لم ولا تنعم الجامعة المغربية بالدعم اللازم، بصيغة تتوفر معها الشروط اللازمة، الكفيلة بالتحصيل العلمي الذي يعود بدوره بالنفع على المجتمع في كل مجالاته، ويوفر الظروف المناسبة للاختراع والابتكار وصناعة الأطر العليا التي تجعلها -الجامعة المغربية- في ميدان التنافس العالمي إلا في حالات استثنائية لمن ساعدته ظروفه الخاصة وعزيمته وإصراره في تجاوز كل المعيقات والعراقيل.

تتعدد هذه العراقيل والإشكالات بتعدد السياسات المتعاقبة والرؤى المتعددة، والتجارب المتنوعة، التي كانت لها الجامعة مسرح تجارب ومعها التعليم في المغرب بشكل عام، وتعود في النهاية إلى أمرين أساسيين أولهما التدبير المرتبط بتوجهات وزارة الداخلية وما يعنيه ذلك من عقل أمني يحرم الجامعة من استقلاليتها المطلوبة، وثانيهما مرتبط بغياب الإرادة السياسية وما يتطلبه ذلك من شروط تحرير هذا المرفق أمام المبادرات الكبرى ليكون في مستوى التطلعات العلمية والمعرفية.

السكن الجامعي

يشكل السكن الجامعي أحد الملفات التي تطغى إلى الواجهة في كل حديث عن الأعطاب التي تلاحق تدبير الجامعة، بالنظر إلى عدد الأحياء الجامعية الموجودة وجودتها، وبالنظر إلى عدد المؤسسات الجامعية، وعدد المستفيدين من السكن في هذه الأحياء بالمقارنة مع عدد الطلبة في المغرب، حيث تشير تقارير رسمية منها تقرير وزارة التعليم العالي لسنة 2016، إلى أن الأحياء آوت أقل من 50.000 من عدد المسجلين الذي يبلغ 750.000 طالبا، أي أن عدد الطلاب المستفيدين من السكن الجامعي أقل من 9% من إجمالي عدد الطلاب، مع الإشارة إلى أن عدد الطلاب هذا الموسم تجاوز المليون طالب.

 ويعود موضوع السكن إلى الواجهة بشكل أكثر إلحاحا، بعد استمرار إغلاق الأحياء الجامعية رغم استئناف الدراسة في عدد من الكليات، ورغم ظروف الامتحانات كذلك، حيث تناقل عدد من الطلاب في وسائل التواصل الاجتماعي صورا للطلبة يبيتون في العراء في عدد من المؤسسات، في وقت ارتفعت فيه سومات الكراء في الأحياء المحاذية لهذه المؤسسات، الأمر الذي يجعل الطلبة عرضة لسماسرة الكراء الذي ينتهزون الفرص غير آبهين للظروف القاهرة لآلاف الطلاب الذين ينحدرون من أماكن مختلفة، ليتشتت الطلبة والطالبات بين سندان مغادرة الدراسة وبين إكراهات متابعتها في ظروف كهاته.

ويعود قرار إغلاق الأحياء الجامعية واستمرار إغلاقها لوزارة الداخلية التي لم تستثن في ذلك الأحياء التابعة للكليات ذات الاستقطاب المفتوح أو الداخليات والأحياء الداخلية التابعة للاستقطاب المحدود التي تؤوي الطلبة المهندسين وطلبة المدارس العليا، في مقابل الترخيص للإقامات الجامعية الخاصة، وهو ما يعتبره الطلبة اختلالا كبيرا وضربا في مبدأ “تكافؤ الفرص”.

طالع أيضا  منها الصراع العربي الإسرائيلي.. د. منار: مشكل نشأة الدولة بعد الاستعمار من عقبات التحول السياسي في العالم العربي

الامتحانات الجامعية

فجرت الامتحانات الجامعية منذ نهاية الموسم الماضي اختلالات في تدبير عدد من الجامعات لشؤون الطلبة في الامتحانات، عندما أسندت الوزارة عملية تنظيمها للإدارات الجامعية في ظل الحجر الصحي، الأمر الذي حذا بها إلى اعتماد مراكز القرب.

ورغم الآمال التي عقدت على هاته المراكز من قبل البعض منذ البداية بالنظر إلى التيسير على “جزء فقط” من الطلبة لاجتياز الامتحانات وتخفيف الضغط على الكليات لتفادي انتشار بؤر الوباء؛ إلا أن حجم الاختلالات والكوارث التي تم تسجيلها على طريقة تدبيرها باعتماد المراكز يسيء إلى سمعة الجامعة المغربية، بعدما أكد العديد من الطلبة عدم ورود أسمائهم في لوائح الأقسام وعدد أكبر أكد عدم ورود أسمائهم في لوائح النتائج وتسجيل الغياب عليهم رغم حضورهم واجتيازهم للامتحانات، وبعضهم الآخر تم حرمانه من الدورة الاستدراكية كما أن آخرين تم منحهم الاستدراكية بعض ضياع لوائح الحضور والنتائج معا الخاصة بالدورات العادية.

وبعد هذه الكوارث قررت الوزارة الاستغناء عن المراكز هذا الموسم رغم استمرار الأسباب التي قررت بموجبها اعتمادها في الموسم الماضي، وهو ما لا تنتفي معه المخاطر المحدقة بآلاف الطلاب والطالبات المضطرين للتنقل غير الآمن وفي غياب السكن الجامعي وغياب منحة كافية داعمة للتكاليف المضاعفة.

المنحة الجامعية

تعد المنحة الجامعية حقا أساسيا للطلبة لإعانتهم على متطلبات الدراسة، إلا أنها تحولت من حق معمّم على كل الطلبة المستحقين إلى مطلب يناله بعضهم فقط دون الآخرين رغم أنها لا تكفي لسداد كل حاجيات من يستفيدون منها.

وبقي مطلب الزيادة في المنحة وتعميمها على كل الطلاب مطلبا يتردد لسنوات وما يزال. وأمام تصاعد التكاليف أمام الطلاب لم يتم الاكتفاء في تسجيل الملاحظة عليها بعدم اكتفائها فقط، بل إن التأخر المبالغ فيه في صرفها أصبح الإشكال الأكبر لمن يستفيدون منها.

إن التكاليف المتزايدة على الطلبة، خاصة بعد الارتفاع الكبير في تكاليف التنقلات والكراء؛ جعل الطلاب يطالبون في عدة جامعات بمنحة استثنائية للاستعانة بها، لكن مطلبهم لم يتحقق.

طالع أيضا  حقيقة الإنسان والتَّحوّل المطلوب

وفي تدوينة سابقة للكاتب الوطني للاتحاد الوطني لطلبة المغرب الطالب صابر إمدنين، أوضح استنادا إلى معطيات رسمية أن عدد الممنوحين يقدر ب 386.000 ألفا من أصل 1.009.678 طالب في جميع الأسلاك -إجازة، ماستر، دكتوراه- وفي جميع المؤسسات سنة 2019، أي ما يقارب 30%، وبما أن طلاب المؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح يعتبرون الأكثر عددا بنسبة تتجاوز 75% حسب إحصاءات 2019، فإن عدد الممنوحين داخل هذه المؤسسات لا يتجاوز 20%، بمعنى أن أزيد من 80% من عدد الطلاب في نفس المؤسسات لا يستفيدون من المنحة الجامعية.

احتجاجات مستمرة

انطلقت هذه السنة الجامعية على وقع احتجاجات في الجامعات وإن كانت نضالات الطلبة في المؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح لا تحظى بمتابعة إعلامية كبيرة، فإن جزءا آخر من هذه الاحتجاجات يهم مؤسسات المهندسين والمدارس العليا والأقسام التحضيرية وغيرها… حيث شهد عدد منها أشكالا احتجاجية وإضرابات، منها المعركة التي سجلها طلبة المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية.

هذه الاحتجاجات وإن اختلفت أسبابها، فإنها أصبحت تسائل جودة التكوين في هذا المجال، وهو من أبرز المطالب التي رفعها طلبة “ENSA” الذين طالبوا بعقلنة أعداد مقاعد الولوج إلى المؤسسة وملاءمتها مع الإمكانيات اللوجستيكية المتوفرة.

وأثار موضوع التعليم عن بعد الذي تم اعتماده بالتناوب مع التعليم الحضوري في بعض الجامعات؛ جدلا واسعا، وطرح نقاشا مزدوجا، فبالرغم من أن اعتماده كان بدافع تخفيف الضغط على الجامعات، انسجاما مع إجراءات منع انتشار فيروس كورونا، إلا أن اعتماده في ظل غياب شروطه الأساسية يعد إساءة للتعليم العالي والجامعة كلها بالنظر إلى رداءة التكوين الذي يتيحه، وهو ما حذا بعدد من الطلبة خاصة طلبة المعاهد ومدارس المهندسين إلى خوض احتجاجات ضد اعتماده في وقت يتم فيه الترخيص لطلبة المعاهد الخاصة بالحضور إلى قاعات الدراسة وهو ما يعتبرونه ضربا في مبدأ تكافؤ الفرص.

وتزداد عيوب التعليم عن بعد فيما يتعلق بالطلبة القاطنين في المناطق النائية الذين تمنعهم ظروف البعد عن الشبكة وضعف الإمكانيات من الاستفادة المطلوبة، وهو ما حمل الطلبة على وصفه بـ “البعد عن التعليم” بدل التعليم عن بعد…

نظام البكالوريوس

لم يكن قرار الوزارة الوصية على التعليم العالي في المغرب بالإقلاع عن نظام الإجازة في ثلاث سنوات نحو نظام البكالوريوس ليكون الاستثناء في سياسة فرض القرارات من فوق، بل ينضاف إلى الكم الهائل من القرارات من هذا النوع وعدد الإصلاحات المتعاقبة على الجامعة المتناسلة بتناسل القائمين على تدبيره، بدون إجماع كل المكونات المعنية بشأن الجامعة من طلبة وأساتذة…

طالع أيضا  اليوم السبت.. مجلس للنصيحة المركزية عن بعد يتدارس موضوع "خلق المواساة"

ولقد أثار قرار اعتماد “الباشلور” استياء لدى مكونات التعليم العالي من أساتذة وطلبة ونقابات، حيث انخرط الجميع في رفض اعتماده في مختلف المدن المغربية.

وقد قرر عدد من مكاتب النقابات التابعة للأساتذة في الجامعات “الرفض المطلق لنظام البكالوريوس” المزمع العمل به ابتداء من الموسم الجامعي المقبل، بسبب تضمنه سلب الصفة الأكاديمية والعلمية عن المؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المفتوح، وسعيه إلى مهننة التعليم العالي والإجهاز على مكتسبات الجامعة.

وعبر أطر وأساتذة التعليم العالي في عدة جامعات عن امتناعهم التوقيع على تمرير مشروع “الباشلور”، احتجاجا على عدم إشراك مكونات الجامعة في صياغة المشروع أو حتى مناقشته.

طرد الطلبة

من الملفات التي طبعت الجامعة المغربية منذ الموسم الماضي إلى اليوم ملف طرد طلبة أكادير الذين تابع الرأي العام الوطني مظلوميتهم، ونالوا تضامنا حقوقيا وسياسيا كبيرا.

فقد عمدت جامعة ابن زهر إلى إعلان قرار طرد ثلاثة من طلبة كلية العلوم بتاريخ 20 فبراير 2020، بناء على طلب من عميد كليتهم، بسبب أنشطتهم النقابية والعلمية، وتم منعهم من اجتياز امتحاناتهم ومتابعة دراستهم بشكل يتنافى مع كل القوانين الوطنية والدولية التي تخول لهم حقهم الكوني في متابعة الدراسة.

ودخل الطلبة المطرودون في اعتصام مفتوح أمام كلية العلوم وأمام رئاسة جامعة ابن زهر بدءا من يوم 15 شتنبر 2020 استمر إلى اليوم، وطيلة مدة الاعتصام زاره طيف من الحقوقيين والجمعويين والسياسيين والنقابيين والإعلامين، الذين عبروا ومعهم آخرون في مواقع التواصل الاجتماعي عن تضامنهم معه في هذه المحنة التي لم تكن لتبدأ لولا الشطط في استعمال السلطة ولتصفية الحسابات السياسية وليس لشيء آخر.