افتتح فضيلة الأمين العام لجماعة العدل والإحسان الأستاذ محمد عبادي كلمته الجامعة، ضمن فقرات الجلسة الليلية لمجلس النصيحة المركزي عن بعد الذي تنظمه الجماعة ليلة السبت وصبيحة الأحد 15 و16 رجب رجب 1442 هـ الموافق لـ 27 و28 فبراير 2021م حول موضوع : “خلق المواساة”، بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” (أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب)، والذين اعتبره يلخص خلق المواساة الذي تحتاجه الأمة اليوم، وأردف موضحا أقصد أمة الدعوة أي البشرية جمعاء، وأمة الإجابة أمة الإسلام. وهذه الأخيرة، يضيف فضيلته، أكثر من يحتاج اليوم إلى خلق المواساة بما هي تضميد للجراح؛ جراح الظلم والاضطهاد ومختلف الأزمات التي ألمت بأمة الإسلام.

وقد أطر الأستاذ عبادي كلمته التي بثتها قناة الشاهد بسؤالين مركزيين وهما:

1-     كيف نساهم في التقليل من هذه المآسي؟

2-     وكيف نترجم مشاعر المواساة إلى سلوك عملي في واقع الناس؟

في جوابه عن السؤال الأول قال أن التقليل من المآسي التي تثقل كاهل الناس يتطلب “بذل قصارى الجهد لإقامة مجتمع العدالة والتضامن والتكافل الاجتماعي والأخوة”، وهذا ما يطلب في نظره أن يكون المجتمع قويا بقدراته وإمكانياته لأجل أن يقوم بالمواساة. وأضاف أن المواساة خلق لا ينبغي أن يقتصر على المسلمين فقط بل يجب أن نسعى إلى أن يعم خيرها الإنسانية جمعاء مصداقا لقول الله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً، ومن الشهادة على الناس يوضح الأمين العام للجماعة “الاهتمام بشؤونهم وأحوالهم؛ إنقاذا للناس كل الناس، وإطعاما للناس، وإكساء للناس، ورفع الظلم عن الناس”.

طالع أيضا  سلسلة عبودية القلب | الحلقة 9 | سلامة القلب مقدمة النصر والتمكين

واستدرك الأستاذ عبادي متأسفا على واقع أمة خاطبها القرآن بأنها كانت خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ أصبحت اليوم عالة على الناس، مما يستدي بحسبه مسارعة الخطى “لإقامة مجتمع العمران الأخوي لكي يقوم بوظيفة المواساة للبشرية جمعاء، خاصة وأن أمة الإسلام حباها الله بمقدرات وإمكانيات يمكن أن تغطي حاجيات الإنسانية جمعاء”.

ثم بعد ذلك انتقل السيد الأمين العام إلى تقديم خطوات لتنزيل خلق المواساة في واقعنا، حيث رأى أن ذلك يتحقق بالقيام بعدة أمور لعل أهمها في نظره:

– الإكثار من القربات إلى الله عز وجل التي ترفع العبد إلى مقام المحبوبية، الذي تقتضي بل يتولد عنها محبة خلق الله جميعا، وهذا ما تجسد في خلق الأنبياء عليهم السلام.

– النزول إلى الميدان ومصاحبة أهل البلاء من فقراء ومساكين ومعوزين وأرامل وأيتام ومرضى وكل ذي حاجة. ومجالسة هؤلاء في نظر السيد عبادي “تولد الشفقة والمحبة والرحمة بهم في قلوبنا”، عوض أن يبقى الإنسان في برجه العاجي أنى له أن يحس بمعاناة المستضعفين.

وفي هذه النقطة ذكر الأمين العام بما للجماعة من قدم راسخ في هذا المجال، من خلال جمعياتها، لولا موانع السلطة للخير أن يصل إلى الناس، داعيا هذه السلطة إلى رفع هذا الحيف والظلم لتعود جمعيات الجماعة إلى تجسيد خلق المواساة في مجتمعنا المغربي.

– المداومة على دراسة سيرة المواسين وعلى رأس هؤلاء سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قال فيه الأستاذ عبادي أن الله عز وجل جبله على خُلق المواساة قبل البعثة وبعدها. وهنا استدل المتحدث بكلام لأمنا خديجة رضي الله عنها في حق الرسول صلى الله عليه وسلم: “كلَّا! والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدُقُ الحديثَ، وتَحمِل الكَلَّ، وتَكسِبُ المعدومَ، وتَقري الضيف، وتعين على نوائب الحق” (أخرجه الشيخان). كما أعطى الأمين العام أمثلة كثيرة من سيرة الصحابة رضوان الله عليهم في تجسيدهم لخلق المواساة وعلى رأسهم الأنصار الذين واسوا إخوانهم المهاجرين بل كانوا يتنافسون على إيواء إخوانهم المهاجرين رغم شظف العيش في تلك الأزمنة.

طالع أيضا  أضحية العيد، أحكام وسنن

وهنا، وبعد أن سرد سيرة سيدنا عمر بن الخطاب لما ولي خلافة المسلمين وكيف تخلق بهذا الخلق فكان لا ينام حتى يقضي حاجات أهل المدينة، بل منع على نفسه في عام المجاعة أكل اللحم، فخاطب أمعاءه الفارغة قائلا: “قرقري أو لا تقرقري والله لن تشبعي حتى يشبع أطفال المسلمين“، عقب الأمين العام بما يفعله حكام المسلمين اليوم من توزيع قفف في بعض المناسبات بأنه ضحك على الذقون ولا علاقة له بخلق المواساة الذي يقتضي في نظره أن تشرك غيرك في كل ما تملك، ليتساءل “كيف يدعي المواساة من يعيش البذخ والترف والناس تعوزهم ضرورات العيش؟“ ليردف؛ فهذا إذلال ومهانة ولا علاقة له بالمواساة.

– وختم السيد عبادي هذه الأمور بدعوته إلى اكتشاف حلاوة المواساة في قضاء حوائج الناس؛ تلك الحلاوة التي تبعث على السعادة الداخلية وتحفز على التفاني فهذه الخدمة النبيلة.

وفي ختام كلمته في مجلس النصيحة هذا، ذكر الأمين العام ببعض المحاذير التي يمكن أن تخدش خلق المواساة من مَنٍّ وعجب واستعلاء ورياء وغيرها.