يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على مفاهيم يرتكز عليها الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى في بسطه لقضايا المرأة، وتقريب الرؤية المنهاجية لجزء مهم من وظائف المرأة، غيب لفترة طويلة من الزمن بفعل التغيرات التاريخية التي طرأت على الأمة، وكانت سببا محوريا في انكسار شوكتها على جميع الأصعدة.

إضاءات مفاهيمية

التجديد وقضية المرأة

التجديد في اللغة مأخوذ من جدد الشيء، وتجدد الشيء إذا صيره جديدا، والتجديد فيه طلب واستدعاء. إذ التاء للطلب؛ فيكون تجديد الشيء يعني طلب جدته بالسعي والتوسل إلى ما يجعله جديدا 1، والتجديد في الاصطلاح الشرعي هو “اجتهاد في فروع الدين المتغيرة، مقيد بأصوله الثابتة 2، أما  في الفكر المنهاجي فهو ضرورة ملحة لإحياء الربانية في الأمة، يوثق الصلة بين العبد وربه، ويزاوج بين الفكر والروح بشكل متوازن 3، استقى الإمام روحه من مفاهيم قرآنية ونبوية اجتمعت في مجملها على تجديد الإيمان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “جددوا إيمانكم، قيل يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا. قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله” 4، وإذا استنار القلب إيمانا، فإنه لا محالة سيشع تصديقا وعملا. فالتجديد في نظرية المنهاج هو تجديد بواعث الأمة لتقوم “أفرادا تجدد إيمانهم بالتربية، وجماعة تجددت قوتها بتجدد بواعث أعضائها الإيمانية بواجب الجهاد واقتحام العقبة” 5، ويؤكد الإمام أن التجديد لا يراد به تغيير “الثابت من شرع الله، فإن أحكام الكتاب والسنة ماضية إلى يوم القيامة” 6، يقول رحمه الله: “لا نرتاب أن الاجتهاد ضروري لتكييف حياة العصر مع شرع الله، فهو تسليم العصر لا عصرنة الإسلام” 7.

في ظل هذا المطمح التجديدي العام، احتلت قضية المرأة جزءا مهما من اهتمامات الفكر المنهاجي، الذي دعا إلى قراءات جديدة للسير قدما نحو تغيير حال المرأة، والرجوع بها إلى ما كانت عليه الكاملات في العهد النبوي، ليس استنساخا للنموذج كما يقول الإمام، وإنما استيحاء لفاعليتهن الرصينة في البناء وإعادة صياغة الدور المنوط بكل امرأة تؤمن بالله.

طالع أيضا  د. بن مسعود يشيد بنضالات البريديين ويحمل المسؤولية للوزارة ورئاسة الحكومة

من أعالي التاريخ أو المعرفة التاريخية

بسط الإمام رؤيته التجديدية التنويرية، وفق قواعد منهجية علمية مركزها الأساس القرآن والسنة؛ اللتين يقرأ من خلالهما التاريخ ليفهم الواقع فهما؛ يحسن تسديد الرمي في معالجة ما استشكل فيه من قضايا (الاجتهاد). قراءة تتوخى معرفة السنن التي تحكمت في حركة التاريخ، للاعتبار وتوسيع المدارك وامتلاك آليات الغوص العميق فيما تحويه أحداث ووقائع الحقب التاريخية. لذلك نجد كتابات الإمام حبلى بالمسألة التاريخية، يقدم من خلالها منهجا جديدا في التعامل معه، لا يختلف كثيرا عن مقارباته للقضايا الأخرى، إذ هو اللب والروح التي يدور حولها فلك المنهاج النبوي برمته؛ وهو طلب وجه الله والشوق إليه.

وعليه فإن دعوة الإمام إلى قراءة التاريخ وأحداثه، يشترط فيها الرجوع إلى الوحي؛ أي التلقي عن الله ورسوله والتتلمذ المباشر لهما، بنظرة متكاملة وازنت بين عين مراقبة وأخرى إيمانية غيبية 8، ازدواجية ليست تكميلية، وإنما الغرض منها التأسيس والبناء، يقول رحمه الله: “وهل تكون حركتنا إلا دوَّامة تتكرر فيها مآسي الماضي، إن نحن تجاهلنا دروس التاريخ، أو قفزنا من فوقها، أو تخيلنا الإحسان هروبا خارج التاريخ قانعين بزهادة عاجزة مستسلمة؟ (…) إننا في بحثنا عن المنهاج الإحساني لا نستطيع أن نتخطى تاريخنا. العبرة بالتاريخ سمة يتحلى بها أولو الأبصار. وفهم تاريخنا ذكرى، وما يذكر إلا أولو الألباب (…) إنْ قَفَزْنا فوق تاريخنا فاتتنا العبرة وفاتنا الاستبصار واختلط علينا اللب والجوهر بالقشر والأعراض. وبفوات ذلك نرتطم بالواقع الذي نريد أن نغيره، بَدْءاً بواقع أنفسنا التي نريد أن تكون محسنة” 9. وتلك الهمة هي التي قال فيها: “يهبنا الوهاب همة عالية لننظر إلى الواقع من أعالي التاريخ لا من أسافله” 10.

القراءة الشمولية

إن قراءة الفكر المنهاجي لقضية المرأة، لا تستقيم دون… تتمة المقال على موقع مومنات نت.

طالع أيضا  هكذا علَّمني (الحال) في اللغة العربية! (14)/ الحــال(ج1)

[1] ابن منظور، لسان العرب، دار صادر ن بيروت، مادة جدد.
[2] محمد خليل، مفهوم التجديد وضوابطه في الفكر الإسلامي، بحث منشور على منتديات الفكر القومي العربي، 2010.
[3] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، مطبوعات الأفق، الطبعة 1، الدار البيضاء، 1996، ج 1، ص 387.
[4] المسند: 2/359، رقم الحديث 8695.
[5] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 31.
[6] المنهاج النبوي، م. س، ص 40.
[7] المرجع نفسه.
[8] عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، دار الخطابي للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 1989، ص 28.
[9] عبد السلام ياسين، سنة الله، مطبعة الخليج العربي، ط1، تطوان، 2005، صص18-19.
[10] نظرات في الفقه والتاريخ، م. س، ص 42.