وشرس وماكر، وهو مع ذلك جبان، يعتبر مضيعة للجهد والوقت، بل هو مجرد مناوشات لأعداء سيموتون ميتتهم الطبيعية مع مرور الزمن.

فاتضح من خلال هذا المعطى أن سلاح السياسة والحوار مع من يجمعه بهم مشترك يتعايشون عليه “قد يكون أنجع من سلاح الحديد عند الاقتضاء” 3، لأن كل وقت يمر في إطار التعايش، يُكسب الدولة والدعوة مساحة في صفوف الخصم، واقتناص فرصة التواصل مع الجميع، وصناعة مجتمع العيش المشترك، بهدف تكثير سواد الداعمين للمشروع الجديد، وتضييق دائرة المناوئين.

ومن ناحية أخرى فإن التركيز على مساحة المشترك يوحي بأن الزمن زمن الإسلام، وأن كل شعار غير شعار المسلمين ستمجه الأسماع مع مرور الوقت، بل ستنصرف عنه القلوب والعقول 4.

وفي ذلك رسالة وإعلام للأجيال اللاحقة وتعليمهم من وراء ستار الغيب، أن الحل للأزمات بعد الصدمتين 5 بأيديهم، ضمنه تقدير المصلحة والمفسدة في إطار مشترك يجب البحث عنه وتوسيعه.

طالع أيضا  ذ. حمداوي: قومة القدس وفلسطين قومة أمة بإذن الله

ثم هو إخبار بأن ليس من صالح أي دولة ودعوة فتية فتح حرب مع عدو ذي شوكة، ثم إن الطمع في إسلامهم بالتعايش أسلم.

ولم تكن هذه النتائج صدفة، بل كانت تخطيطا وعملا دؤوبا بالليل والنهار ومشورة، وما كانت لتدوم؛ بعد فضل الله تعالى؛ لولا تحصينها بتثبيت القاعدة الصلبة بخطوطها الثلاثة:

أولا: خط العهد بين تجمع الأنصار وتجمع المهاجرين، وبموجبه أصبحوا أمة واحدة من دون الناس، وما ترتب عن ذلك على المستويين القريب والبعيد، ولتثبيت ذلك أكثر، كان لابد من الخط الثاني.

ثانيا: خط المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، وبما أن المهاجرين جميعا كتلة واحدة، أي لم يكن تجمعهم على أساس قبَلي، كما الشأن بالنسبة للأنصار، كان الخط الثالث.

ثالثا: خط المؤاخاة بين المهاجرين فيما بينهم، ليحمل قويهم ضعيفهم، دون نسيان باقي بنود الوثيقة والعلاقة مع اليهود أساسا القريبين والبعيدين.

وبشكل عام نظمت الوثيقة 6 العلاقات بين أبناء هذا المجتمع على اختلاف ديانتهم في دولة الإسلام، أو دولة النبوة، والتي بنيت في بداياتها على غير شرط المسلمين، بل على شرط جميع مكونات المجتمع المدني آنذاك، وقد “احتوت كل المبادئ التي ترسخ التسامح والتعايش والسلم داخل المجتمع الواحد بين كل أفراد المجتمع باختلاف أعراقهم ودياناتهم وتوجهاتهم على أساس المواطنة” 7، فحققت نتائج كبيرة أهمها:

أولا: تحقيق العدل للجميع؛ بغض النظر عن جنس الإنسان أو لونه أو ديانته، ومن تمثلات مبدإ العدل في هذه الوثيقة إلزام الأفراد بتحمل مسؤولية ما يقومون به ولا يعاقب فرد بجريرة فرد آخر 8.

ثانيا: انتشار شعور عام بالرضا والارتياح في الدولة الجديدة التي لم تقص أي طرف من أطراف المجتمع.

ثالثا: التمكن من حفظ الحقوق بشفافية تامة لجميع الأطراف، إذ لم يكن هناك تمايز ولا تفاضل على أساس ديني أو اجتماعي أو اقتصادي، وعلى أساس ذلك حددت الواجبات والحقوق بوضوح، وعلم أبناء الوطن عدوهم الوحيد والمشترك، فحرم التحالف معه حفظاً لأمن الوطن وأبنائه.

رابعا: انبعاث رأي عام يؤمن بالاختلاف والمشترك 9، وبواجب الدفاع المشترك ولعل هذا ما أسهم في نشر رحمة الإحسان الذي ساد في الناس بعد أعوام من التربية وجهاد النفس: برا وإتقانا وعملا، وتأسيس جيل يحب الله ورسوله، قائما لله شاهدا بالقسط، لا يتحاسد ولا يتباغض، ولا يبغي بعضهم على بعض، أمرهم شورى بينهم، فصاروا على هديه بعد لحاق النبي صلى الله عليه بربه، فكانت خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي عن مشورة لا خفية، وهي تجارب تكاد تختلف عن بعضها البعض لأسباب ذاتية وموضوعية، ليس مجال عرضها.

طالع أيضا  فضل ليلة النصف من شعبان

وحسبنا أنً توسع دار الإسلام، وأعرابية القبائل، واستيقاظ العصبـية الجاهلية، والصراع على الجاه والمال والسلطان، كان سببا في الانتقال والتحول من حال الاستقرار والوحدة إلى الفرقة والتشتت مبكرا.


[1] ياسين عبد السلام، القرآن والنبوة، ص: 97/98.
[2] محماد رفيع، التعاون مع المخالف في درء الظلم وجلب العدل: دراسة تأصيلية، مجلة منار الهدى، الكتاب الأول، الطبعة الأولى: 2012، ص: 169.
[3] ياسين عبد السلام، القرآن والنبوة، ص: 98.
[4] ياسين عبد السلام، الجهاد تنظيما وزحفا، مجلة الجماعة، ص: 47. بتصرف.
[5] صدمة الانكسار التاريخي ومآلاته، ثم صدمة الاستعمار وآثاره المدمرة على الدين والبلاد والعباد.
[6] ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر الطبعة: الثانية، 1375هـ/ 1955م، ص: 501/502/503/504.
[7] الشيخ ولد الزين ولد الامام، وثيقة المدينة المنورة كأول وثيقة تؤسس لحقوق الإنسان، (مقال إلكتروني).
[8] المرجع نفسه. (مقال إلكتروني).
[9] إن المشترك الإنساني وهو مجموع العناصر الكبرى التي تتوقف عليها حياة الآدميين على ما بينهم من تعدد واختلاف، لا يلغي الدين البتة، إنما يتضمن هذا المشترك، ومن هنا أتت حجيته وقوته، فكل قيم الدين، من وحدة ورحمة وعدل… ضامن وصمام أمان لسلم عالمي وأمن إنساني بعيدا عن كل أشكال الصراع العسكري التي لا ينبغي أن تكون، وإن كانت لا تكون إلا عرضا. انظر أحمد الفراك، الحوار الحضاري والعيش المشترك(3) (مقال إلكتروني)، 1 يناير 2020 https://www.ibnghazicenter.com/. وانظر المهدي بنعبود، أسئلة الإبداع والتجديد في فكر الدكتور المهدي بنعبود، مجلة منتدى الحوار، عدد: 23، مطابع إمبريال، الرباط 2015، ص: 4.