نتابع تتمة موضوع:

“المجموع والكليات المنهاجية”

للأستاذ محمد العربي الطبلة رحمه الله.

بعدما افتتح بمدخل عام وحدد الدلالات اللغوية والاصطلاحية والإجرائية، وعلم المنهاج النبوي والمرجعية المنهاجية، والأصول المنهجية الخمسة.

*إن مجموع الأصول المنهاجية يمثل الجماعة والمنهاج مجتمعين، ولكل أصل فيها مجموعه الذي هو واجب التحصيل والكسب والتحلي به، لكن أية منهجية يطرح المنهاج لتحصيل مجموع المنهاج؟ وأي مجموع نقصد؟

*خامسا: منهجية المنهاج

هل لنا حاجة للحديث عن المنهجية، ونحن نتحدث عن النقل الذي هو وحي وحقيقة مطلقة متعالية المصدر؟

يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله:

”المنهاج علم متحرر من حيث هو علم موحى به، ومن حيث هو نداء من لدن رب العالمين، من كل ثقل أرضي اجتماعي أو إثني أو تاريخي أو اقتصادي. لكن المنهاج من حيث هو عمل، من حيث هو استجابة لداعي الله تعالى وتقدس، إنما هو عبور شاق، صعود مجهد، اقتحام لكل العقبات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والجغرافية. “ 1

المنهاج بما هو عمل بشري خاضع لقدر الله تعالى في الكون والإنسان، يحتاج إلى اكتشاف ومعرفة وتجريب وتأكد لامتلاك العلم، ثم بسطه وشرحه للغير بوضوح ومعالجة وتحليل واستدلال. يقول الحبيب المجدد رحمه الله في هذا الصدد:

”حاجة العقل المعاصر إلى وضوح مبادئ العمل، وإلى ترتيب، وإلى معرفة «منهجية»، وإلى تجربة علمية، وإلى التأكد العلمي من صحة المقترحات وصلاحية نتائجها خصلة إيجابية تهيء المحل للحوار الناقد النزيــــــه الحريـــــص فقط على معرفة الحق.

والإسلام تلك بغيته: أن يتفتح عقل المخاطب لاستيعاب ما عندك وعرضه على محك التجربة، لا يكابر في الحق.” 2

لابد من التفريق علميا ومنهجيا ومرجعية بين المنهاج وباقي المناهج خاصة منها العلمية والإنسانية، وذلك من حيث موضوعه ونتائجه، وبهذا يكون المنهاج علم مستقل جديد، يقول الإمام المجدد رحمه الله:

”وفرق بين المنهاج وبين «المنهجية العلمية» من كون المنهجية العلمية موضوعها الكون ونتائج ملاحظتها وتجربتها وافتراضاتها قوانين تحكم الكون وحركته، بينما المنهاج موضوعه الإنسان، ومصير الإنسان في الدنيا والآخرة. والكون وأسراره ونواميسه تابع للإنسان، لا يستغني الإنسان عنه لأنه مجاله الحيوي ومصدر معاشه وعماد بقائه وقوته. ويجتمع المنهج العلمي والمنهاج النبوي في أن عملية ذاك تعطي نتائج كونية وفي أن هذا يعطي نتائج إنسانية.” 3

* بعد معرفتنا لمنهجية المنهاج والتي تهدف بالأساس إلى بلوغ الإنسان وكماله الايماني والعلمي والخلقي، وذلك باستعمال آليات الاقتحام والتجديد والتربية والتنظيم والتخليق والتي أطلقنا عليها الأصول المنهاجية، سنحاول أن نكتشف مفهوما منهاجيا آخر لنفكك به مفهوم “المجموع” والذي هو موضوعنا اليوم.

* جاء عند الإمام المجدد رحمه الله في معرض نظره في أصول الفقه مع جهابذته من أمثال الشاطبي وغيره، الحديث عن الطلب و“صيغ مطلبية” عند التعبير عن مقاصد الشريعة وإنزال الأوامر الإلهية في واقع الناس المعيش.

طالع أيضا  حصادُ السِّنين.. في التجربة السِّجنية للإمام -5-

* ونحن في معرض حديثنا هذا سوف نستعير الصيغة المطلبية كمفهوم منهاجي لنستقرئ به المنهاج ونبحث عن المجموع، فنتساءل ماذا يطلب منا المنهاج؟

* جاء عند الإمام المجدد رحمه الله في كتاب “نظرات في الفقه والتاريخ”، ص 55 كلام عن صياغة أئمتنا لمفهوم ”المحافظة” لأنهم كان لهم ما يحافظون عليه: من دولة واستقلال وكرامة وعزة، بها يُؤَمِّنُون وجودهم ودينهم، أما نحن فلم يعد لنا شيء من هذا، فيقول:

* “لذلك فجدير بنا أن نعبر عن مقاصد الشريعة في صيغ مطلبية لا حفاظية، فنقول: مطالب الشريعة هي كذا وكذا. وجدير بنا ونحن نخطط لإنزال أحكام الشرع منازل الشرف والعزة وننظر إلى الأمر الإلهي من زاوية الطلب لا من زاوية الحفظ، أن نذكر الوسائل التربوية والعلمية والمادية الجهادية القادرة على تحقيق مطالب الشرع. وأن نبحث عن الكيان الجماعي المكلف بالنهوض إلى هذه المطالب، وعن طريقه وأولويات ما يطلب، وعن العراقل في وجهه، وعن العالميات الجاهلية التي تتحدى عالمية الإسلام وتنازعه في بقائه، وعن مراحل الطلب وثقل الحمولة وسرعة الزمان ”

سادسا: الكليات الضروريات المنهاجية؟

* ماذا يطلب منا المنهاج؟

* للمنهاج مطالب ضرورية يؤسس مجموعها: المجموع الذي يطلبه المنهاج منا حتى نكون أهلا لحمله ونشره. تجتمع هذه الضروريات في خمسة مطالب، هي:

الإنسان.

العلم.

الواقع.

الأهداف الدنيوية والغاية الأخروية.

العمل.

جاء في كتاب “مقدمات في المنهاج” ، فصل “مطالب المنهاج”، ص 39:

”يطلب المنهاج العلم لينحُوَ به المنحى العلمي الإجرائي، ويطلب الإنسان ليوضح له الطريق ويحفزه للعمل، ويطلب العمل ليبرمجه ويمرحله، ويطلب الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العالم وفي الأمة ليخطط مرامي العمل ومفاصله، ويطلب الأهداف الدنيوية والغاية الأخروية ليضعها على خط واحد لا تتناقض ولا تتنافر، ويطلب المجموع لينسق الجهود ويوجهها”.

لا بد من جامع تلتحم فيه وبه مفاصل كل هذه المطالب وتغدو شعبا في واد الإيمان، ولا يتأتى هذا إلا بخيط رفيع جامع هو الجهاد والسلوك الجهادي الجماعي المنهاجي.

يقول الإمام المجدد رحمه الله في مجلة “الجماعة” العدد 10:

“.. ولا سبيل للتشمير الجهادي ودماءُ الأمة تسيل في الحروب الطائفية القومية وأموالُها تسيل إلى صناديق الصهيونية العالمية في المصارف، وأدْمِغتُها تسيل إلى معاهد البحث والعلم والصناعة في بلاد الجاهلية تغذيها. وهنا يلتحم جهاد البناء المطلوب، بجهاد التوحيد المرجو، بجهاد التحرير الضروري، بجهاد التربية والتنظيم الأساسي. تلتقي الضرورات على مطلب شمولي هو التغيير الجذري لأسس الفتنة ودَعائِمِها، وكلِّ جَوانِبِها..” 4

طالع أيضا  فضائل الصلاة على النبي

سابعا: المطالب الجزئية المنهاجية

بعد المطالب الضرورية الكلية اللازمة والملزمة، تأتي مطالب جزئية مكملة تشرح الأولى وتفصل فيها وهي:

مقترح واضح للعمل

ضرورة توعية الأمة بالمرحلة التاريخية

ضرورة الإقلاع عن نفاق الأمة ومصارحتها

ضرورة كشف المصالح العالمية الاستكبارية، والمصالح الطبقية بين ظهرانينا

ضرورة لمِّ الطاقات الشعورية والعلمية للأمة وإعادة توجيهها

إثارة القوة الغضبية للأمة على الظلم والظالمين، والتحكم فيها وتهذيبها وتربيتها

توعية الأمة بذاتها الضائعة، بانتمائها لله عز وجل ولرسوله

إيقاظ الإيمان الراقد، وتحريك الغيرة الراكدة، لتعود السنة النبوية أخلاقا سائدة وعملا يوميا.

إنقاذ الأمة من كابوس الحتميات التي أنهكت تاريخنا وجعلتنا كمّاً مهملا مفعولا به غير فاعل.

إنقاذ الأمة من دعوات «الحتمية التاريخية» المادية وذهنية الانصياع للقوة الغالبة

جذب الأمة بالحكمة والإنجازات العملية، والمشاركة في هموم الخبز والعمل والصحة والأمن، لتتجمع.

بإجمال، فإن إيقاظ طاقات الأمة وتوجيهها وجهة تخدم الإسلام مطلب أساسي.

يقول الحبيب المجدد رحمه الله، في الـ ”مقدمات” ص 39 – 42:

”فإن جمع الطاقة المعنوية للأمة وتوجيهها في المعركة وتحزيبها للّه ورسوله ليكون استعمالها للحد الأدنى الذي معها من القوة المادية استعمالاً رشيداً موفقاً منصوراً مطلب أساسي للمنهاج”. وعلى هذا الدّرب، درب الجهاد، تتجلى المطالب الجزئية التالية:

1 – ضرورة أن نقدم للأمة مقترحا واضحا للعمل، مضبوط الخطة، واضح المعالم، يخاطب شعور الأمة ويوقظ وعيها. مقترحاً عماده: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم

2 – ضرورة توعية الأمة بالمرحلة التاريخية التي تعيشها وأسباب ما بنا من ويلات. وصف الداء بتفصيل، بشجاعة، بصراحة، ليقبل المريض الدواء ويصبر على مرارته.

3 – ضرورة الإقلاع عن نفاق الأمة كما يفعل حكام الجبر حين يبررون الواقع الحالي ويخدرون حس الأمة: «كل شيء بخير فناموا ولا تستيقظوا».

4 – ضرورة كشف المصالح العالمية الاستكبارية، والمصالح الطبقية بين ظهرانينا لتعرف الأمة من أعداؤها، وضرورة كشف مصالح الأمة ولِمَ ضاعت وكيف استرجاعها.

5 – ضرورة لمِّ الطاقات الشعورية والعلمية للأمة وإعادة توجيهها بعد نزعها من قبضة التيارات الحزبية من غيرنا ومن قبضة الخمول الموروث.

6 – إثارة القوة الغضبية للأمة على الظلم والظالمين، لكن التحكم في تلك القوة وتهذيبها وتربيتها حتى تكون غضبا للّه عز وجل صالحة للبناء لا للهدم الفوضوي.

7 – توعية الأمة بذاتها الضائعة، بانتمائها لله عز وجل ولرسوله، بوحدتها المسلوبة، بواجبها في التحزب للّه ولرسوله.

8 – إيقاظ الإيمان الراقد، وتحريك الغيرة الراكدة، لتعود تعاليم الدين أمرا مطاعا معمولا به، ولتعود السنة النبوية أخلاقا سائدة وعملا يوميا.

طالع أيضا  فلسطين: الجرح النازف والأمل الآزف

9 – إنقاذ الأمة من كابوس الحتميات التي أنهكت تاريخنا وجعلتنا كمّاً مهملا مفعولا به غير فاعل. إنقاذ الأمة من الجبرية عقيدة وعملا، وتوعيتها بأن لها إرادة وبأن هذه الإرادة الحرة، المجعولة المخلوقة، لكن الحرة في اعتبار التكليف الشرعي، يمكن أن تصنع تاريخا جديدا عزيزا.

10 – إنقاذ الأمة من دعوات «الحتمية التاريخية» المادية وذهنية الانصياع للقوة الغالبة، ذهنية التابع الذيل.

11 – جذب الأمة بالحكمة والإنجازات العملية، والمشاركة في هموم الخبز والعمل والصحة والأمن، لتتجمع الأمة حول قواتها المجندة، لتكون الأمة نصيراً لحزب اللّه، درعا له، حصنا له، قوة به وله. وإن انتزاع إمامة الأمة من يد غيرنا لمطلب حاسم.

12 – بإجمال، فإن إيقاظ طاقات الأمة وتوجيهها وجهة تخدم الإسلام مطلب أساسي. تبعثرت طاقات الأمة إما بانصراف لمتعة ولعب، وإما بانصراف لكدّ وبؤس، وإما بتبرير قعودنا عندما نوسع الواقع المكروه لعنا على الموائد وفي الخلوات. شباب طاقاته مهدرة، طبقات لها باع أو ذراع أو أُفحوصة قطاة في الدولة فهي تنهب وتدمر، سواد الأمة في فقر وبؤس يعاني الأمَرين.

مطلب المنهاج تجميع هذه الطاقات بردها إلى أصلها الأصيل، إلى جذور الأمة الدينية.

هل يمكن هذا دون حرب طبقية؟

هل تتحزب للّه عز وجل طائفة دون طائفة وطبقة دون طبقة؟

هل تكون إستراتيجيتنا التأثير على الحكم أو أخذ مقاليد الحكم؟

إصلاحية أم ثورية؟ محافظة أو تقدمية؟

معتدلة أو جذرية؟

يمينا أو يسارا؟

أية أحلاف وأية قبلة؟

التجديد المنهاجي

ثامنا: خلاصات

المجموع مفهوم منهاجي متعدد الوظائف شامل وعميق.

المجموع يشمل التربية والخصال والإنسان والعلم والواقع والأهداف والغاية والعمل بكل هذا ولأجله تحقيقا لمطالب المنهاج…

المجموع توازن وتكامل في السلوك المنهاجي.

لا منهاج ولا جماعة بدون مجموع.

لا مجموع بدون اقتحام وتجديد وتربية وتنظيم وخصال.

الجماعة المتجددة في ذاتها والمجددة لغيرها، هي مفتاح كل تغيير يرجى.

الموعد الله، لا إله إلا الله، محمد رسول الله.


[1] (مقدمات في المنهاج ” كلمة منهاج ” ص 26 – 27 ).
[2] (مقدمات في المنهاج ” كلمة منهاج ” ص 23 – 24 )
[3] (” مقدمات في المنهاج ” كلمة منهاج ” ص 25)
[4] (”المنهاج النبوي“ القسم 3 – ص 104)