قال الناشط السياسي والحقوقي خالد البكاري بأن السياق الذي يأتي فيه تخليد ذكرى 20 فبراير هذه السنة “مطبوع بتراجعات حقوقية كبيرة، مطبوع بنوع من الاحتباس في الفضاء السياسي”، مشيرا إلى أن الدولة المغربية استغلت أزمة كورونا من أجل أن تتم ما بدأته من تغول للسلطوية ومن أمننة لكل المجالات، بما فيها حتى المجال السياسي والفضاءات العامة.

أما سياق ظهور حركة 20 فبراير فقد كان سياقاً إقليميا أكثر مما كان سياقاً محلياً، يشير البكاري، كانت عندها مطالب سياسية، وجواب الدولة كان جواباً إلتفافياً، حاول تجاوز المرحلة بأقل الخسائر، لذلك كان الجواب عبر تعديلات دستورية، ثم عبر انتخابات سابقة لأوانها، التي أوصلت فريقاً من الإسلاميين لأول مرة إلى الحكومة.

ولفت، أثناء مداخلته في الندوة الحوارية التي نظمتها شبيبة العدل والإحسان تحت عنوان: “عشر سنوات على حركة 20 فبراير.. قراءة في المكتسبات والمآلات” مساء يوم الجمعة 19 فبراير 2021، إلى “أننا نعيد نفس التجارب في هذا الوطن، ففي الوقت الذي تكون فيه انفراجات كبرى، سواء في 1975 في بداية الحديث عن المسلسل الديمقراطي والإجماع الوطني، وعرفها كذلك في بداية التسعينات. لكن السؤال الذي دائما ما يطرح هو غياب الضمانات، بمعنى لا نملك ضمانات لكي لا نعود للوراء”. ليشير إلى أن الحركة الديمقراطية وكل من لهم مصلحة في التغيير ضغطوا على ورقة الضمانات، لهذا كلما تجاوز النظام في المغرب أزمة أو وضعية صعبة سرعان ما يعود للوراء.

ونبه إلى أن “السياق الإقليمي الذي كان ضاغطا لم يعد كذلك، وفي نهاية المطاف نجحت الثورات المضادة في مجموعة من الدول الإقليمية القريبة منا، وللأسف مجموعة من البلدان الأخرى ذهبت في سياق صراعات دينية ومذهبية والاقتتال المحلي، ما دفع الناس لطرح سؤال الاستقرار أكثر من سؤال الديمقراطية والحريات”. وبدوره لم يعد السياق العالمي ضاغطا بورقة حقوق الإنسان واتجاه الحريات، حتى أن بعض البلدان صعدت فيها مجموعة من أنظمة الحكم السلطوية، وصار هذا النموذج مغرياً حتى في بعض البلدان الديمقراطية، وهذا ما ساعد الدولة في نهاية المطاف لاسترجاع المبادرة.

طالع أيضا  ذ. عبادي: الملكية والحكومة يتحملان مسؤولية قرار التطبيع.. ونقترح تغييرا جوهريا هذه ركائز ميثاقه

في المقابل الإسلاميين الذين وصلوا للحكومة لم يكن همهم الأساسي الضغط من داخل المؤسسة الحكومية من أجل توسيع فضاء الحريات والديمقراطية، بل كان رهانهم كسب ثقة العرش والجالس عليه. وبالتالي كان إسهامهم في إعاقة التقدم في مسار التحول نحو الديمقراطية كبيراً. يوضح الناشط الحقوقي.

وفي الوقت الذي أشار إلى مكتسبات نسبية تحققت حينها لكن تم التراجع عنه، نوه إلى أن “المكتسب الأكبر لـ 20 فبراير لم يكن ما انتزعناه من الدولة ثم استرجعته فيما بعد، بل كان صناعة زلزال له ارتدادات، وهذه الارتدادات هي التي رأينها في الريف وفي جرادة وزاكورة، ورأيناها كذلك في مجموعة من الاحتجاجات ذات الطابع القطاعي والفئوي، وكذلك في مجموعة من الحركات الفنية، وفي الجرأة التي امتلكها كثير من النشطاء والفاعلين، بمعنى أن جدار الخوف تكسّر”.

وجوابا عن سؤل إلى أي مدى روح حركة 20 فبراير حاضرة؟ رأى خالد البكاري بأن روح 20 فبراير حاضر في مختلف الاحتجاجات اليوم، لكن المتغير أن المطلب الغالب إبان 20 فبراير هو المطلب السياسي الذي كان حاضراً بقوة من خلال الشعار المركزي وهو إسقاط الفساد والاستبداد، وكذلك من خلال مطلب الدستور الديمقراطي وتحرير الإعلام إلى غير ذلك، في حين أن الحركات ذات الطابع المجالي سنجد بأن عمقها هو عمق اجتماعي في أحد تمظهراته، وهوياتي في أحد التمظهرات الأخرى، لكن السؤال السياسي يبقى حاضرا وثاويا ومختبئا رغم أن هذه الاحتجاجات كلها ذات طابع الاحتجاجات الاجتماعية.

والطابع المشترك الذي لاحظناه في الريف وفي جرادة وشعارات الألتراس في الملاعب وكذلك مجموعة من الحركات الفنية كان هو الرفض، يوضح. رفض السياسة كما تمارس في المغرب، ورفض للنخب السياسية التي لسنوات وهي تشتغل في الفضاء المؤسساتي، بما فيها كذلك ما يمكن أن نسميه بالمعارضة المؤسساتية، هناك رفض لما هو قائم ومعروض. 

طالع أيضا  ذة. الولوس: اللجنة مستمرة في الدفاع عن أعضاء الجماعة المشمعة بيوتهم

وفي خلفية ذلك، يزيد البكاري، هناك رفض للعرض السياسي والاجتماعي الذي تقدمه الدولة، هناك حالة انعدام الثقة، ولذلك أقول بأن الإشكال الذي كان في 20 فبراير هو إشكال موضوعي، لأنه لا يمكن أن نحمّل الحركة أكثر مما تحتمل، ولنأخذ تجربة إسبانيا أن هذه الحركات الاجتماعية التي بدأت شبيهة بما كان عندنا في المغرب تطورت واتخذت لها تعبيراً سياسيا، إما بنفحة إيديولوجية تخالف ما هو سائد وتطرح نفسها بديلاً لما هو قائم، كما حصل مثلا في أمريكا اللاتينية، في البرازيل أساساً وفي إسبانيا مع بوديموس، أو أنها لم تطرح نفسها كبديل ولكن بقت في نسق تجميع القوى الرافضة لما كان سائدا، كما وقع في اليونان. بينما الحركة الاحتجاجية في المغرب وتونس ومصر لم تنتج تعبيراً سياسياً حقيقياً قادراً على التفاوض، من أجل مطالبها.

الشباب فعلوا ما كان يجب أن يفعل، لكن كان هناك عطب في القنوات السياسية التي كانت تقول أنها تدعم حركة 20 فبراير، ولم تكن في مستوى اللحظة، في رأي خالد. لأن الطبيعي هو أن النظام سيناور، والطبيعي هو أن البيجيدي استغل الوضع لصالحه ومد الجسور مع النظام. ولكن الذين كانوا يدعمون 20 فبراير لم يستطيعوا أن يقوموا بما قام به الشباب، بمعنى إفرارز أداة تنظيمية تجمع كل هذه القوى لكي يفكروا في الطريقة الأمثل لمرافقة حركة 20 فبراير، والترافع من أجلها والتفاوض النبيل على مطالبها. لهذا بعدما تم تمرير الدستور والانتخابات بسلام، كانت الأمور آنذاك قد حسمت.

وعن استشرافه للمستقبل، قال البكاري إن المغرب ليس جزيرة معزولة عن العالم، واستغرب حديث بعض المدافعين عن السلطوية في المغرب عن الهدوء والطمأنينة التي يتحدثون بها، وحتى بعض المعارضين يتحدثون عن موجة قريبة قادمة.

طالع أيضا  ذ. مساعف: تشميع بيوت أعضاء الجماعة يعرف إدانة حقوقية واسعة

ولكن من كان يتوقع أن يخرج الناس في العراق ولبنان ضد الطائفية، أو أن يخرج الناس في الجزائر رغم كل ما عاشوه في العشرية السوداء،  الكل كان يقول أن من الصعب أن تكون هناك مغامرة الخروج إلى الشارع في الجزائر،  بمعنى لا يوجد هناك بلد محصّن ضد موجة الاحتجاجات. دائما في السياق الإقليمي إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه، فقد تنقلب الآية.