من أسباب توبة العبد إلى ربّه عز وجلّ، أوردُ عشرة أسباب، رزقنا الله وإياكم توبةً شاملة، بما هي رجوعٌ واعترافٌ وعزمٌ على الإصلاح والاستدراك، وبما هي استعداد دائم للمراجعة والمساءلة والانطلاق المتجدد..

1- سابقة ساحبة
وهي سابقة الكرم والاصطفاء الرباني الصادر عن محض التفضّل وإرادة الإنعام، “لا يُسْأَلُ عمّا يفعل وهم يُسأَلون”، ومما يدل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: “إن الذين سبقت لهم منّا الحُسنى أولئك عنها مبعدون، لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسُهُم خالدون”، وقوله عز وجل في حق حاملي كتابه الكريم: “ثم أورثنا الكتابَ الذين اصطفينا من عبادنا”.

2- دعوة واصبة
وهي دعوة صالحة من محبّ حريص، من والِدَيْن حانِيَيْن، أو وليّ مشفق، أو كريم على الله أعطاه سُؤْلَه، أو هي دعوة صدق وافقت رحمة وقبولا. ومن ذلك ما ذكر من دعوة الجد التاسع في سورة الكهف، حيث حفظ الله تعالى مال الولدين حتى احتاجاه: “وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك”، ولذلك يحسُنُ أن نلتمس الدعاء من أهل الصلاح والتقوى حصنا وطمعا.

3- صحبة حادبة
وهي الصحبة المشعة بالنور، الفائضة بالخير، قد تكون صحبة أخ حبيب، أو قريب لبيب، وقد تكون خضّة ناصح أمين، أو جذبة قلب مخموم، تنهض بحالك، وتسقي يُبْسَك، وتسند ضعفَك، وتشدّ عزمَك، وتعلمّك علم الإنابة في كل حين.

4- حالٌ غالبة
وقد يسوق المولى سبحانه عبدَه الموفّق إلى موطن رحمة، من زمان أو مكان، فتحصل له أحوال منهضة من سقطته، موقظة إياه من رقدته، منبّهة له من غفلته، جاذبة لقلبه من نكسته، دافعة إياه للبحث عن سبيل الاستقامة وخلانها، مكرّهة له الكفر والفسوق والعصيان.

5- همة جاذبة
ومن أسباب التوبة تعلّق قلب صالح بقلبك، وانجذاب روح شريفة لروحك، فإذا المُحِبُّ غالب، وقلبُه لقلبِك ساحب، ألم تر كيف تعلّق قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بهداية أحد العمرين، مع غاية الأدب في عدم التألّي على الله بترك الخيار له، وهذا السبب متروك لسابقة الهداية، إن وافقت الهمة الجاذبة استعدادا وسابقةً حصل التعطُّف بإذن الله وكرمه، وإن كان غير ذلك، على المؤمن واجب التفويض التام لله تعالى عز وجل، “إنك لا تهدي من أحببت، ولكنّ الله يهدي من يشاء”.

طالع أيضا  قطاع التربية والتعليم: نرفض استهداف حقوق نساء ورجال التعليم ونندد بمخططات "التطبيع التربوي" مع الكيان الصهيوني

6- خبيئة راتبة
ومما أنقذ العديد من الناس، وأنجاهم من غم المعصية، خير فعلوه، أحصاه الله ونسوه، فيدفع نور الحسنة نار السيئة، وهو أمر يفيد الماضي بقدر ما يفيد الاستقبال أيضا، “وأتبع السيئة الحسنة تمحُها، وخالقِ الناس بخُلُقٍ حسن”، وخير الحسنة ما غاب عنها الرياء، رجل تصدّقت يمينه بما لم تعلم شمالُه، وخيرها ما كان راتبا متّصلا، كان آل سيدنا محمّد صلّى الله عليه وسلم إذا عملوا عملا أثبتوه، كما روت ذلك أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها، و”أفضل الأعمال أدومها ولو قلّ”.

7- نفسٌ عاتبة
ومما ينعم الله به على عباده، النّفس اللّوّامة العاتبة، فلا تزال للعاصي موبّخة زاجرة، وللمذنب مؤنّبة مقرّعة، حتى يؤوب إلى الحق، ويعقد العزم على التوبة والأوبة، ومن ذلك دعاء الصالحين: واجعل لنا واعظا من أنفسنا.

8- رجّة ضاربة
وقد لا يصلح لبعض العباد إلا بعض الخضّ العنيف، والرجّ القاسي بمعيار الأرض وأهلها، لكنّه اللطف الرباني، الذي يدفع الأنكى بالأدنى، ويدبّر لعبده الإشارة تلو الأخرى لعله يستفيق ويعود، ويرعوي فيكف، ويخاف فيستقيم، فهو العليم سبحانه بخفايا نفوس عباده، المطلع على ما تخفي الصدور. نسأله أن يردنا إليه ردا جميلا في عفو وعافية.

9- لوعة راغبة
وأما انقداح اللّوعة الحارقة، فهي للقلوب التي يستميلها الود أكثر من غيره، ويجذبها الحب على ما سواه، وهي القلوب العاشقة التي تذوق طعم الوصال فلا تستطيع عنه بعدا، وتتقطع شوقا إن عثرت بها عاثرة، أو سحبتها زلّة قدم أو ضعف همّة، ولا يزال القلب الملتاع يقطع المسافات، حتى يلحق بمحبوبين لم يرق مرقاهم، ولم يستطع استطاعتهم، ومن ذلك قول أنس رضي الله عنه وأرضاه تعليقا على حديث المرء مع من أحب، قائلا: “..وأنا أحب أبا بكر وعمرا، وأرجو أن أكون معهما بحبي إياهما وإن لم أعمل بعملهما.

طالع أيضا  تعلم لغتك العربية.. كل ما ينبغي معرفته عن "المبتدأ"

10- رهبة لاهبة
وأما الرّهبة، فخوف يحيط ببعض الأفئدة لتفيئ إلى الحق وتقف بالباب، حكمة ورحمة، فيسيطر على القلب انقباض يدفع لحث السير، واتهام النفس، وانكسارها بين يدي مولاها، فتظلم الدنيا في أعين بعض العباد، ولا يرتاح لهم بال أو يقرّ لهم قرار، حتى تنزاح تلك الحال، بطمأنينة يسبغها المولى عليهم بدوام ذكره، وإظهار فضله، فيمتزج آنئذ الخوف والفرح، ويتآلف الحب والوجل، وتلك هي الخشية..
فانظر رحمني الله وإياك، إلى تنوّع السبل إليه، وتعدد الأسباب الممدودة من رحمته، واختلاف الروافد بقدر اختلاف الطباع وأحوال النفوس وخصائص القلوب والأرواح.

ليس هذا حصر لفضل الله سبحانه ومحاولة لعدّه، حاشا وكلّا، بل هو مجرد بسط لبعض التأمل، وأستغفر الله من كل اجتراء..
اللهم تُب علينا لنتوب.