الحمد لله الذي خلق كل شيء بقدر، وجعل نسل الإنسان من أنثى وذكر، وساوى بينهما فيما نهى وفيما أمر، فالسبق لمن صبر وشكر، وربّه ذكر، والخزي لمن عصى واستكبر، وأصرّ وأدبر. وأشهد أن لا إله إلا الله والله أكبر. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله خير البشر ودرّة الدرر، من انشقّ له القمر، وسلّم عليه الحجر، وبكى شوقا إليه جذع الشجر، اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه ما حنّ مشتاق لطيبة ودمعت عيناه عند رؤية القبة الخضراء والحُجر.

يامن يرى ما في الضمير ويسمــــع.. أنت المعدُّ لكل ما يتوقـــــــــــع

يا من يرجى للشدائد كلهــــــــــــــــا.. يا من إليه المشتكى والمــفزع

يا من خزائن ملكه في قول كــــــــن.. امنن فإن الخير عندك أجمــــع

ما لي سوى قرعي لبابك حيلــــــــة.. فلئن رددت فأيّ باب أقـــــــرع

يقول ربنا عزّ وجلّ: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) 1.
قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: “قَوْلُهُ تَعَالَى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ وَاسْمُهَا آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: قَوْلُهُ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ يُحَذِّرَ بِهِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ فِي الْمُخَالَفَةِ حِينَ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ضَرَبَ لهما مثلا بامرأة فرعون ومريم بنة عِمْرَانَ، تَرْغِيبًا فِي التَّمَسُّكِ بِالطَّاعَةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الدين.

وَقِيلَ: هَذَا حَثٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الصَّبْرِ فِي الشِّدَّةِ، أَيْ لَا تَكُونُوا فِي الصَّبْرِ عِنْدَ الشِّدَّةِ أَضْعَفَ مِنَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ حِينَ صَبَرَتْ عَلَى أَذَى فِرْعَوْنَ. وَكَانَتْ آسِيَةُ آمَنَتْ بِمُوسَى”.

جاء سياق هذه الآيات في ذكر قصة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمنا عائشة وأمنا حفصة حين أخذهما ما يأخذ النساء من الغيرة، فتظاهرتا على سيد الخلق وحبيب الحق. فجاءهما  من الله العتاب، وضرب لهما مثلا امْرَأَة سيدنا لوط وامْرَأَة سيدنا نوح ترهيبا، وضرب لهما مثلا امْرَأَة  فرعون ومريم ابنة عمران ترغيبا.

لكن من يتأمل الآيات بعمق أكبر يرى بأنها تتجاوز حدود ذلك الحدث الخاص وتتعداه إلى ضرب المثل العام “للذين آمنوا”، نساء ورجالا، في كل الأزمنة والأمكنة…

وضرب المثل بامرأتين “للذين آمنوا” هو أبلغ في إيقاظ همم الرجال، و أقوى في استنهاض قلوبهم.

المرأة الأولى “آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ” امرأة فرعون… المرأة التي كانت تعيش في  قصر وأي قصر، لا يلفح وجهها شمس ولا حرّ، ولا يقرس جسدها برد ولا قرّ، منعمّة…  تلبس من الثياب أبهاها، وتضع من الحلي أغلاها، وتأكل من الأطعمة أحلاها… وفوق كل هذا هي تتمتع بسلطة لا حدود لها، فهي زوجة الفرعون.. وأعظم ما يستهوي الناس هو السلطة والرغبة في استعباد الآخرين واستخدامهم.

كان للسيدة آسية كل ما تشتهيه طالبات الدنيا… وكانت تعيش في بيئة لا تستطيع أي امرأة أن تقاوم جاذبيتها، ولا أن تكسر أغلالها الذهبية الآسرة، ولا أن تتخلص من ضغطها الجارف. لكنها استطاعت وفعلت، وصبرت وصابرت. بل لقد تبرأت من تلك البيئة الملوكية المستبدة. تبرأت مما فيها ومن فيها… وطلقت نعيما لطالما رأت ورودَه تسقى بدموع المستضعفين، وشاهدت حدائقَه تروى بدماء المضطهدين.

استطاعت فعلا ما لا يستطيعه كثير من الرجال، وأطاقت ما عجز عنه الفرعون نفسه.

قال الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى في الظلال: “وقد تبرأت من قصر فرعون طالبة إلى ربها بيتا في الجنة. وتبرأت من صلتها بفرعون فسألت ربها النجاة منه. وتبرأت من عمله مخافة أن يلحقها من عمله شيء وهي ألصق الناس به: وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وتبرأت من قوم فرعون وهي تعيش بينهم: وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ..

ودعاء امرأة فرعون وموقفها مثل للاستعلاء على عرض الحياة الدنيا في أزهى صوره. فقد كانت امرأة فرعون أعظم ملوك الأرض يومئذ، في قصر فرعون أمتع مكان تجد فيه امرأة ما تشتهي.. ولكنها استعلت على هذا بالإيمان. ولم تعرض عن هذا العرض فحسب، بل اعتبرته شرا ودنسا وبلاء تستعيذ بالله منه، وتتفلت من عقابيله، وتطلب النجاة منه! وهي امرأة واحدة في مملكة عريضة قوية.. وهذا فضل آخر عظيم. فالمرأة -كما أسلفنا- أشد شعورا وحساسية بوطأة المجتمع وتصوراته. ولكن هذه المرأة.. وحدها.. في وسط ضغط المجتمع، وضغط القصر، وضغط الملك، وضغط الحاشية، والمقام الملوكي. في وسط هذا كله رفعت رأسها إلى السماء.. وحدها..”.

طالع أيضا  ذ. بناجح: ما دامت نفس الأسباب التي أنتجت حراك 2011 قائمة وتتعمق فهي تنعش حراكات مستقبلية أكيدة

ويقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى:

“طاهرة مصطفاة (…) أخرجها الله عز وجل من بيْن فرثٍ ودمٍ لتعلّم المومنات أن الصلاح الأخروي ما هو وقْفٌ على من ولدهن صالحان وكفلهن أصلح وتزوجهن رسول. هي امرأة فرعون. ذُكرت في القرآن بحيثيتها في بيت جبار، لم تُذْكَر باسمها. كافر متأله مفسد في الأرض عالٍ فيها، ما ضر امرأتَه فجورُه وإجرامه. كذلك المومنة، عاشت في كنَف صالحين، في زمن صالح، أو نشأت في عصر سادت دنياه حضارة مجرمة، لا يرفعها ولا يحطها إلا عملها.

رقَّت امرأة فرعون للصبي موسى لما ألقى به اليم والتقطه آل فرعون. وقالت امرأة فرعون قرة عيْن لي ولك لا تقتلوه 2. ونجا موسى الصبي، وكبر موسى الغلام في بيت عدو الله. ربّته ولية الله ورحمته، وتعلمت من موسى النبي الرسول كلمة الهدَى ودين الحق كما تعلم ذلك منه بعض آل فرعون. وضرب الله بها مثلا للمومنات كما ضرب مثلا بمريم” 3.

لم يكن ثمن ما أقدمت عليه هذه المرأة الفذة بخسا. فقد جنّ جنون الفرعون وهو يرى أقرب الناس إليه يعصيه ويخرج عن طوعه وطاعته. ولم يرقب الطاغية في زوجه إلاًّ ولا ذمة، ولم يذكر ما كان بينهما من ودّ وعشرة.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ: “… فَأَوْتَدَ لَهَا أَوْتَادًا فَشَدَّ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا، فَدَعَتْ آسِيَةُ رَبَّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ فَوَافَقَ ذَلِكَ أَنْ حَضَرَهَا فِرْعَوْنُ فَضَحِكَتْ حِينَ رَأَتْ بَيْتَهَا فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ جُنُونِهَا، إِنَّا نُعَذِّبُهَا وَهِيَ تَضْحَكُ، فَقَبَضَ اللَّهُ رُوحَهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.”

كانت طلبتها غالية. فقد طلبت الجوار قبل الدار…

ولله درّ الإمام القشيري رحمه الله تعالى قال:

“قالوا: صغرت همّتها حيث طلبت بيتا في الجنة، وكان من حقّها أن تطلب الكثير.. ولا كما توهّموا: فإنها قالت: ربّ ابن لى عندك، فطلبت جوار القربة، ولبيت في الجوار أفضل من ألف قصر في غير الجوار. ومن المعلوم أنّ العنديّة هنا عنديّة القربة والكرامة.. ولكنه على كل حال بيت له مزية على غيره، وله خصوصية. وفي معناه أنشدوا:

إنى لأحسد جاركم لجواركـــم.. طوبى لمن أضحى لدارك جارا

يا ليت جارك باعني من داره.. شبرا لأعطيه بشــــــــــبر دارا”.

وأعطت رضي الله عنها روحها فداء لربها، فاستحقت أن تكون مثالا يُحتدى به، وقدوة يُتأسّى بها.

وأما المرأة الثانية فهي مريم العذراء… أمّ المسيح عيسى عليهما السلام. المرأة الوحيدة التي ذكرت باسمها في القرآن.

الصغيرة التي حملت بها أمها وهي ترجو أن يكون الحمل غلاما تجعله في خدمة بيت المقدس، لكن تبين أن المولود كان أنثى فسمتها مريم وأعاذتها بالله العظيم من الشيطان الرجيم.

يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: “مريَم هِبة الله لعمران وامرأة عمران، صالحان أنجبا صالحة. وكفلها الأصلح سيدنا زكرياء عليه السلام. كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقا” 4.

طفلةً كانت والكرامات تظهر على يدها، أعظمهن لزومها المحراب والعبادة.

مريم المحراب، مريم الطُّهر، مريم نجيةُ الملائكة، مريم المصدقة بكلمات ربها وكتابه، مريم القانتة. إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين. يا مريم اقْنُتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين 5.

ذهب بعض أهل العلم إلى أنها نبية. والمهم أن تعلم النساء، وتوقن المومنات، أن الله عز وجل كما يصطفي من الرجال عبادا يصطفي من النساء إماء، وأن باب كرمه مفتوح للمرأة كما هو مفتوح للرجل، وأن طاعتَه سبحانه وعبادته والقنوت إليه والجهاد في سبيله هي الأعمال التي تشرف بها المرأة ويشرُف الرجل لأنها أعمال خالدة، تموت الحضارات ويبعث الخلق فرادى ما يجدون عند مولاهم إلا ما قدموا” 6.

مريم التي أحصنت فرجها، وصانت عرضها… لم يذكر ربنا سبحانه لها في هذه الآيات إلا فضيلة العفّة والطهر… لم يذكر لها من الفضائل ما ذكر لها في سورة آل عمران وسورة طه وغيرهما…

طالع أيضا  في ظلال العشر.. "الصوم والإخلاص" مع الأستاذ حسن إزرال

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال: “وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ.. إنها كذلك مثل للتجرد لله منذ نشأتها التي قصها الله في سور أخرى. ويذكر هنا تطهرها: الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها.. يبرئها مما رمتها به يهود الفاجرة! «فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا» . ومن هذه النفخة كان عيسى عليه السلام، كما هو مفصل في السورة المفصلة لهذا المولد «سورة مريم» فلا نستطرد معه هنا تمشيا مع ظل النص الحاضر، الذي يستهدف تصوير طهارة مريم وإيمانها الكامل وطاعتها: وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ“.

طهارة كانت عنوانا وبرهانا ورهانا وعفة، كانت تاجا فوق رؤوس الصالحات تتزيّنّ به وتتميّزن…

عفة دسّ لها المجرمون سمّا بطيء المفعول، فأخذ ينخرها رويدا رويدا عبر عقود تطول، إلى أن أصاب طيفها الجميل الضمور والذبول، فأضحت هيكلا عظميا يحمل لنا في ثنايا مفاصله وجزئيات تعابيره ذكريات خلُق رفيع وخلْق بديع.

رحم الله الإمام المجدد قال يصف لنا كيف اغتيلت العفّة ببطء، وكيف نزلنا على حدّ تعبيره من عالية المصب إلى أسفله:

“نزلنا من عالية الـمَصَبِّ. من المنبع النبوي الصحابي الذي كانت المرأة فيه عالمة مجتهدة مصلحة بين الناس متحركة فاعلة برة تقية مباركة. نزلنا إلى نصف المنحدر في عصر أبي بكر القاضي الذي أعجبه شوارع نابلس التي لا تُرى فيها امرأة ولا يسمع لها فيها حس. نصف المنحدر كان فيه معيار البِر والفجور، ومعيار العفة والغرور لزوم المرأة بيتها إلا أيام الجمع. وفي الألف قرية ونيِّف التي زارها القاضي متهتكات لا يُرى لهن صلاح إلا بالقعود كما قعدت متنسكات الشام. في تلك القرى لم يعوض بناء الجدران ما تقوض من راسخ بناء الإيمان. في تلك القرى زينة بلا حشمة، وعطلة بلا شغل، وفتن وعضلة. لا شغل للحرائر في بيوت تلك العهود لأن من يجررن الرحى حتى تَدْمَى أيديهن، ويكنُسن حتى تَغْبَرّ ثيابهن لم يكنّ فاطمة بنت النبي وأسماءَ بنت أبي بكر، إنما كنّ وَخْشاً من الإماء المعذبات في الأرض.

ونُحضر شاهدا آخر غيورا ليصورَ لنا مشاهد من سافلة الـمَصبّ في عصرنا، عصر قاسم أمين وبورقيبة والثَورة الجنسية والعهر المكشوف. كان في منتصف الانحدار عِفّة تُقَدّر وتعجب. كان نهي النفس عن الهوى ونهي الآخرين عن المنكر فضيلة أساسية وحقا وواجِبا لَم يُحرِزْه السيف المتسلط ما دام المنكر المنهي عنه لا يقرب من حِمَى السلطان.

نستشهد مجاهدا من أدباء عصرنا وروادهم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله الذي يصف المتبرجات في كتابه “وحي القلم” فيقول: “إن للثياب أخلاقاً تتغير بتغيُّرها. فالتي تُفْرِغ الثوب على أعضائها إِفراغ الهندسة، وتُلبس وجهها ألوان التصوير، لا تفعل ذلك إلا وهي قد تغير فهمها للفضائل، فتغيرت بذلك فضائلها، وتحولت من آيات دينية إلى آيات شعرية. وروح المسجد غيرُ روح الحانة، وهذه غيرُ روح المراقص، وهذه غيرُ روح المخدع (…).

وأين أخلاق الثياب العصرية في امرأة اليوم من تلك الأخلاق التي كانت لها من الحجاب! تبدلت بمشاعر الطاعة، والصبر، والاستقرار، والعناية بالنسل، والتفرغ لإسعاد أهلها وذوِيها مشاعرَ أخرى: أولها كراهية الدار والطاعة والنسل، وحسبك من شرٍّ هذا أولُه وأخفه!”.

ويقول رحمه الله: “كان الحجاب معنىً لصعوبة المرأة واعتزازها، فصار الشارع معنىً لسهولتها ورُخْصِها. وكان مع تحقق الصعوبة أو توهمها أخلاق وطباع في الرجل، فصار مع توهم السهولة أو تحققها أخلاق وطباع أخرى على العكس من تلك.

“وتخَنَّثَ الشباب والرجال ضروبا من التخنُّث بهذا الاختلاط وهذا الابتذال. وتحللت فيهم طباع الغيرة فكان هذا سريعا في تغيير نظرتهم إلى النساء، وسريعا في إفساد اعتقادهم، وفي نقض احترامهم. فأقبلوا بالجسم على المرأة وأعرضوا عنها بالقلب. وأخذوها بمعنى الأنوثة، وتركوها بمعنى الأمومة. ومن هذا قل طُلابُ الزواج، وكثُر رُوّاد الخنا”7.

ويضيف الإمام رحمه الله وتكاد كلماته تقطر دما حسرة على طهر ذبح على نصب “حقوق المرأة” تحت الهتاف والتصفيق الجماهيري المشترى بدولار الخزي والعار كما تشترى الذمم في الانتخابات والاغتيالات والمؤامرات:

طالع أيضا  لا عذر لكم

“شتان ما بين مومنات تغذت عقولهن وقلوبهن بالقرآن، وتزكت نفوسهن بتربية من يتنزل عليه القرآن، وما بين من ابتلعتهن الفلسفة الدوابية!

هذه الفلسفة تقول: إن البنات يُغَرْغِر في ضميرهن الكبت ومركبات النقص بسبب انعزالهن عن الأولاد. تأتيهن الصحة النفسية، والعافية السكولوجية، والعفوية والبراءة، إن اختلطن برُفقائهن.

فلسفة دوابية زاحفة تحتل ديار المسلمين موقعا موقعا. أصبح ذلك الهوَس واقعا. أصبح الاختلاط أمرا مألوفا لا تنفر منه إلا النفوس المتخلفة عن العصر المتشبثة بشيء عتيق اسمه الدين. في المؤسسات التعليمية والإدارية والاقتصادية اختلاط ينتج عنه هبوط في مردودية التعليم والإنتاج، وفي صحة العلاقات الاجتماعيَّة. نتَجَ الاختلاط عن تدَنٍّ في الأخلاق وانكسافٍ في الدين، ونتج عنه اشتغال الرجال بالنساء، واشتغال النساء بالرجال. فلا الدنيا أفلحنا فيها ولا الآخرة نرجوها.

تبخر الحياء الفطري بعد اندثار الوازع الديني. فالغرائز تقود القِيَم. والمستمسكات بدينهن كالقابضات على الجمر في وسائل النقل والحافلات المكتظة والقطارات. جوٌّ تشعر فيه بالارتياح تلك التي جرَّدها من الدين ومن الحياء جو الفساد العام، فهي في تماسِّ جسمها مع جسوم الرجال كالسمكة تنتعش في الماء. حطٌّ في شأنها، وإهْدارٌ لكرامتها وخنق لحريتها أن تعزلها أو تحدثها عن حياء وحِشمة.

إن نداء تحرير المرأة التحرير الدوابّيَّ يعبِّئُ النسوة لأن معه شاهدين اثنين، وحُجتين اثنتين. أولاهما البؤس الذي تعاني منه المرأة في بلاد المسلمين والظلم الذي يجب تغييره بالنضال الحزبي النقابي النسوي المنضوي تحت لواء عالمية المرأة المناضلة قبل كل دين، ودون أي دين، ورغم كل دين. الشاهد الثاني والحجة المعبئة ضد الدين هي تزمت فقهاء الحَصْرِ والسَّجْن في البيت، والتجميد في الفكر، والتنكُّر للعصر.

وللنضال النسوي، والتبرج والاختلاط، زعيمات لا يفصل في فلسفتهن وسلوكهن فاصل بين السياسة والأخلاق. فضيلة واحدة هي أم الفضائل. حرية المرأة في امتلاك جسمها، تفعل به وفيه ما تشاء. فهي تعتني بعالم بدنها، وتنفق مالها لتزيين ساقيها، وتصفيف شعرها عند أشهر حلاق مختلط، واصطفاء آخر الموضات، ومنافسة الرفيقة في المكتب، والزميلة في المهنة، والجارة والقريبة. نضال، وحرية، ورغَدُ عيش، وثقافة أمريكانية، والإسلام العدُوُّ” 8.

وأختم بهذه الكلمات المملوءة أملا ويقينا، الداعية إلى اتخاذ من ضربهم الله عز وجلّ لنا مثلا أسوة وقدوة.

قال الإمام المجدد رحمه الله تعالى: “إلى النماذج الكاملة تشرئب أعناق المومنات والمومنين. إلى مريم ابنة عمران وصويْحباتها في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر. وإلى الأكملين المرسلين تَرْنُو أعين المومنات والمومنين، تتعلم الأجيال أن تقتحم، سِباقا مع أبناء الدنيا، عقبات كسب القوة في الدنيا، وعين القلب على من جعلهم الله لنا أسوة. تلك التعبئة الجهادية وحدها تَعزّ بها الأمة، ويشرُفُ بها مثوى المومنات والمومنين في جنات ونهَرٍ في مقعد صدق عند مليك مقتدر. اللهم ألحقنا بالصالحين.” 9.

وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وحزبه.


[1] سورة التحريم آية 11-12.
[2] سورة القصص، الآية: (8).
[3] كتاب تنوير المومنات للأستاذ عبد السلام ياسين ج 2 ص 289.
[4] سورة آل عمران، الآية: 37.
[5] سورة آل عمران، الآيتان: 42-43.
[6] كتاب تنوير المومنات للأستاذ عبد السلام ياسين ج 2 ص 288.
[7] كتاب تنوير المومنات للأستاذ عبد السلام ياسين ج 2 ص 99-100.
[8] كتاب تنوير المومنات للأستاذ عبد السلام ياسين ج 2 ص 109-110.
[9] كتاب تنوير المومنات للأستاذ عبد السلام ياسين ج 2 ص 287.