اعتبر الدكتور عمر أمكاسو فهم البعدين التاريخي والاستراتيجي مهمين وضروريين لفهم مسألة التطبيع وعمق خطورته وأبعاده المتعددة، وإلا، يضيف، سيكون فهمنا للمسألة فهما سطحيا. وقبل أن يقف عضو رئيس مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للدراسات والأبحاث عند هذين البعدين ويفصل فيهما، استعرض الرواية المخزنية للتطبيع في الحالة المغربية التي لم تفلح في نظره في تسويغ التطبيع للشعب المغربي باعتباره غير التطبيع الذي يحدث في المنطقة، وهو مجرد استقبال “السياح” الصهاينة ذات الأصل المغربي، وهو أيضا حسب الرواية ذاتها مجرد اعتراف بالمكون العبري المشكل للهوية المغربية وليس اعترافا بالوجود الصهيوني في فلسطين ولا يتناقض زعما مع الموقف “الثابت والتاريخي” للدولة المغربية من القضية الفلسطينية. كما ركزت الدعاية المغربية على ربط التطبيع بقضية وطنية مصيرية وهذا ما عده خطيئة كبرى.

وانتقل الدكتور أمكاسو إلى مساءلة هذه الرواية الرسمية للدولة لمسألة التطبيع على ضوء البعدين التاريخي والاستراتيجي للتطبيع، وكان يتحدث في الندوة الرقمية التي نظمتها جماعة العدل والإحسان بأكادير بتنسيق مع الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة مساء يوم الأربعاء 24 فبراير 2021، تحت عنوان: “آثار التطبيع على المجتمعات العربية والإسلامية وتداعياته على مسار القضية الفلسطينية – حالة المغرب”، إلى جانب الشيخ الدكتور عكرمة صبري رئيس الهيئة الإسلامية بالقدس وخطيب المسجد الأقصى، والدكتور عمر الكتاني الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي، ومن تسيير الدكتور رضوان الرقيبي.

افتتح عضو مجلس ارشاد جماعة العدل والإحسان تبيان البعد التاريخي للتطبيع بالتأكيد على مكانة القضية الفلسطينية في وجدان الشعب المغربي والأمة الإسلامية بل في وجدان الإنسانية جمعاء، وهذا البعد تريد الرواية الصهيونية مسخه وتعويضه بحقائق زائفة. فأرض فلسطين حسب الدكتور أمكاسو ليست أرضا عادية من أراضي المسلمين، بل قضية دين وعقيدة؛ فهمي مهد الرسالات، وأولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم ومنطلق معراجه، والأرض التي شرفته صلى الله عليه وسلم بإمام المرسلين؛ إذ فيها ابتعث الله له جميع الأنبياء والمرسلين فأمهم وصلى بهم لتكون رسالته منتهى رسائلهم. وهي أيضا، يضيف المتحدث، باركها الله وبارك أهلها وبارك أكنافها. وفلسطين أيضا، بحسب أمكاسو تحتل مكانة جيوسياسية مهمة في قلب الشام وقلب الأمة الإسلامية، باعتبارها خط التدافع الحضاري بين الإسلام وخصومه على مر التاريخ، بل عدّها محرارا يقاس به حال أمة ومعيارا لنهضتها كما كبوتها. وفلسطين أيضا أعدل قضية إنسانية، ومحط إجماع جميع أحرار العالم؛ يهودا غير المتصهينين، ونصارى ولا دينيين ومسلمين وغيرهم، فهي إذن في نظره أقدم قضية مظلومية في العالم.

طالع أيضا  في ذكرى محاكمة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله سنة 1984.. أحداث بنت جماعة وصنعت رجالا (2)

بعد هذا، وقف الأستاذ الباحث في قضايا التاريخ والفكر الإسلامي على الحقيقة التاريخية للعدو الصهيوني، فهو في قراءته ليس احتلالا عاديا من الاحتلالات التي تعرضت لها مختلف بلاد المسلمين والتي تدخل ضمن مظاهر التدافع الحضاري بين المسلمين وخصومهم، وهو أيضا ليس عدوا عاديا، بل هو كيان عنصري ذو عقيدة فاشية تعتبر الجنس اليهودي أرقى الأجناس، وهو أيضا كيان استئصالي إحلالي راكم كل أنواع الغدر والخيانة، وهو أيضا، يضيف المتحدث، كيان مصطنع وهجين من شتات الصهاينة من مختلف مناطق العالم.

ليستنتج الدكتور عمر بعد كل هذه الحقائق التاريخية أن قضية التطبيع ليست مجرد قرار سياسي لدى الصهيونية بل جزء مركزي في استرايتيجية هذا الكيان، وخطوة أساسية من مخطط صفقة القرن، كما أنه صفقة وجودية بين الاستبداد العربي والدولة الصهيونية، معززا كلامه بالاستدلال بالعلاقة المغربية بهذا الكيان التي تعود للستينات من القرن الماضي، موردا كلاما لوزير خارجية المغرب الذي برر التطبيع بكونه استئناف لعلاقات كانت طبيعية بين المغرب ودولة الاحتلال !!

وانتقل رئيس مؤسسة الإمام ليرصد الأبعاد الاستراتيجية الخطيرة للتطبيع في عناوين بارزة؛ فهو في نظره تهديد استراتيجي للأمة المغربية وإثارة للنعرات بين نسيجها الاجتماعي، وهو أيضا مسخ للهوية المغربية وتحريف لقيمها، ورغبة لصناعة جيل من النخب السياسية والاقتصادية المتصالحة مع الرواية الصهيونية. والتطبيع أيضا في نظره خراب وتخريب وهدم للاقتصاد الوطني، إضافة إلى أن ربط التطبيع بقضية الوحدة الترابية خطيئة كبرى ولعب بالنار تنضاف للأخطاء التي راكمها التدبير الانفرادي لهذا الملف الحساس.

وقد ختم الدكتور عمر مداخلته بمجموعة من التوصيات كان أبرزها دعوته مختلف القوى المغربية والعربية والاسلامية، بل والإنسانية، إلى مواجهة التطبيع باعتباره خطرا وجوديا وليس مجرد خطر سياسي، وعدم إتاحة الفرصة لتيار التطبيع للتغلغل المجتمعي والمؤسساتي والثقافي وتكثيف الفعاليات في هذا الاتجاه، داعيا إلى الاستفادة من التجربة الشعبية المصرية التي بقيت عصيّة على الترويض الصهيوني رغم عقود التطبيع بين النظام المصري والكيان الصهيوني. كما دعا إلى إبراز عور الرواية الرسمية الساعية إلى تسويغ التطبيع بربطها بالقضية الترابية للمغاربة الذين عبر معظمهم عن رفضهم لهذا المسار التطبيعي.

طالع أيضا  في دلالات وعِبَرِ الأمثال الشعبية (2).. "ضربني وبكى، وسبقني وشكا"