بقلم: هشام شولادي

لقد شاءت الأقدار أن تنطلق في وطننا العربي انتفاضة شعبية مباركة هبت نسائمها من تونس الحبيبة، وأرخت بظلالها على العديد من دول المنطقة التي تتقاسم في سنة كونية مطردة مظاهر الفساد السياسي الاقتصادي والاجتماعي، ولم يكن المغرب بمعزل عن هذه النسائم، وهو المرشح الأكثر من غيره بالنظر للأعطاب التي تلاحقه في جميع المجالات والأصعدة.

ومعها انطلقت حركة 20 فبراير، ودشنت بداية مرحلة حساسة من تاريخ المغرب الذي يتابع أخبار جيرانه الذين بدأت تتهاوى أنظمتهم بين فار وملاحق ومسجون.

لقد استطاعت الحركة أن تعبأ على طول خريطة الوطن المواطنين والمواطنات الطامحين لغد الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.

وجعلت شعارها الخالد أساسا لمسيراتها ولافتاتها: الشعب يريد إسقاط الاستبداد. ومما يحسب للحركة أنها استطاعت أن تدمج بين جنباتها تيارات سياسية مختلفة ومتناقضة في تصوراتها، وحّدها النفس النضالي المشترك والغضب على الظلم والاستبداد.

ولا يمكن البتة القفز على إنجازات الحركة إذ يمكن القول أن جميع المبادرات السياسية الالتفافية التي أقدم عليها المخزن لم تكن لتتحقق لولا وجود حركة 20 فبراير، بداية بالدستور الممنوح والانتخابات السابقة لأوانها وإطلاق سراح العديد من المعتقلين السياسيين…

كما يحسب لشباب الحركة قدرتهم على التفاعل ومواصلة الاحتجاج لمدة غير يسيرة تتطلب نفسا طويلا وإرادة حقيقية. دينامية متواصلة استطاعت أن تكسر حاجز الخوف الذي ما فتئ المخزن يرصه رصا في نفوس أبناء الوطن.

ولكنه ومع توالي الشهور وتراكم الملاحظات أصبح من الضروري أن تقف الحركة وقفة تأمل وتدبر لمسارها. وقد شكل انسحاب جماعة العدل والإحسان مؤشرا حقيقيا على ضرورة التقويم والتقييم، خصوصا وأن أطرافا من داخل الحركة لم تفصل بين الحركة وأرضيتها المشتركة وبين التصورات الفكرية والمنطلقات الإيديولجية، التي أضحت في وقت من الأوقات سيفا مسلطا على رقاب البعض. كما أن الاستجابة الشعبية لم ترق إلى الأفق المطلوب، ناهيك عن قدرة المخزن على تجنيد آليته الإعلامية وترسانته القمعية للتصدي للحركة.

طالع أيضا  الشعب المغربي يواصل احتجاجه رفضا للتطبيع.. في المحمدية وطنجة والعرائش هذه المرّة

إلا أن السؤال الملح، هل حركة 20 فبراير هي الإطار الوحيد الذي يجسد دينامية الحراك المغربي في مواجهة الفساد والاستبداد؟ أكيد أن الجواب سيكون بالنفي لأن الحركة في حد ذاتها ما هي إلا وسيلة قد تنجح في أداء وظيفتها وقد تفشل إما لظروف ذاتية أو وضوعية.

أكيد أننا في مرحلة حساسة من تاريخ هذا البلد أكدت فيه التجارب المخبرية أن المخزن هو المهيمن والمسيطر على القرار السياسي والاقتصادي، وتجربة العدالة والتنمية وما آلت إليه خلال الولايتين الماضيتين من التسيير الحكومي أكدت بالملموس أن دار لقمان لا زالت على حالها.

هذه المرحلة تستوجب حوارا وطنيا هادئا ورزينا وغير مشروط أبدا بين جميع الفاعلين السياسيين الطامحين لإسقاط الفساد ومناهضة الاستبداد والتواقين لبناء دولة ديمقراطية لا تضيق ذرعا بمن عارضها.

والمتأمل اليوم لتجربة الحكومة الحالية التي اختمت ولايتها بتطبيع مهين مع كيان مغتصب، سيقف ولا شك في ذلك على عمق الاختلالات البنيوية التي تطبع المشهد السياسي المغربي الذي ما يزال المخزن العتيق بآلياته المختلفة يشكل اللاعب الوحيد والأوحد المتحكم في زمام الأمور. وما الاعتقالات المتتالية في صفوف النشطاء الحقوقيين والصحفيين، وتحكيم المقاربة الأمنية في ملامسة المطالب الشعبية، وتفاقم الأزمة الاقتصادية وازدياد الغضب الشعبي إلا مؤشرات على فشل تلك الأطروحة. 

وفي الختام لا يمكن لنا إلا أن نقف وقفة إجلال وإكبار لجميع المناضلين والمناضلات داخل الحركة وخارجها الذين يقتسمون همّ حب الوطن والغيرة عليه.