بعدما افتتح الدكتور عبد العلي المسئول بدعاء الصباح، مرّر الكلمة للأستاذ حسن بناجح ليتلو من السيرة الجانب العملي لموضوع النصيحة، كيف كان الصحابة يواسي بعضهم بعضاً؟ فانتقل إلى رحاب سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، تلمساً للنموذج التطبيقي العملي لخلق المواساة كما بثها في صحبه الكرام، التماساً للتأسي بما نصلح به شأننا في زماننا هذا.

قال الله عز وجل: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ لم تكن رحمتهم ببعضهم رحمة عواطف، يوضح عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية، ولكنها كانت رحمة مواقف رحمة عملية عامة وشاملة، فأعتق العبيد من بطش أبي جهل وأبي لهب، وحرّر المساكين من قبضة الفاقة، وخفّف عن المستضعفين ثقل التعب والنصب والفقر.

فدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول المتحدث، كانت في مبتدأها مواساة، مواساة أمنا خديجة رضي الله عنها بقولها الذي نحفظه جميعاً: “كلَّا! والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدُقُ الحديثَ، وتَحمِل الكَلَّ، وتَكسِبُ المعدومَ، وتَقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”، فهي في المقام الأول واسته، وقدّمته وعرّفته، ثم ثانياً أجملت وصفه وتعريفه صلى الله عليه وسلم في خلق المواساة.

وأيضاً نستحضر مواساة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه لرسول الله بقوله: “إنِّي كان بيني وبين ابن الخطَّاب شيء، فأسرعت إليه ثمَّ ندمت، فسألته أن يغفر لي، فأبى عليَّ، فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر. ثلاثًا، ثمَّ إنَّ عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثمَّ أبو بكر؟ فقالوا: لا. فأتى إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فسلَّم، فجعل وجه النَّبي صلى الله عليه وسلم يتمعَّر، حتى أشْفَق أبو بكر، فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم. مرَّتين، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله بعثني إليكم، فقلتم: كَذَبْت. وقال أبو بكر: صَدَق. وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مـرَّتين“.

ثم شدد بناجح على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رفع قيمة مواساة الإنسان مقاماً عظيماً، ومن عظمة مقامها أن وردت في الحديث القدسي العظيم المشهور الذي نعرفه جميعاً، ورواه سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب، كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب، كيف أسقيك، وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي.

هذه التربية وهذا السلوك النبوي، يقول بناجح، هو الذي أعطانا تلك الكوكبة المجيدة من الصحابة الكرام رضي الله عنهم بتلك المقامات السامقة والأخلاق الخالدة والشخصيات المؤثرة العابرة للتاريخ، التي تروي قصصها كتب السير، ويرجع لها في مضانها. من أمثلة ذلك سيدنا أبو بكر الصديق ينفق أمواله معتقاً إخوانه المؤمنين من العبيد والإماء، وها سيدنا عثمان بن عفان يخفف عن إخوانه العناء، ويشتري لهم بئر ماء كما هو مشهور في القصة، وقصة أصحاب الصفّة رضي الله عنهم، كانوا أناسا من أصحاب رسول الله لا منازل لهم، وكانوا متفرغين للجهاد. وكانوا ينامون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ويظلون فيه ما لهم من مأوى غيره، فإذا صلّيت العشاء عمد كل واحد من المسلمين إلى أخذ من استطاع من أصحاب الصفة إلى بيته، يطعمهم قبل أن يرجعوا إلى المسجد فيبيتون. فكان الرجل يذهب بالرجل، والرجل يذهب بالرجلين، وكان سيدنا سعد بن عبادة يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين من أهل الصفة يعشّيهم، رضي الله عنه وعن سائر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طالع أيضا  د. بن مسعود يتحدث عن "خمس صور معبرة من يوم تنصيب جو بايدن"

ولعلّ أسمى صورة لأرقى وأرفع درجات خلق المواساة، يسترسل المتحدث موضحا، تجمعها القصة العظيمة والآخذة لاستقبال الأنصار والمهاجرين، حيث تقاسموا معهم كل ما يملكون، وهذا ما أجمله وجمعه قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

واستخلص بعضا من دروسها وعبرها:

أولا: المواساة ليست عطاءً من جانب وأخذ من جانب، بل هي أخذ وعطاء متبادل، وذلك نتأمله في قول المهاجرين لرسول الله: ما رأَيْنا قومًا أَبْذَلَ من كَثِيرٍ، ولا أَحْسَنَ مُواساةً من قليلٍ: من قومٍ نزلنا بين أَظْهُرِهِم، لقد كَفَوْنا المُؤْنَةَ، وأَشْرَكُونا في المَهْنَإِ، حتى لقد خِفْنا أن يذهبوا بالأجرِ كلِّهِ! بذل بلا حدود من جانب الأنصار، وتعفف من جانب المهاجرين، ولكن تنافس من الجميع في أجر الآخرة ومكارم الأخلاق.

ثانيا: المواساة مداوة، جاء في حديث أَبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه: بينَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلى مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ، وَمَن كانَ لَهُ فَضْلٌ مِن زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَن لا زَادَ لَهُ، فقد دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مواساة عامة حتى يصل لذلك الرجل صاحب الحاجة نصيبه دون أن يعينه، ودون أن يعرفه أحد، وفي ذلك حفظ ماء وجهه. فهي مداواة لا جرح كما في عدد من السلوكات المشينة اليوم. 

ثالثا: المواساة حقّ لا منّة، لقوله صلى الله عليه وسلم: إن في المالِ لحقًّا سِوَى الزكاةِ ثم تَلا: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ.

 الخلاصة الرابعة: المواساة ليست من الموسر للمعسر فقط، إنما هي خلق وتربية، على خلق قبلي وهو الإيثار، وانظروا إلى القصة المشهورة، التي يرويها ابن عمر رضي الله عنه.

طالع أيضا  الكاتب الوطني لشبيبة النهج: 20 فبراير مسار مفتوح لم ينته بعد

خامساً: المواساة غير محصورة في المال، قال صلى الله عليه وسلم: تعدل بين اثنين صدقةٌ، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له متاعه صدقةٌ، والكلمة الطيبة صدقةٌ، وتميط الأذى عن الطريق صدقةٌ، وقال عليه الصلاة والسلام: تبسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ صدقةٌ، وإرشادُك الرَّجلَ في أرضِ الضَّلالِ لكَ صدَقةٌ.

وعدّد ابن القيم رحمه الله أنواع المواساة فقال: مواساة بالمال ومواساة بالخدمة ومواساة بالنصيحة والإرشاد ومواساة بالدعاء والاستغفار لهم ومواساة بالتوجّع لهم.

الخلاصة السادسة: المواساة عامة، غير محصورة فقط في المسلمين، وقصصه صلى الله عليه وسلم في تفقد وعيادة غير المسلمين كثيرة.

العبرة السابعة المواساة تتحرك على جانحي العدل والإحسان، ومتى ما انحصرت المواساة في الشفقة فقط وفي الأعطية، بمعزل عن إقامة نظام العدل، انقلبت إلى طبقية مقيتة، تبقي الأغنياء على غناهم، والفقراء يتوارثون الفقر وانتظار الإشفاق من ذوي الحضوة، وهنا نستحضر قول الإمام علي كرّم الله وجهه: “إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفى فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا أو جهدوا فبمنع الأغنياء“.

وفي هذا يقول الإمام عبد السلام ياسين: “لا يمكن تأسيس دولة القرآن على قواعد اقتصاد يكون فيه الإنسان عبدا للمصالح الأنانية، ويحتكر فيه فريق من الناس الأرزاق بينما يبقى فريق يتسول الصدقات. وما كانت المؤاخاة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، رجلا مع رجل، وأسرة مع أسرة، إلْحَاقاً طُفَيْلِيّاً لأسرة عاطلة بأسرة تعمل وتنتج“.