كان من فائق عناية الله سبحانه وتعالى بنبيه الكريم قبل الهجرة إلى المدينة وبعد معجزة الإسراء والمعراج المسلية للمقام الشريف، والمخففة عنه ما لقيه في مكة والطائف من صنوف الجحود وأشكال الأذى، وما خلفه فقدانه السيدة خديجة رضي الله عنها وعمه عبد المطلب من حزن عميق… كان من عناية الرحمن الرحيم به أن اجتمع بمجموعة مباركة من أهل المدينة المنورة الذين بايعوه على الإيمان به والنصرة والإيواء، وأن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، وكان ذلك خلال بيعتي العقبة الأولى والثانية 1

وقد كانت هذه البيعة على النصرة والإيواء والمنعة والبذل بالغالي والنفيس في سبيل الدعوة الجديدة إيذانا بمولود جديد تُنسج خيوطه بالعناية الربانية، ثم بالجهد الدعوي النبوي وبذل المهاجرين رضي الله عنهم أجمعين.

وعلى أساس هذا الجهد ظهرت ثمرة التحالف بين مسلمي الهجرة ومسلمي النصرة، فانصهر الجميع بحبهم لله ولرسوله، فصاروا كالجسد الواحد، يتداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وقد ضربوا لهذا الحب أروع الأمثلة، قد نعتبرها في زماننا أوهاما وخيالا…

 وليس هذا فحسب، بل صاروا ملاذا أخلاقيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا لكل المستضعفين في الأرض حينها، فاتحين بيوتهم وجيوبهم وبشاشة وجوههم، بعد أن تبوأوا الدار والإيمان، فكانوا أهلا لهذا الوصف الرباني الخالد: وَالذِينَ تَبَوَّءُو اُلدَّارَ وَالِايمَٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَة مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُوثِرُونَ عَلَيٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة وَمَنْ يُّوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُلْمُفْلِحُونَ 2.

كانت هذه الفئة المنصهرة الأساس الذي ستبنى عليه كل القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المقررة لاحقا للعيش المشترك وضمان الكرامة الإنسانية والعقائدية للجميع، في مجتمع من أهم سماته التعدد والاختلاف وربما التناقض.

ويُلحق بهذه الفئة الأساس، جميع المستضعفين الفارين من ظلم الأسياد والمتحولين من حال الشرك والنفاق إلى حال الإيمان، بما فيهم المنتقلون الجدد من مكة إلى المدينة الذين تركوا أموالهم وتجارتهم وفلاحتهم وامتيازاتهم العشائرية.

 ولا شك أن ذلك أدى إلى ارتفاع عدد سكان المدينة، وزيادة نسبة الفقراء والمعوزين بها، الشيء الذي أثقل، لا شك، كاهل القيادة الميدانية بالتفكير في تأمين المأوى والإطعام وما إلى ذلك من متطلبات العيش آنذاك.

طالع أيضا  حافظية المرأة | المحافظة على العقل

 ولعل فئة أهل الصفة خير شاهد على هذا الوضع الجديد، حيث لم يجدوا مأوى يأوون إليه إلا مسجد رسول الله، فوفر لهم صلى الله عليه وسلم عناية خاصة، ولم يكن لهم مصدر للعيش إلا ما يجود به عليهم إخوانهم من المهاجرين والأنصار.

ولقد كان من عناية الله بالدعوة الفتية أن حصّن المصحوب الأعظم صلى الله عليه وسلم هذه الفئات بحب الله ورسوله، ثم بكل معاني الأخوة والنصرة وإفشاء السلام وإطعام الطعام وإعانة المحتاج… فكانوا رضي الله عنهم يتنافسون في تمثل ذلك قولا وسلوكا، فكانت هذه الوقائع فرصا تربوية للقضاء على شح الأنفس بالإسراع إلى الإنفاق والإيواء والنصرة..

   وفي المقابل كانت فئات أخرى وهي خليط من الناس، قد آثرت إما البقاء على شركها، أو إعلان الإسلام ظاهرا وإبطان العداء لأهله، غاظها ما رأت من تراص صفوف المسلمين وتآزرهم…

    وقد نبه القرآن الكريم وأنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بمكرهم وخداعهم ونفاقهم، وحذره منهم، ورغم ذلك فإنه لم يناوئهم عليه الصلاة والسلام، بل اعتبرهم أصحابه، ويؤكد هذه الحقيقة الحديث الذي رواه جابر رضي الله عنه الذي قال: “أتى رجل بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منه ويعطي الناس، فقال: يا محمد أعدل، فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية” 3.

 ولم يكن الغرض هو مخافة القول فقط، ولكن كانت الغاية: صيانة لحمة المجتمع في إطار رحمة الإسلام التي تستوعب الجميع، اعتبارا لأنهم جزء من نسيج مجتمع المدينة. ولعلنا نستنتج من ذلك إمكانية جمع الناس والتأليف بينهم على أساس الولاء للوطن الذي يحتضن كل هذه الفئات في إطار الدستور الذي وضعت معالمه تحت مسمى الوثيقة أو ما يتعارف عليه الناس لتدبير شؤونهم وعلاقاتهم.

طالع أيضا  منظومة القيم الإسلامية من خلال غزوة بدر الكبرى

أما اليهود، فهم “شعب انكفأ على نفسه وذاق المرائر بما كسبت أيدي بنيه وبناته جزاء من الله الحكيم العليم قَدَراً، وانتقاما من الشعوب التي ابتزوا أموالها واستحَلوا حُرَمَها استنادا إلى مبدئهم العنصري العدواني 4: ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِے اِ۬لُامِّيِّۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَي اَ۬للَّهِ اِ۬لْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَۖ 5.

هاجروا إلى المدينة قديما وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، أوحى الله إلى رسوله مكرهم وخديعتهم وقتلهم الأنبياء بمختلف قبائلهم، فاستدعت المصلحة أن يوادعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ورغم أنهم كانوا السبب الرئيس في كل الحروب بين الأوس والخزرج؛ التي استمرت سنوات حتى ألف الله بين قلوبهم وأيدهم برسوله صلى الله عليه وسلم، فقد وادعهم صلى الله عليه وسلم.

 وبموجب هذا العهد اعتبرت منطقة المدينة حرمًا، والحرم هو ما لا يحل انتهاكه، “وهذه الحرمة تتسع لتشمل حرمة النفس والحرية الدينية وحرمة المال والنسل والعقل وكل المعاني التي تنضوي تحتها ومما لا يتسع المجال لذكره..” 6 وبذلك أحلَّت هذه المعاهدة الأمن داخل المدينة ومنعت الحروب الداخلية 7.

 وقد حددت الوثيقة بشكل واضح الواجبات والحقوق لليهود الذين يعيشون ضمن تجمعات المسلمين، قالت الوثيقة: “وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها” 8.

 ثم ذكرت الوثيقة اليهود المتميزين في دورهم وتجمعاتهم بعيدا عن المسلمين، بل ذكرت الوثيقة قبائل اليهود بالاسم وما لها من حقوق وما عليها من واجبات.

 يقول ابن القيم موضحا تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع القبائل الثلاث: “وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن بالمدينة مِن اليهود، وكتب بينه وبينهم كتابًا، وبادر جدهم وعالمهم عبد الله بن سلام، فدخل في الإسلام، وأبى عامتهم إلا الكفر. وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وحاربه الثلاثة، فمنَّ علىٰ بني قينقاع، وأجلىٰ بني النضير، وقتل بني قريظة وسبىٰ ذريتهم، ونزلت سورة الحشر في بني النضير، وسورة الأحزاب في بني قريظة” 9.

ولعل خيانة العهد الذي أبرم معهم بموجب الوثيقة والدولة حديثة عهد بتثبيت الاستقرار النفسي والاقتصادي والاجتماعي، أو ما يصطلح عليه بالانتقال السياسي، هو الذي جعل الحزم والحسم حاله مع عتاة الخونة وأعداء الوطن ومثيري الفوضى الحل الأسلم والمناسب للمرحلة.

طالع أيضا  ما ترك التهجد قط ومات في الصلاة.. ذ. نقري يعرف بالشيخ "عيون السود" في جديد "أنغام السماء"

[1] سيرة ابن هشام، المطبعة الخيرية بمصر، الطبعة الأولى:1329ه، ج 2 ص: 42، بتصرف.
[2] سورة الحشر: الآية: 9.
[3] مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري أبو الحسين، صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، الحديث رقم: 1063، دار الكتب العلمية -بيروت _ لبنان، الطبعة الأولى: 1412ه/1991م، ج: 1، ص: 740.
[4] ياسين عبد السلام، سنة الله، مطبعة الخليج العربي، تطوان، الطبعة الأولى: 2005، ص: 104.
[5] سورة آل عمران، الآية: 74.
[6] الشيخ ولد الزين ولد الامام، وثيقة المدينة المنورة كأول وثيقة تؤسس لحقوق الإنسان، صحيفة الصدى، صحيفة موريتانية مستقلة، (مقال إلكتروني)، 19دجنبر2017، https://www.essada.info/
[7] أكرم ضياء العمري، السيرة النبوية الصحيحة، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة السادسة: 1415ه/1994م، ج: 1، ص: 292.
[8] ابن هشام، السيرة النبوية، علق عليها، وخرج أحاديثها، وصنع فهارسها عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي بيروت، الطبعة الثالثة: 1410/1990.ج2، ص: 145.
[9] ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، مؤسسة الرسالة، بيروت، مكتبة المنار الإسلامية، الكويت الطبعة السابعة والعشرون: 1415هـ /1994م، ج: 3، ص: 59.