افتتح فضيلة الأمين العام لجماعة العدل والإحسان كلمته الجامعة في ختام فقرات الرباط الربيعي عن بعد الذي نظمته الجماعة ابتداء من الجمعة 28 رجب 1442 هـ الموافق لـ 12 مارس 2021 م إلى غاية يوم الأحد 14 مارس، وذلك تحت شعار: “التوبة والقرآن، كيف نتوب إلى الله ونكون من أهل القرآن؟”، وقد عرضت قناة الشاهد بعض مواده مباشرة، بحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “سيصيب أمتي داء الأمم” فقالوا: يا رسول الله، وما داء الأمم؟ قال: “الأشر والبطر، والتكاثر والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي” (رواه الحاكم، وصححه الذهبي)، وفي رواية مزيدة “حتى يكون البغي ثم الهرج”.

ثم ذيل السيد الأمين العام هذا الحديث بقطف من المنهاج النبوي قال فيه الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله: “فلا يدخلن في عضوية الجماعة ونظامها إلا القادرون على حمل هم الأمة، القادرون على بذل النفس والنفيس جهادا في سبيل الله، الأقوياء الأمناء على ذلك، مع شرط التقوى ومحبة الله ورسوله”، ويضيف كلاما آخر للإمام يقول فيه: “نكتفي ممن ندعوهم بفضول المال والوقت والجهد ريثما تنضج رجولتهم الايمانية فيهبوا كل المال وكل الوقت وكل الجهد والنفس لله” ليستخلص من كل ما سبق فوائد جمة للرباطات خاصة ومجالس التربية عامة.

فقد اعتبر الأستاذ عبادي أن الغاية من هذه الرباطات هي “أن تربطنا بالله عز وجل؛ محبة وشوقا ويقينا وتوكلا وإخباتا وتضرعا واضطرارا وما سوى ذلك من كل الأحول القلبية في علاقة القلب بربه سبحان وتعالى”. وهي أيضا، يضيف، تربط العضو في الجماعة بالصحبة والجماعة، فعن طريق دعاء الرابطة وإهداء سلكات الختم القرآني مثلا ترتبط الأرواح والقلوب وتتآلف وتتحاب في الله عز وجل فينشأ عن ذلك بحسبه “الجسم المرصوص الذي يحبه الله عز وجل ليكون قادرا على تحمل أعباء الدعوة، وعلى الجهاد في سبيل الله”.

طالع أيضا  تأجيل النظر في ملف معتقلي الفنيدق إلى يوم الثلاثاء القابل

كما عد فضيلة الأمين العام هذه الرباطات فرصة لتثبيت يوم المؤمن وليلته، ووضح ذلك بقوله أن الرباطات تساعد المؤمن والمؤمنة على الانتقال من الذكر المحدد زمانا وعددا إلى الذكر الدائم، ومن دعاء الرباطة المحدد في وقت معين إلى التضرع الدائم لله عز وجل، حتى تصبح قلوب المؤمنين والمؤمنات تلهج بذكر الله حتى وإن كانت الألسنة والجوارح منشغلة بأعمال أخرى مصداقا لقول الله تعالى: رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ.

الرباطات أيضا بحسب الأستاذ عبادي تورثنا محبة الله عز وجل، وتكسبنا روحانية عليا ونورانية قوية تجعلنا في حصن حصين من الدعوة المضادة، وتدفع عنا وساوس الشيطان والهوى والنفس، كما أن هذه الروحانية والنورانية، يضيف، تجعلنا نثبت عند الابتلاءات والمحن والشدائد، لأن الله سبحانه وتعالى يربط على قلوب المتعلقين به في أوقات الأزمات والشدائد، مستدلا بقصة فتية الكهف في قول الله عز وجل: وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطَا.

وقد خلص الأستاذ عبادي من هذه الفوائد إلى خلاصة عامة سماها “الرباط لما بعده”، وهذا الشعار يقتضي من حملة رسالة العدل والإحسان تنزيل هذا المشروع العدلي والإحساني على أرض الواقع، بل يقتضي ذلك مجابهة المشروع المضاد الذي أعقب الأمر الإلهي بالعدل والإحسان في القرآن الكريم في قول الله تعالى: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ، أي “الدعوة المضادة التي تنشر الفحشاء وتأمر بالمنكر، وتمارس البغي والظلم والتعسف والاستبداد على الناس”.

وقد زاد موضحا أن مجابهة البغي والاستبداد بالأساليب العنيفة من قبيل الانقلابات والاغتيالات لن تؤدي إلا إلى فوضى وما لا يحمد عقباه، كما كل محاولات الإصلاح من الداخل لم تعد تجدي نفعا، والشواهد التاريخية والواقعية واضحة للعيان استدل الأمين العام للجماعة بأنموذج واحد منها وليس وحيدا هو تجربة الحركة الوطنية بعد الاستقلال. ليخلص إلى أن التغيير الحقيقي ينبغي أن ينصب على “جرثومة الداء لا أعراضه”، وأصل المشكل يفسر المتحدث مذكور في حديث أبي هريرة السالف الذكر؛ الأشر والبطر، والتكاثر والتناجش في الدنيا والتباغض والتحاسد حتى تحول ذلك إلى بغي وظلم واستبداد، حيث أن هذا الأخير في نظره هو نتيجة للأمراض القلبية السابقة.

طالع أيضا  إخلاص النية لله عز وجل.. من أجل رباط مفتوح في ظل حجر صحي إلى أجل

والبغي كما في الحديث سيؤدي إلى هرج وهو الفتنة والقتل، والمسلمون اليوم، يوضح الأمين العام يعيشون معمعان الفتنة، وأعظم هذه الفتنة أن يفتتن الناس في دينهم. وأصل مشروع الجماعة هو مشروع إيقاف البغي ليسود العدل، وهذا ما يتطلب منا، يضيف، أن نكون إلى جانب الحق لتكون دعوتنا لعامة الناس إكراما ورفقا وعطفا وحنانا وملاذا لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالمقابل نقول، يزيد موضحا، للطغاة والجبابرة والمستكبرين كلمة الحق وندعوهم للتوبة العمرية ونفضح استبدادهم وإفسادهم في الأرض.

وللقيام بهذه المهام في هذا المشروع لا بد في نظر العالم المغربي من أداء الثمن واحتسابه لله عز وجل، كما يستلزم أن تكون أقدام أعضاء الجماعة راسخة في أرض العبودية؛ تربية ثم تربية ثم تربية، رباطا بعد رباط، ومجالس نصيحة متتابعة، ومجالس إيمانية فردية وجماعية، ليبقى القلب معلقا به سبحانه تعالى استمطارا للمدد والقوة منه عز وجل.

ليختم الأستاذ عبادي كلمته الجامعة بدعوة إخوانه وأخواته في جماعة العدل والإحسان إلى الحرص على الرباطات وكل مواسم الخير من رمضان ورباطات صيفية وغيرها، وتنزيل شعار هذا الرباط الربيعي “التوبة والقرآن” إلى أرض الواقع ليكون شعارا مستمرا أبديا إلى حين لقاء الله عز وجل.