لبيت المقدس والمسجد الأقصى مكانة خاصة في قلوب ونفوس المسلمين، إنه قطعة من الجنة وهو أرض المحشر والمنشر. عن ميمونة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت قلت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ قال: “أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه فإن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره”، وعن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أراد أن ينظر إلى بقعة من الجنة فلينظر إلى بيت المقدس”.

إنه مقر للعبادة ومهبط للوحي، ومنتهى رحلة الإسراء وبداية رحلة المعراج، وقد مرّ الرسول صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى المسجد الأقصى بالبقعة المباركة التي كلّم الله فيها موسى عليه السلام وهي طور سيناء فصلى بها ركعتين، ومرّ بالبقعة المباركة التي وُلِد فيها عيسى عليه السلام وهي بيت لحم، فصلى بها ركعتين، ثم وصل إلى بيت المقدس فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في جمع من الأنبياء والرسل، فصلى بهم جميعًا، ثم عرج به إلى السماء، فرأى من آيات ربه الكبرى.

لقد اختارت الحكمة والإرادة الإلهية أن يكون الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى وصلا للحاضر بالماضي وتقديرا لمنزلة هذه البقعة المباركة التي عاشت عمرا كبيرا تنتشر على ظهرها الهداية، وتستقبل في رحابها النبوات، وظل بيت المقدس مهبط الوحي الإلهي سنين عديدة.

هكذا كانت إمامة الرسول صلى الله عليه وسلم للأنبياء والمرسلين في هذا المكان المقدس إعلانًا لختم رسالات السماء، وأن رسالته خاتمة الرسالات، وأنه صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين.

إن مشروعنا التغيري كما أنه يتوخى تحقيق الخلاص الفردي بتركيزه على علاقات العبد بربه ووجوب اجتهاده في التقرب إلى الله تعالى وسلوك مدارج الدين من إسلام إلى إيمان إلى إحسان، فإنه في نفس الوقت يتوخى تحقيق خلاص الأمة بتحريرها من الظلم والاستبداد والتخلف والتبعية واستعادتها لمجدها في ظل حكم راشد يسير على منهاج النبوة.

طالع أيضا  لا تنسونا من الدعاء إذا مُتنا|الإمام عبد السلام ياسين (فيديو)

 إن القدس خاصة وفلسطين عامة تحتلان مكانة معتبرة في هذا المشروع، باعتبارها أولى القبلتين وثالث الحرمين وأرض النبوات ومهبط الرسالات السماوية ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم.

إنها عنوان عزتنا أو هواننا، قوتنا أو ضعفنا، ولها ارتباط وثيق بما نحمله من مشروع، ولذلك فمن الطبيعي أن تتبوأ مكانة خاصة في مشروعنا وبرامجنا وتحركاتنا، إلى جانب جهود باقي الشرفاء العاملين من أجل تحرير فلسطين واسترجاع القدس إلى حاضرة وحضن الأمة الخاتمة.

فتحرير أراضي المسلمين وفي مقدمتها القدس هدف المنهاج ومطلب نظرية التغيير. إذ لا نتصور تحريرا لبيت المقدس بدون منهاج وبدون تخطيط استراتيجي وبدون علم ومعرفة.

يقول الأستاذ المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في كتابه الإسلام والقومية: “حول الأرض المقدسة، حول فلسطين المحتلة كيانات عربية هزيلة، قومية ووراثية عشائرية، لكن اليهود لا يطمئنون، وهم دولة طائفية، إلا إن قامت حول فلسطين دويلات طائفية موازية متحالفة خادمة ممتدة كالسرطان في جسم العرب والمسلمين”.

ونظرا لمحورية القضية الفلسطينية في فكر الإمام رحمه الله تعالى خصص لها فصلا كاملا في كتابه الإسلام والحداثة سماه “الجرح الفلسطيني”، ليعرض القضية الفلسطينية في سياق هدف الكتاب، والذي كتب باللغة الفرنسية واستهدف الفئة المغربة، والغرب بصفة عامة، بمقاربة تخاطب الضمير الإنساني والقيم الحقوقية وكرامة الإنسان وتحاور الآخر، ولا تنفك عن التذكير بسنة الله.

وفي كتاب سنة الله، تناول الإمام القضية الفلسطينية من زاوية سنة الله وفي إطار غثائية الأمة. وعرض فيه أحداث الأمة المأساوية والمحزنة باقتضاب ليتفرغ لقراءة البرنامج الصهيوني والنفسية الصهيونية والأساليب الصهيونية استعدادا لوعد الآخرة.

إن مسؤولية العلماء والدعاة والمفكرين والساسة والمثقفين مسؤولية كبيرة وعظيمة حيال ما يحاك للأمة ويخطط لها، من خلال الصدع بكلمة الحق والتصدي لكل المخططات الظالمة والهجومات الغاشمة ورفع الهمم وشحذ العزائم والإرادات وبث روح ومعاني اليقين في الله وفي نصره وتمكينه، من أجل تشكيل جبهة موحدة صلبة وقوية ممانعة لهذا الاختراق البغيض ولهذا المخطط الشيطاني المفضوح.

طالع أيضا  العربية.. لغة تواصل أم أمانة قيم؟

لقد وردت في كتاب الله تعالى وعود قرآنية تعد بانتصار الحق على الباطل، وبانهزام الباطل أمام الحق، وعود تلقاها الصحابة وهم قلة مستضعفون معذّبون مضطهدون، وتعاملوا معها بيقين وثقة، وأمل وبشرى.. وثبتوا على الحق، وواجهوا الباطل، وقطعوا الفترة المكية، وهم موقنون بتحقق هذه الوعود القرآنية، ولما هاجروا إلى المدينة جاهدوا في سبيل الله، وهزموا أعداء الله، وحقق الله لهم تلك الوعود المأمولة، ففتحوا أمصارا وأقطارا وأسسوا دولة إسلامية مكتملة الأركان وعمرانا أخويا عماده المحبة والإخاء والعزة والكرامة والعدل والمساواة، لا فضل فيه لعربي على عجمي إلا بالتقوى.

قال الله تعالى في سورة الأنبياء: ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ [الأنبياء: 9].

فما أحوجنا إلى الداعية المُبشر لا المنفر، المُيَّسر لا المُعسِّر، المعتدل لا المتنطع، المتوسط لا المتكلف. الداعية الذي يغرس في نفوس الناس والنشء بذار الإيمان والثقة بنصر الله، والذي يؤكد للناس مرارًا أن الدائرة للإسلام وأن الله متم نوره وأن الغلبة لدينه والعاقبة لأوليائه والتمكين لجنوده والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يؤمنون.

ما أحوجنا إلى العالم المتبصر والمفكر المتحرر والمثقف المحافظ والسياسي المحنك، المنافح عن وطنه وأمته وقيمه وهويته وحضارته وثقافته، لا من يتنكر لوطنه وأبناء جلدته وينسلخ عن هويته ويصبح معولا للهدم والتخريب من حيث لا يدر، أو بغية تحقيق مصالح شخصية ومنافع دنيوية بئيسة.

فما أحوج أمتنا إلى قيادة ربانية محبوبة مطاعة غير مستبدة، وما أحوجها إلى الرجال وإلى الطليعة المجاهدة التي تقتحم العقبات وتساهم في بناء ما انتُقض بعد الصحابة الكرام، مع صدق التوكل على الله واليقين في موعود الله عز وجل بالنصر والتمكين.