في الذكرى العاشرة لانطلاق ثورات الربيع العربي، ومعها تجربة حركة 20 فبراير في المغرب، يرصد هذا التقرير مسار عقد من التموجات التي لم تنته بعد، ويستشرف أهم الدروس التي يمكن استخلاصها لمستقبل التغيير في أوطاننا.

مسار عقد من التموجات

قبل عقد كامل من الآن، انطلقت شرارة الربيع العربي من تونس في أواخر سنة 2010 وبداية 2011 إثر حدث لخص المشهد المأساوي الذي وصلت إليه البلدان العربية بعد عقود من الحكم التسلطي الذي أعقب الجلاء العسكري لأنظمة الاستعمار الأوربي.

الحدث هو إهلاك الذات الذي أقدم عليه شاب تونسي عانى، مثله مثل عموم الشعوب العربية، صنوف التهميش والحرمان في الحقوق والحريات، احتجاجا على غطرسة الأجهزة الأمنية التي تمثلت في مصادرة عربته البسيطة التي ترمز إلى نصيب هذه الشعوب من ثروة أوطانهم، مقابل استفراد حفنة بخيرات هذه الأوطان ومقدراتها. ولم يقف الأمر عند المصادرة بل تعداه الأمر إلى الصفع من قبل شرطية، ورفض السلطات تسجيل  شكواه ضد المعتدية، فخوطب بلغة سلطوية حاطة للكرامة الآدمية تنم عن الاستعلاء واحتقار المواطن إذ قيل له بلغة المستعمر: « Dégage»  ؛ وهو الشعار الذي تحول فيما بعد عنوانا لثورات الربيع العربي في وجه هذه الأنظمة الفاسدة المستبدة.

لقد ألهمت ثورة الياسمين في تونس، التي أطاحت بأعتى الأنظمة البوليسية، شعوب الجوار تحت تأثير ما سماه Samuel Huntington “بكرة الثلج” أو “الدومينو” لأن التحولات في بلد، في نظره، تشجع البلدان الأخرى على سلك نفس مسلكها، إما لأنها تواجه نفس المشكلات أو لأن التحول الديمقراطي دواء لمعضلاتها 1؛ فبعد هروب الرئيس التونسي إلى السعودية في 14 يناير 2011 (توفي فيها في 19 سبتمبر 2019)، انتقلت عدوى الاحتجاجات إلى مصر واليمن وسوريا وليبيا والمغرب والأردن وغيرهما بدرجات متفاوتة ومآلات مختلفة؛ أسقط بعضها رؤوس أنظمة كانت ظنّت نفسها خالدة، وانحرفت أخرى إلى وهدة الحرب الأهلية بأفعال الفاعلين الإقليميين والدوليين الساعيين إلى كبح جماح أمة سئمت من تواطؤ الاستبداد المحلي مع دوائر الهيمنة والاستكبار العالمي، فيما لا تزال أخرى تقاوم معاول الإفشال كما في تونس.

ثورات وانتفاضات وحراكات تقاطعت في الدوافع المسببة لها ووحدتها نفس المطالب المتجسدة في “الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية”، بينت أن العالم العربي لن يكون استثناء من موجات الديمقراطية في العصر الحديث، رغم الهجمة الارتدادية التي قادتها قوى النخب الحاكمة أو المتحكمة في مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والإعلامية.

طالع أيضا  فضيلة الأمين العام: تنزيل مشروع العدل والإحسان يستلزم أن تكون أقدام الأعضاء راسخة في أرض العبودية

لقد تعددت القراءات التي تسرعت في الحكم على فشل الربيع العربي بالنظر للمآلات التي آلت إليها الأوضاع في أغلب بلدان الحراك العربي، دون أن تنتبه هذه القراءات إلى أن التعثر الحاصل اليوم ليس حتميا بل ظرفيا تواطأت على صناعته عدد من الظروف الداخلية والخارجية التي لا تزال الشعوب المنتفضة تقاومها بكل الأشكال الممكنة؛ فالانقلاب في مصر لم يعبر بعد إلى شط الأمان على جريمة الانقلاب على الشرعية الديمقراطية، وما صاحبها ولحقها من جرائم تشيب لها الولدان، بل إن الشعب المصري لا يزال يبرق رسائل الأمل بين ثنايا القمع والتقتيل والتنكيل. والأوضاع في ليبيا وسوريا واليمن لم تستقر بعد على مآل واضح، ولا تزال الشعوب هناك تقاوم الخيارات الانقلابية ومنهج الفوضى الذي تسعى من خلاله القوى الإقليمية والدولية إلى إرباك أي مسعى سلمي للتوافق بين أبناء الوطن الواحد. أما في بلدان الالتفاف السياسي مثل المغرب والأردن فقد انكشفت فيها المناورة واستكملت جميع خيوطها في ظرف زمني قصير، مما يعيد الأوضاع إلى نفس النقطة التي انطلقت منها الحراكات الشعبية سنة 2011.

هذه الديناميات تؤكد أن أي محاولة لتقييم للعقد الأول من الربيع العربي ستبدو جائرة ومتسرعة وغير منصفة، لأن عشر سنوات أو أكثر غير كافية للحكم على مسار انطلق ولن يعود لنقطة الانطلاق أو قبلها، وهو مسار طويل ومفتوح النهايات، ومن طبيعة التغيرات السياسية والاجتماعية الكبرى أن تحتاج إلى وقت طويل جدا لتقدم بدائل مكتملة ومتكاملة بعد أن تكنس الثورات كل جيوب المقاومة، وما دروس التاريخ عنا ببعيد في كل موجات الدمقرطة التي شهدها العالم الحديث.

وما تجدد الموجة الثانية للربيع العربي التي شملت السودان والجزائر والعراق، ونسبياً لبنان والمغرب بعد تجدد احتجاجات كبرى مثل الريف إلا دليل آخر على أن مساعي سحق آمال التغيير لدى الشعوب العربية فاشلة، وأكدت بالمقابل قدرة هاته الشعوب على التعلم جزئيا من أخطاء الموجة الأولى، ومراكمة دربة أفضل للتصدي للخيارات الانقلابية المتمرسة والمسنودة بقوى الداخل والخارج؛ سياسيا وماليا وإعلاميا.

الربيع العربي دروس للمستقبل

إن الحقيقة الناصعة اليوم ليست هي فشل الربيع العربي، بل فشل مساعي إفشاله لحد الآن؛ فإلى جانب عدم استقرار كل أنظمة الانقلاب والالتفاف وعدم نجاحها في إعادة الشعوب العربية إلى اللحظة النفسية الشعورية لما قبل 2011 بغية وأد أي باعث وجداني وقتل أي أمل في إمكانية التغيير، فإنها نجحت بالمقابل في تعميق كل أسباب تجدد الانفجار الاجتماعي والسياسي في البلدان العربية.

طالع أيضا  الشخصية الإحسانية وأهميتها الدعوية

وينضاف إلى ذلك أن القوى المضادة للتغيير قدمت خدمة جليلة للشعوب بأن ساهمت في تحقيق فرز سياسي غير مسبوق؛ إذ تيقنت الشعوب من الشعارات الجوفاء من الوطنية التي اتخذت ذرائع لنهب الأوطان، وبيع مقدراتها ورهن مستقبلها إرضاء للقوى النافذة في العالم الداعم لأنظمة متسلطة ما دام يدفع حكامها بسخاء، وهو ما صرح به علانية وبلغة صريحة الرئيس السابق لأمريكا دولاند ترامب.

بل إن رهاب الخوف الذي كان أكبر رادع لثني تحرك الشعوب عبر إعمال أقسى وأقصى درجات القمع والتنكيل وتحطيم الإرادة وإطفاء جذوة المقاومة في النفوس، صار اليوم في الضفة الأخرى، أي في نفوس وقلوب المنقلبين على الحراك العربي أو على الأقل أصبح رهابا متبادلا، لأن تجدد الثورة يبقى واردا، والأنظمة المتحكمة لا تقف اليوم على أرضية صلبة، ذلك أن الاستقرار المزعوم المفروض بآليات التهريب هو استقرار هش وضعيف ولا يمكن أن يصمد، كما أن مطالب التغيير لا تزال قائمة وإن غيرت نبرتها من السياسي إلى الاجتماعي.

إن الهجمة الارتدادية على مطالب الشعوب تقدّم اليوم أكبر درس للانتفاضات العربية لتصحيح الأخطاء وتجاوز لحظة الفجاءة إلى لحظة التأسيس، والانتقال من منطق “الثورة المترددة” إلى منطق “التغيير الشامل” الذي يستهدف البنيات الكبرى للفساد والاستبداد بحركة منظمة وسلمية وقاصدة، وعدم الرهان على التصالح مع الاستبداد أو الاشتغال بمنطق إصلاحي في لحظات تغييرية. فقد أثبتت تجارب الربيع العربي أن الأنظمة الاستبدادية غير مستعدة للتحول الذاتي نحو الديمقراطية، ومقولات الإصلاح من الداخل هي آليات في يد هذه الأنظمة لاحتواء النخب وتسويف المطالب، ومسوغ لاستمرار النهب والفساد والاستبداد.

ويشكل الميثاق الجامع أحد أهم دروس الانتفاضات العربية باعتباره صمام أمان أمام الاستقطاب الداخلي وتنافر الأفهام واضطراب الثقة بين مختلف الفرقاء. كما أن الميثاق يوجه بوصلة التغيير، ويحدد الحد الأدنى للتوافق المرحلي، ويرسم معالم مرحلة ما بعد الانتفاضة، حيث البناء المؤسساتي المفضي إلى حياة سياسية قوامها الوحدة الوطنية والتوافق الوطني والترفع عن الحسابات الضيقة، وجعل مسألة عبور الوطن من صحراء الاستبداد القاحلة إلى بر أمان الديمقراطية، عبر أمواج التغيير المتلاطمة، قضية ضمير وطني جامع.

والميثاق أيضا تحصين للقرار الوطني، وتسييج للعملية التغييرية والانتقالية من أي رهان خارجي للإفشال، والدفع إلى التأزيم عبر التسليح وإثارة النعرات الإيديولوجية والطائفية والمذهبية وغيرها. فالميثاق كفيل بأن يخلق لدى الجميع صلابة في الموقف لمجابهة الابتزاز الدولي، بل للصمود في وجه مختلف الإجراءات التي لن تعدمها القوى المضادة للتغيير خارجيا وداخليا.

طالع أيضا  "المغرب الممانع".. مهرجان مغربي فلسطيني نظمته 3 هيئات مغربية

ومن هنا يتضح أن الرهان القديم على الغرب الديمقراطي للضغط على الأنظمة التسلطية العربية لإحداث تغيير حقيقي وهم أثبتته التجارب الحالية، فقد نزلت هذه الأنظمة بكل ثقلها لإفشال كل تجارب التغيير في المنطقة العربية بكل الوسائل الممكنة كان أحقرها الصمت على جرائم القوى الانقلابية، بل ودعمها سياسيا وماليا ودفعها إلى خيارات القمع المفرط والاقتتال الأهلي.

وتعد المسألة الاجتماعية أيضا من أكبر العقبات التي ينبغي أن تعطى لها الأولوية في مسلسل التغيير، والتي شكلت أهم مدخل وظفته الآليات الانقلابية لإرباك التجارب الانتقالية، وتعد تونس أهم نموذج يقاوم هذا المدخل الانقلابي بعد النجاح الحالي في البناء المؤسساتي والدستوري الذي صمد رغم مختلف محاولات إفشال التجربة.

وتتطلب هذه القضية قدرا من الوضوح مع الشعوب وعدم توظيف حرمانها كآليات للحشد الجماهيري أو المزايدة السياسية بين الفرقاء، بل يقتضي الأمر إجراءات وطنية تحقق أكبر قدر ممكن من التوزيع العادل للثروة الوطنية، عبر إجراءات مدروسة، تسندها تربية الشعب، بل وتقديم القدوات له في البذل والتضحية لتأمين لحظة الانتقال والتأسيس لنظام سياسي واجتماعي جديد.

إن أهم ما يمكن استخلاصه اليوم أن الربيع العربي لم يفشل، إنما أُفْشِل، وهو يقاوم هذا الإفشال بكل الأساليب الممكنة، ورصيد الشعوب من الجرأة يتعاظم، وخزائن غضبها على الأنظمة الفاسدة المستبدة امتلأت، وهو إن لم يزد فهو لم ينقص حتما، وبالمقابل فرصيد كبت هذا الغضب لن تصمد طويلا، لأن فاتورتها أصبحت مكلفة لداعمي الانقلاب والالتفاف والمناورة، وما وقع خلال العقد الأول سيشكل إلهاما لجيل جديد من الانتفاضات يقودها جيل حتما سيستفيد من كل ما سبق بذكاء وإرادة وتجربة أقوى مما وقع قبل عقد.


[1] هنتنجتون صامويل، الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن 20م، الطبعة الأولى 1993، ص 168.