تــذكــــيـــر:

يقال: “من لا ذاكرةَ له لا مستقبلَ له”، وقد نجح أعداء الأمة بتواطؤ مفضوح مع حكام المسلمين في فصل أجيال المسلمين عن أصولهم قرآنا وسيرة، سعيا يائسا لما أسموه زعما وافتراءً: “تجفيف منابع التطرف”، فجردوا البرامج التعليمية من كل ما له صلة بأسباب انبعاث الأمة وإذكاء جذوة الحماسة فيها.

فكسرا لجدار التعتيم على أصل أصيل في صياغة شخصيتنا الإيمانية، يأتي تخليد ذكرى “الإسراء والمعراج”، استجلاءً لدلالاتها، واستنباطا لعبرها ورسائلها بما يُسهم في إعادة تشكيل الشخصية المؤمنة الواعية بإكراهاتها المرحلية، استشرافــا لموعود الله تعالى بالعزة للأمة متى استوفت شروط النصر والتمكين: يعبدونني لا يشركون بـــي شيئا.

سيـاقُ الحدث:

تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل أصناف الأذى القرشي منذ اليوم الأول من بعثته، وبلغ التضييق مداه خلال السنة العاشرة من البعثة، حيث توفي عمه أبو طالب سنده ومصدر حمايته، وتوفيت خديجة ـــ رضي الله عنها ـــ زوج النبي صلى الله عليه وسلم، سَكَنُه التي تداوي جراحه النفسية، تخفف عنه ما يلقاه من مشقة في سبيل الدعوة.

ولما ضاقت به صلى الله عليه وسلم مكة توجه إلى الطائف علّه يجد فيها من يسمع كلمة الحق ويحميها، فـوُوجِه بالجحود والصدود، وسلطت عليه الطائف سفهاءها فأسمعوه ما يؤذيه، بل قذفوه بالحجارة وأدموا قدميه الشريفتين، ولم يكتفوا بذلك؛ بل أخبروا قريشا بسعيه لاستمالتهم، فأمعنت في التضييق عليه، وقد أضحى رسول الله صلى وسلم دون سند إلا من رب العزة، وسُمّيَ العامُ “عامَ الحزن”. في هذا السياق، جاءت رحلة الإسراء والمعراج، قبيل الهجرة إلى المدينة وخلال شهر رجب الفرد، حيث أُسري به صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، ومنه عُرج به صلى الله عليه وسلم جسدا وروحا إلى سدرة المنتهى، فرأى من آيات ربه الكبرى.

دلالات ورسائل:

إذا كانت سورة “الإسراء” خلدت رحلة الإسراء، وخلدت سورة “النجم” رحلة المعراج، فإن السُّنة النبوية فصلت ما أجملته السورتان إقامة للبرهان على المشككين، ودحضا للجاحدين، وتثبيتا للمؤمنين الصادقين.

لقد جاءت رحلة الإسراء والمعراج حُبلى بدروس وعبر يتخذها المسلمون نبراسا يهتدون به؛ رحلة مباركة نقف بتوفيق من الله تعالى عند بعض دلالاتهما ورسائلهما:

1. الإسراء والمعراج تتجاوز الحدث التاريخي المبهر، لتستحيل برنامج حياة المؤمن، قياما لله في جوف الليل تسليةً للنفس وتحقيقا للأنس بالله تعالى وهروبا من صخب الدنيا وهذيان العالم؛ وبالصلاة في وقتها وبآدابها وشروطها وخشوعها تعرج الأرواح وتسبح في عوالم الأنوار فتطمئن القلوب وتسكن النفوس. وحريٌّ بمن نَدَبوا أنفسهم، بل رشحتهم العناية الإلهية للسعي من أجل انبعاث الأمة وتجديد إيمانها في واقع غافل مُغفِّلٍ أن يواظبوا على القيام في جوف الليل تضرعا وافتقارا للمولى الكريم، والتماسا للسداد والرشاد لتنزيل قدره تعالى ونصره وتوفيقه. بهذا نعيش نورانية الإسراء بما هو سير وسلوك، ونورانية المعراج بما هو عُـروج الروح وسباحة في الأنوار.

طالع أيضا  "الدعاء ودوام الضراعة إلى الله".. موضوع مجلس النصيحة عن بعد يوم السبت المقبل

2. ليس بعد العسر إلا اليسر، والمنح بعد المحن جزاء وفاقا. هذه سُنة الله الجارية، وقد تعرّض رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحن عظيمة جمعها وصف “عامُ الحزن”. فجاءت رحلة “الإسراء والمعراج” تسليةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتكريما لمقامه بين الأنبياء والمرسلين عليهم السلام. وهذا درسٌ بليغٌ لمن ينبري للإصلاح وهدايةِ الخلق ومدافعةِ الباطل رفعا للهمم، وشحْذا للعزائم أن يوطن النفس على الصبر والتحمل. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظّ عَظِيم

3. رحلة “الإسراء والمعراج” بما اكتنفها من إعجاز وانزياح عن حدود إدراك العقل البشري محكٌّ إيماني قياسا لمنسوب التصديق بالغيب الذي هو أُسُّ الإيمان. وليس أبلغ من البيان القرآني حيث صدّر الحديث عن هذا الحدث العظيم بقوله جل جلاله: “سبحان” الجامعة لمعاني التعظيم والإجلال؛ تمحيصٌ إيماني لم يتعثّـر فيه سيدُنا أبو بكر رضي الله عنه، فبادر مؤكدا موقنا: “إن كان قال فقد صدق؛ إني أصدقه فيما هو أبعدُ من ذلك، أصدِّقه في خبر السماء”، أي الوحي، فاستحق عن جدارة صفة “الصِّدِّيــــق”.

تمحيصٌ لقوة إيمان الرعيل الأول من المسلمين، واختبار للقدرة على الثبات، وغربلة للصف تخلصا من العناصر المتشككة، فالمرحلة التأسيسية تكون غايةً في الحساسية تتطلب عيارا ثقيلا من الرجولة الإيمانية ورباطة الجأش، تتطلب جيلا فريدا ــــ بتعبير الشهيد سيد قطب رحمه الله ـــــ يتحمل أعباء البناء. وفي هذا درسٌ بليغٌ لأبناء الحركة الإسلامية للتمييز بين من يُـرجى صلاحُــه لذاته، وبين الرواحل ــــ بالتعبير النبوي ــــ القادرين على تحمّل أعباء الدعوة.  

وفي هذا السياق، سياقِ التمحيص يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله: “نرقب الوارد والعضو لنعرف ونقوي صلاح أمره على مستوى الخصال العشر: صدقَ صحبته وانضمامه للجماعة، صدقَه مع الله ورسوله، صدقَ ذمته وهمته وهجرته ونصرته، صدق بذله للمال والنفس والجهد، صدق إقباله على العلم، صدق عمله ينجزه ويتقنه، صدق سَمته وتميزه، صدق صبره وتحمله وضبطه لنفسه وشؤونه، صدق توجهه إلى الأهداف الجماعية والغاية الفردية الإحسانية، صدق طلبه للموت في سبيل الله…”. (المنهاج النبوي، خَصلة الصدق)

طالع أيضا  د. العزاوي يحلل مشروع قانون الإضراب وأبعاده

تمحيصٌ أضحى قاعدة ثابتة مع كل استحقاق: حدث الإسراء والمعراج قبيل الهجرة إلى المدينة المنورة، وحدث تحويل القبلة قبيل غزوة بدر، حيث يقول الحق سبحانه: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ.

4. اختيار بيت المقدس مسرىً لرسوله صلى الله عليه وسلم وهو وقتها أولى القِبلتين، يؤكد وراثة الإسلام لما سبقه من رسالات سماوية، حيث أمَّ صلى الله عليه وسلم باعتباره نبيا خاتماً الأنبياءَ والمرسلين في إشارة إلى أنَّ شريعة الإسلام نسخت الشَّرائع السَّابقة، وأنَّهُ وسِع أتباعُ الأنبياءِ ما وسع أنبياءهم.

5. لقد كان لافتا هذا الربط القرآني العجيب بين حدث الإسراء والمعراج وبين وعيد الله تعالى لليهود على العتو والإفساد في الأرض؛ ربط في تقديرنا المتواضع يؤكد العداء الأبدي لليهود لكل مشاريع الإصلاح والهداية، فهذا حُيَيْ بن أخطب أحد أعتى زعماء يهود المدينة وقد أوتي به بين يدي رسول بعد نقض يهود بني قريظة العهد مع المسلمين خلال غزوة الخندق يعلنها صريحة فصيحة قبيل قتله مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أما والله ما لُمت نفسي في معاداتك، ولكن من يغالب الله يُغلب، ثم قال: يا أيها الناس، لا بأس قَدَر الله وملحمة كُتبت على بني إسرائيل”؛ ربط يشير إلى مركزية المسجد الأقصى، فهو بوابة مشروع عزة الأمة وتمكينها، وليس عبثا الإصرار اليهودي الصهيوني على تهويد القدس واتخاذها عاصمة لكيانهم الغاصب؛ فواهمٌ من يُمنّي النفس بتوحيد الأقطار الإسلامية وتحريرها من الاستبداد قبل تطهير المسجد الأقصى من دنس الصهاينة وتحرير فلسطين المباركة. وهنا تكمن خطورة الانخراط في مشاريع التطبيع لقطع الطريق أو عرقلة مشروع انبعاث الأمة وتعقيده إن لم يتسنّ تأبيد الهيمنة الصهيونية.

لذلك، فعلى المهرولين للتطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب أنْ يُدركوا قبل فوات الأوان أنّ التفريط في المسجد الأقصى تحت ذرائع وهمية تهديدٌ للمسجد الحرام وأهله مستقبلا، لا قدر الله، فالمسجد الأقصى بوابة استهداف المسجد الحرام. يقول الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله منبها ومحذرا من المخططات الصهيونية فــــ“بعد غدر اليهود بحلفـائهم المسلمين في غزوة الخنـدق، طـردوا نهـائيا من المدينـة. لكنهم لم يَنْسَـوا أبدًا هذا الفصل من تاريخ شعبهم، ولذا لا يقنع الصهاينة بالطمع في الأراضي التوراتية الممتــدة من فلسطين إلى سوريا والعراق ومصر، بل يَـرْنُون ببصرهم إلى المدينة المنـورة حيث موطن الأجداد من قينقاع وقريضة والنضير. فلا حدود لجشع الدويلة الإسرائيلية”. (الإسلام والحداثة ص:132)

طالع أيضا  الرفق كلمتنا للإنسانية

خلاصة:

إن رحلة الإسراء والمعراج لم تكن ــــ ولا يصح أن تكون ــــ حدثا مرتهنا بزمن أو مرحلة تاريخية ولّت، بل هي مَدرسة منها تُستمد الدروس التربوية والخطط العملية تطلعا لمستقبل العزة والتمكين والاستخلاف الموعود به على شرط تحقيق العبودية الحقة لله تعالى.  

إن “الرؤية الواضحة للماضي والحاضر شرط لتصور المستقبل والتحرك نحوه دون تهيب من الانحراف… فلا يمكن للمركب الذي يجهل وجهته أن يُحسِن استغلال الرياح المناسبة. فوعد الله ـــ يؤكد الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في كتابه “الإسلام والحداثة” ـــ هو المنار الذي يوجه إلى شاطئ الأمان ويدل على أنسب الرياح للإبحار. ويبقى علينا أن نحسن استشراف الأفق، ونحذر فخاخ الْجَزْر القاتلة. (ص:139 وما بعدها)

وختاما، وزيادة في منسوب الأمل والوعي بمركزية قضية بيت المقدس وفلسطين العزة عموما، نورد هذا الحديث النبوي البشارة، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: “بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ”.

ورحم الله القائد الفذ صلاح الدين الأيوبي كان بين أصحابه فضَحِكوا لأمر ما ولم يضحكْ، فسألوه: لماذا لا تضحك؟ فقال: أستحيي أن أضحك والمسجد الأقصى في يد الصليبيين. فأين نحن من هذا التهمُّم بقضية المسجد الأقصى وأهله المرابطين يواجهون أبشع منظومة احتلال وأعتاها على الأرض؟ أين نحن من هذه الأنفة وبين ظهرانينا من ذرارينا من لا يجد حرجا في معانقة من تلطخت أيديهم بدماء الشعب الفلسطيني شيوخه قبل نسائه، وأطفاله قبل شبابه.  

فاللهم إليك نشكو ضَعف قـوتنا وقلة حيلتنا وهـواننا على حكامنا يا أرحم الراحمين. أنت رب المستضعفين، وأنت ربُّـنا، إلى من تكلنا، إلى بعيد يتجهمنا أو إلـى عدو ملكته أمرنا؟ إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، ولكن رحمتك وعافيتك أوسع لنا. نـعُـوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلُح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزِل بنا غضبك، أو يحل علينا سَـخَـطُك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

والحمد لله رب العالـمين.