17.  تعلمت أن الاسم مشتق من السموّ أو من السّمة على الخلاف، وَاسْمُ الشيءِ وسَمُه وسِمُه وسُمُه وسَماهُ: علامَتُه؛ واسم العبد ما وسمه الله تعالى به في سابق عنايته من شقاوة وسعادة، فمن قربه في سابق مشيئته، فقد سما قدرُه بين بريته، كما قال الإمام القشيري رحمه الله. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى قَوْلِنَا اسمٌ هُوَ مُشْتَق مِنَ السُّموِّ وَهُوَ الرِّفْعَة، والاسمُ مُشْتَقٌّ مِنْ سَموْتُ لأَنه تَنْويهٌ ورِفْعَةٌ، علمتني الأسماء أن أطلب معالي الأمور لا سفسافها، وأن أعلم نفسي التحليق لتكره الإسفاف، وأن أعرفها العزّ لتكره الذل، وأن أذيقها اللذات الروحية العظيمة كي تحقر اللذات الحسية الصغيرة، والإنجازات إنما يحققها على أرض الواقع صاحب همة ورفعة وسمو، جاد ملدوغ متحرق، واسع العلم دقيق الفراسة، صاحب سياسة وكياسة، صافي القلب، صاحب عزم وحزم وحسم، بريء من الارتجالية والعفوية وسرعة الجزم، يحوطه وقار وهيبة، يُنَفذ بنفس منفتحة وروح طموحة، وقلب واسع ثابت واسع نقي، وخُطّة محكمة متقنة، والإنجازات الكبيرة العظيمة تنطلق من إنجاز روحي، ومن مذهب استعلاء وسمو، وسويعات تفكر قرب محراب، وذكر وإخباث، والعزمات تقود النهضات.

18.  تعلمت أن الاسم أَلفُه أَلفُ وصلٍ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: هذا اسمٌ مَوْصُولٌ وَهَذَا أُسْمٌ، لمن هو منقطع، والوصل قرب، وأقربُ ما يكون العبد لربه وهو ساجد؛ ولا أقربَ أقربُ من قرب السجود، ولا دعاء إلا في القرب من الله، والدعاء صلة وقرب، وأنت يا مسكين ما اسمك في الملأ الأعلى؟ ولإقبال رحمه الله:

نائح و الليل ساج سادل

يهجع الناس و دمعي هاطل

أنا كالشمع دموعي غسلي

في ظلام الليل أذكى شعلي

محفل الناس بنوري يشرق

أنشر النور و نفسي أحرق

19.  تعلمت أن الاسم ألفه ألف وصل؛ والوَصْل: ضد الهجران. والتَّواصُل: ضد التَّصارُم. وفي الحديث: مَن أَراد أَن يَطول عُمْره فَلْيَصِلْ رَحِمَه، قال ابن الأَثير: وهي كِناية عن الإِحسان إِلى الأَقرَبين من ذوي النسَب والأَصْهار والعَطف عليهم والرِّفْق بهم والرِّعاية لأحوالهم وكذلك إِن بَعُدُوا أَو أَساؤوا، وقَطْع الرَّحِم ضدُّ ذلك كلِّه. والوصل صلة أهل ود أبيك بعد موته، فذلك من أبر البر، وفي الحديث: “إنّ من أبر البرّ أن يصلَ الرجلُ أهل ودّ أبيه” والتودد إلى الخلق والإحسان إليهم وخدمتهم، والسعي في قضاء حوائجهم قرب.

طالع أيضا  أنت صانعة الرجال..

20. تعلمت أن الاسم في الأصل حرفان سين وميم. فالسين من السناء، والسناء الضياء، والسناء منارة تنتصب في عزة وشموخ وكبرياء، وكل ذلك انتقال من الفراغ إلى الامتلاء ومن البطالة إلى الإنتاج ومن الإفلاس إلى الملكية، ومن القعود إلى النهوض، ومن المتاهة إلى الوجهة، والمهمة عدل وإحسان وعمران، لأن المومن سر الكون وسناؤه إذا أمر بالمعروف، وكلما سجد هُدي إلى مزيد ثقة وعزة وشموخ وتمكين واستعلاء، فيكسر الطوق ويرفع الحصار، ويجلجل الجو بالآذان، ويمضي على بيّنة ليضيف لمسة وضياء ويمنح الكون معنى وانتماء وامتلاء، ويستمتع بمنظر شروق الطموح، ليتوغل في عرصات العمل على بيّنة ومنهاج ووضوح. وفي الحديث: بَشِّرْ أُمَّتي بالسَّناء أَي بارتفاع المنزلة والقدر عند الله. وقد سَنِيَ يَسْنَى سَناءً أَي ارتفَع؛ والميم من المجد. والمجد لب الشيء ومكنونه، ويترجم لك ويكشف عن مكنون ذلك الشيء، فهو ابتلاء، والمَجْدُ: المُرُوءةُ والسخاءُ. والمَجْدُ: الكرمُ والشرفُ. والمجد نَيْل الشرف، وقيل: لا يكون إِلا بالآباءِ، وقيل: المَجْدُ كَرَمُ الآباء خاصة، والدعوة مجد وإرث، فأنت وارث ولآخرتك حارث، فشمِّر وتناول إرثك من الحُكْم والحِكَم والتجارب وأصول التعامل، واقتفي خطوات آبائك ممن سبقوك بالإيمان والعمل، لتصنع المجد، وترفع راية الأمل وترقى إلى القمم، فلا بد من صيحة تصمت لها الضوضاء، ولا بد من شجاع مقتحم، يقول ها أنذا ويقتفي الأثر، ويتاح لمن معه أن يبرهن على صدق وعمل، فالمَجْدُ الأَخذ من الشرف والسُّؤدَد ما يكفي؛ وقد مَجَدَ يَمْجُدُ مَجْداً، فهو ماجد ومَجيد ومُجيد، فخذ لك منه بنصيب لا بعجل حنيد.

فَحَيَّهَلًا إِنْ كُنْتَ ذَا هِمَّةٍ فَقَدْ*** حَدَا بِكَ حَادِي الشَّوْقِ فَاطْوِ الْمَرَاحِلَا

وَلَا تَنْتَـــظِرْ بِالسّـــَيْرِ رُفْقَةَ قَاعِدٍ*** وَدَعْهُ فَإِنَّ الشّـــَوْقَ يَكْفِيكَ حَامِلَا

وَخــــُذْ قَبَسًــا مِنْ نُورِهِمْ ثُمَّ سِرْ بِهِ*** فَنُورُهُمْ يَهْدِيكَ لَيْسَ الْمَشَاعِلَا

طالع أيضا  التجربة الإخوانية: من أجل مقاربة منصفة

(يتبع)