قال الأستاذ فتح الله أرسلان نائب الأمين العام لجماعة العدل والإحسان إن “التوبة النصوح، هذه التوبة التي تقطع مع مرحلة وتنتقل إلى مرحلة، تنتقل من حال إلى حال، أو قل من حال إلى مقام“، وبنية هذه التوبة ندخل إلى الرباط.

جاء ذلك في كلمة ألقاها نائب الأمين لجماعة العدل والإحسان في افتتاح الرباط الأسري الربيعي ليلة الجمعة 12 مارس 2021 الذي اختير له شعار: “التوبة والقرآن“. حيث أكد على ضرورة تحديد النية: فأي توبة نريد؟ وأي نية نعقد؟ وبماذا نريد أن نخرج من هذا الرباط؟ نريد الأجر والثواب هذا بدون شك، لكن نريد أن نحدد الهدف الأسمى الذي نسعى إلى تحقيقه في هذه الأيام المباركات.

وتساءل بالقول ما هي التوبة التي علينا أن نستحضرها في هذا الرباط ونسعى إلى تحقيقها ونسأل المولى عز وجل أن يحققها لنا؟ مستعرضاً أنواعا من التوبة، حتى يحسن المستمع اختيار التوبة التي يريد.

أولاً، يقول الناطق الرسمي باسم الجماعة، هناك التوبة التي تتردد على لسان كثير من الناس، وهي ليست توبة جادة ولا حقيقية، بل يتعامل معها الإنسان بطريقة لا تليق بجناب الله عز وجل. يكون الإنسان وسط المعصية وتقول له اتق الله، ويقول “الله يتوب علينا” وهو يستكمل معصيته ويستمر فيها. فهذا استهتار وعدم اكتراث أو شعور بخطورة ما يقوم به الإنسان، وهذه توبة تجري على لسان الناس، وليست هذه التوبة التي ننشد بالطيع.

وثانياً هناك توبة أخرى لشخص يقوم بمعصية، وحينما تنصحه وتعظه يتأثر، ويقول “الله يتوب علينا”، ولكن حدّ هذه التوبة الكلام، لا تنتقل إلى فعل، يتأثر ويشعر بالتقصير ليس كالسابق الذي يستمر في المعصية، ولكن لا يُحدّث نفسه إطلاقا بأنه سيتوقف عن المعصية ويغير سلوكه. فهذه يمكن أن نسميها توبة سلبية.

وهناك توبة ثالثة، يستشعر فيها الإنسان تفريطه في جنب الله عز وجل، في القرآن والصيام والذكر والدعوة وفعل الخير، والتفريط في كثير من الأشياء، فيتأثر وينتقل من الكلام إلى الفعل، يقول كفى، علي بالتوقف، ومع حماس الأجواء الإيمانية والربانية، يصوغ برنامجاً ويكون طموحاً، ويبدأ التوبة. ولكن مباشرة بعد أن يدخل فيها، ويبدأ البرنامج اليوم الأول والثاني، ثم الأسبوع الأول والثاني والثالث، ثم يبدأ العمل بالتراجع شيئاً فشيئاً، حتى يعود لدرجة الصفر، في المكان الذي كان فيه قبل التوبة. ثم تأتي مناسبة أخرى ويعيد نفس الطريقة، وهكذا. وهذا حال كثير منا. فإذاً يدخل في حلقة مفرغة، تاب ولكن هذه التوبة يمكن أن نسميها بالتوبة المترددة. لأنها ليست بتوبة نهائية، توبة تقطع مع حالة وتنتقل إلى حالة. ويحصل ويتكرر السنة تلو السنة، حتى تصير سلوكاً عادياً والواحد يكرر نفس الأمر، والعمر يجري به، والنفس يتلبس بها الشيطان، قال عز وجل: “يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا“.

طالع أيضا  وفاة قيدوم الصحافيين المغاربة خالد الجامعي بعد معاناة مع المرض

وأضاف: يتصور الإنسان أنه قام بالأعمال الصالحات ولكن النفس منهزمة، يعلن التوبة ولكن يجرّ معه أثقال الماضي، والسلوك الذي أسقطه في تلك المعاصي، يجره معه إلى مرحلة التوبة فسرعان ما يرجع إلى الحال الذي كان فيه، وإلى الدرجة الصفر.

لكن هناك توبة أخرى، حسب الأستاذ أرسلان، وهي التوبة النصوح، هذه التوبة التي تقطع مع مرحلة وتنتقل إلى مرحلة، تنتقل من حال إلى حال، أو قل من حال إلى مقام. وهي من شروط التوبة كما وردت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، التوبة أولاً أن تقطع مع الذنب، الإقلاع عنه، ثم الندم على ما فات، ثم العزم على عدم العودة. أي أنه من الشروط الأولى الانتهاء من مرحلة والدخول إلى أخرى، بعزيمة وقوة وإرادة، أي كما قال رسول الله: “كما يكره أن يقذف في النار” وليس بنفس ضعيفة مترددة.

توبة لا رجعة فيها، لا يعني هذا أنه لا خطأ بعدها، ولكن قد أُفرّط وأتوب، لكن في مكان آخر وفي وضع آخر ومرحلة أخرى. هذا المكان يجب أن نكون فيها نحن أهل الدعوة وليس مكان التردد. وهذه هي التوبة التي علينا أن نختارها كما يقول المتحدث. وهذه التوبة ليست سهلة، فهي بحاجة إلى تدريب، والله سبحانه عز وجل قد هيَّأ لنا الظروف، فهذا الرباط فرصة تدريب، علي أن أجلس مع النفس وأحل معها المشاكل، وأقطع عنها رضّاعة ما هي متعلقة به، وأنطلق إلى معركة جديدة مع النفس.

وشهر شعبان فرصة أخرى ساقها الله لكي أدرب هذه النفس، ولا أعطيها فرصة، وأريها أنني عازم ولم تعد عندي رجعة، لا يمكن ألا أقوم الليل، ولا يمكن ألا أذكر، ولا يمكن ألا أرجع للقرآن. فعندي عهود ووعود قطعتها مع الله عز وجل في القرآن. لكي يأتي رمضان ويجدني مستعداً نفسياً وروحياً لكي يدخل لشهر الغفران والرحمة والعتق من النار. وسيدخل رمضان وأكون تجاوزت مرحلة التدريب، وأبدأ بالتلذذ بالعبادة، وبالقيام وبذكر الله والقرآن. وأعيش الأجواء الإيمانية. وعندما يخرج رمضان أجد نفسي لست مثقلاً بالورد أو الذكر أو القرآن، بل أكون متلذذا بذلك.

طالع أيضا  الانتخابات والصحراء والعلاقة مع الجزائر.. نص الحوار الكامل مع الأستاذ فتح الله أرسلان

ويسترسل مبينا: سيصعب آنذاك أن أفرط في الذكر أو القيام أو القرآن، بل ستصير أموراً أساسية في برنامجي، وإن فرّطت في جزء منها فقط، سأحس بأنني ضيّعت شيئا ما، وهذه هي المرحلة التي يجب أن أكون بها، وليس في مرحلة أقوم فيها بالعبادة وأنا أحس بثقلها وكلفة النهوض لها. بل عليّ أن أشعر بالفرح، والألم هو أن أفرّط في شيئ منها.

هل هذه مرحلة نهائية أصل إليها؟ يتساءل أرسلان، ليجيب بقوله: لا. هنا تأتي مرحلة أخرى، فيمكن أن يقصر الإنسان في يوم ما في شيء، فيسارع إلى التوبة إلى الله تعالى ويرجع إليها، وسيكون لهذه التوبة معنى. لم أقم الليل ساعة ونصف وقمت فقط نصف ساعة في يوم ما، أتوب إلى الله سبحانه وتعالى وأطلب منه الصفح والغفران، وفي الذكر مثلا لم أصل إلى وردي في يوم ما، فأتوب إلى الله. أي أنني سأتوب إلى الله من التقصير وليس من عدم القيام أصلا.

لذلك فالله سبحانه وتعالى يحب التوابين، هؤلاء ليسوا القائمين بالمعاصي الكبيرة والجرائم ثم يتوبون كثيراً، كلا، ولكن اقتداء بالمصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يقول: “واللَّهِ إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأَتُوبُ إلَيْهِ في اليَومِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً” وهو رسول الله الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لأنه عرف أن الله يحب التوابين، وهو يريد أن يكون منهم، وهو معهم وهو رأسهم. وهو قدوة وأسوة لنا، ويرينا ما علينا فعله.

أي أن هذه التوبة المتكررة، شعور الإنسان الدائم بالتفريط، رغم أنه قام وصام، ولكن يتنقل إلى مرحلة تجويد العبادة، فالواحد ملتزم بورده من الذكر ولكن يجتهد كيف لا يكون غافلاً في ذلك الذكر بل حاضراً فيه، وكذلك أقرأ القرآن وأتدبره، وسائر العبادات أعيشها وأجودها وأحسنها، وأنا دوما ً في تطوير، وتفريطي في هذا الجانب يجعلني أبقى دائم التوبة والاستغفار لله عز وجل، لأكون من التوابين والمستغفرين، وممن يحبهم الله تعالى ويقبل عليهم.

طالع أيضا  الناشط سيون أسيدون: التطبيع "قرار سيادي" للتخلي عن السيادة