تناول الأستاذ فتحي الصباني فقرة “البر” من كتاب الإحسان للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله بالمدارسة، خلال مداخلته في الجلسة الليلية من مجلس النصيحة المركزية الذي عرضته الصفحات الرسمية لجماعة العدل والإحسان يوم السبت 27 فبراير 2021.

وافتتح الصباني مداخلته بعرض مفهوم البر عند الإمام، والذي استنبطه رحمه الله من الآية الكريمة في قوله عز وجل: لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. ومن الحديث الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم: “البر حسن الخلق”.

فبيّن الإمام رحمه الله أن القرآن والحديث يشرحان معاني البر ومدلولاته في مخالقة طوائف الناس من المحتاجين بهذه الأخلاق، لكن بباعث الايمان والإحسان بقوله: “مجموع الفرقان والبيان أن البر مخالقة الناس من ذوي القربى والمحتاجين بأخلاق البدل والإكرام ببواعث الإيمان والإحسان وفضائل الصدق والتقوى”.

وذكر الأستاذ فتحي ما للبر من آفاق فسيحة، قسمها الإمام رحمه الله إلى الأبواب التالية: بر الوالدين، بر الأبناء، بر الأقرباء، بر الزوجة، بر اليتيم، بر الشيوخ والعجائز، بر إماطة الأذى عن الطريق، بر حسن الخلق.

كما ميز الإمام رحمه الله في كتاب تنوير المؤمنات بين نوعي البر بقوله: “أرأيت أخت الايمان كيف ذكرت أعمال البر مباشرة بعد الايمان القلبي بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين وقبل الصلاة والزكاة، من صلّت صلاتها وزكت فرضها فهي مؤدية لواجب عيني تحاسب عليه، أما من تبرعت بمالها وحنان قلبها على المحتاج من قريب ومسكين وسائل فقد أسهمت في القيام بفرض كفائي متعلق بذمة الأمة فارتفعت بذلك مرتبة عملها إلى أعلى….”.

واعتبر الإمام، يضيف الصباني، رحمه الله من خلال الآية الكريمة صفة البر صفة بارزة في سلوك الأبرار تأتي بعد صفة الإيمان، بقوله: “ولا ينال البر ما لم يحدث هذا الانقلاب في القلب، وما لم يخرج للعيان بحيث يراه الناس برهانا لهذا الانقلاب، على صورة عطاء يدلنا على أن المسلم امتهن متاع الدنيا الفانية وثوقا بما وعد الله عز وجل….”.

وفي سياق البواعث التي تدفع المؤمن إلى الإنفاق في سبيل الله، ركز المتحدث على الباعث الإيماني التربوي الأخلاقي الذي قال فيه الإمام رحمه الله في كتاب العدل: “إن التطوع الإيماني المنبعث من أعماق إرادة كل مسلم ومسلمة حبا لله واحتسابا ورحمة بالخلق لهو الوسيلة المؤسسة للعمران الأخوي” أو المجتمع الأخوي الذي يعتبره الإمام الأفق الذي تستشرفه الأمة والمثال المجتمعي الذي يجب أن يكون.

طالع أيضا  26 ضحية جرّاء فيضانات طنجة وأضرار متنوعة في أحياء المدينة

كما وضح فتحي ما للبر من أبعاد تربوية وأخلاقية واجتماعية، واصفا حالة المجتمع الذي تغيب فيه صفة البر في قوله رحمه الله: “بقايا قليلة من الكرم الإنساني والتضامن الأسري، بقايا من البر الإيماني والمكارمة بين المسلمين، بقايا نداء الفطرة في العالم المصنع يتمثل في التجمعات غير الحكومية وفي النداء بحقوق الانسان”، الذي يعتبره الإمام آخر غصن أخضر حي تتشبث به الإنسانية الغارقة في أوحال الجحود والنفاق والحضارة المادية الاستهلاكية.

أما الفئة المرشحة والمؤهلة لإشاعة أخلاق البر في المجتمع، فيرى الإمام رحمه الله أن بناء صرح المجتمع يتوقف أساسا على نهوض المحسنين للتصدي لهذه المهمة الجليلة قائلا: “واجب الأبرار الأحرار أن يلبوا نداء المحتاج والمستضعف أينما كان وأن يغرسوا في تربة المسلمين ثم في تربة الناس أجمعين شجرة البر الباسقة…”.

وختم الأستاذ فتحي مداخلته ببيان الوسيلة لتحقيق هذا النموذج في مجتمع الأخوة والمكارمة، والتي اعتبرها الإمام هي المسجد، لكونه البيئة التي يتجدد فيها الباعث الإيماني الإحساني، والمنطلق الذي تنطلق منه رحمة البر والبدل والعمل الصالح، لتترجم في المجتمع إلى أخلاق السخاء والعطاء والمواساة.