قال الصحفي والناشط رشيد البلغيتي إن “الجسد المادي لحركة 20 فبراير قد تلاشى، والذي بقي منها هو الروح“. هذه الروح سكنت عددا من المبادرات وعددا من الديناميات. وأضاف بأن “هذه الروح يستحيل أن تغادر هذا البلد إلا بمغادرته لمربع الاستبداد والسلطوية“.

مداخلة البلغيتي جاءت ضمن حديثه، إلى جانب ضيوف آخرين، في الندوة الحوارية التي نظمتها شبيبة العدل والإحسان تحت عنوان: “عشر سنوات على حركة 20 فبراير.. قراءة في المكتسبات والمآلات” مساء يوم الجمعة 19 فبراير 2021، والتي بثتها قناة الشاهد وصفحة الشبيبة البديلة بعد حظر موقع فيسبوك للصفحة الأصلية.

وصف البلغيتي ما تحقق بعد عشر سنوات من حراك 20 فبراير مستشهداً بأنه “تغير كل شيء حتى لا يتغير شيء“، وذلك من أجل المحافظة على امتيازات النظام، فلا بأس من تحالف لحظي مع النخب الصاعدة إلى أن تعود الأمور إلى سابق عهدها.

وأضاف المتحدث أننا “نعيش اليوم أوضاعاً اجتماعية صعبة، زادتها جائحة كورونا، وربما كانت هذه الأوضاع أشد حدةً عمّا كنا نعيشه قبل 20 فبراير، ثم المحاكمات ذات الطبيعة السياسية والاعتقال السياسي، فقد عدنا إلى المحاكمات ونفس القضايا التي كان يعيشها المغرب قبل سنة 1993، أيضاً نحن أمام حياة اقتصادية تغيب عنها التنافسية، يعتبر الريع مظهرا من مظاهرها، وحكام وأعضاء حكومات ومدراء عموميون خارج المحاسبة. كل هذا يعني أننا أمام وضعية شبيهة بما كنا نعيشه لسنوات“.

ومجيباً عن سؤال هل كان هذا خطأ أبناء عشرين فبراير وبناتها، قال: أبداً، حركة 20 فبراير ومن شارك فيها من عموم بنات وأبناء الشعب المغربي، قاموا بما كان يجب أن يقوموا به، خرجوا رافعين شعار التغيير السياسي، وشعار التغيير الاقتصادي والاجتماعي، من خلال حركة مدنية سلمية، تعتمد الشعارات والبيانات واللافتات والاجتماعات، والاشتغال السلمي والديمقراطي، واستعمال الشارع كأداة من أدوات التدافع الديمقراطي، من أجل الوصول إلى مغرب أفضل.

وذكر المتحدث أن من حسنات الحركة: أنها أولاً كانت أوسع قاعدة لتجميع فاعلين وفاعلات من تيارات وحساسيات فكرية وإيديولوجية لم يسبق لهم أن ائتلفوا في حركة في تاريخ المغرب الحديث. وثانيا أنها جمعت بين أفراد مستقلين وجمعيات ونقابات وأحزاب في الوقت التي كانت التجمعات الكلاسيكية تجمع شبكات نقابية أو شبكات حزبية أو شبكات جمعوية، بينما اجتمع في هذه الحركة ما لم يجتمع قبل. وثالثا أثبتت الحركة أن للشعب المغربي ذاكرة ممتدة عبر الزمن، بمعنى أن مطلب الديمقراطية الذي رفعته تنظيمات هي بالأساس سياسية في بداية الستينات هو نفس مطلب الديمقراطية الذي لا يسقط بالتقادم ورفعته الحركة، وأن المطلب الاجتماعي والاقتصادي الذي عبرت عنه الحركة النقابية خاصة في السبعينات والثمانينات في المغرب، من جديد رفعته حركة 20 فبراير، وقالت أن هذا المطلب الاقتصادي والاجتماعي هو مطلب ذو راهنية ولا يسقط بالتقادم أيضاً.

طالع أيضا  تجليات إحسانية (1)

وأبانت الحركة أن كل الحديث عن الاستثناء المغربي لا يستند إلى واقع، فالمغرب ليس ذاتا تنظر إلى العالم من شرفة مفصولة عن العالمين ومفصولة عن سياق إقليمي، فحينما عطست تونس شمتها المغاربة. بمعنى أن المغرب لا يشكل أي استثناء، قاعدته شابة، وبه أزمة حكم وحكامة، فيه فقر وبالتالي أي شيء يقع في المنطقة فهو عامل مشجع للمغاربة لينزلوا للمطالبة بحقوقهم من جديد، ويبحثوا عن الأدوات الممكنة من أجل تحقيق تلك المطالب العادلة. والمغرب جزء من جغرافيا يهتز لما تهتز للمنطقة.

البلغيتي أكد أن الحركة كان لها أفضال كثيرة على المغرب، وما آلت إليه الأوضاع ليس بالضرورة مسؤوليتها. فالواقع أننا في بلد لديه خاصية فيزيائية تشبه الحديد، السلطة تتمدد كلما ارتفعت الحرارة، وتنكمش أو تتحول إلى جماد كلما انخفضت الحرارة. فلما انخفضت حرارة الشارع، انخفض معها منسوب الإصلاح.

الحركة أبانت أيضاً أن الخطاب الأخلاقاوي لبعض الحركات السياسية لا يعني بالضرورة أن هذه الحركات حاملة لمشروع إصلاحي أو مؤمنة بقيم الديمقراطية، والدليل هو حزب العدالة والتنمية الذي أصبح حليفا موضوعيا للجمود، وداعم للسلطوية ومنافح عنها، وشاهد زور في هذه المرحلة، وساكت كبير عن ظلم أكبر، يعاني منه المغاربة، ولم يسبق أن عاشوه لا مع الاتحاد الدستوري ولا مع الحركة الشعبية.

وعن ما آلت إليه الحركة نفسها، قال البلغيتي إنها روح تسري بيننا، فالجسد كان ماديا وموجوداً، كان هو الآلاف من الناس الذي يخرجون للشارع، والمئات من الناس التي تجتمع في قاعات وفي فضاءات عمومية، لتشكل بحضورها المادي أداة ووسيلة وضغطا لتحقيق ما تطالب به.

اليوم هذا الجسد المادي تلاشى، والذي بقي من حركة 20 فبراري هو الروح. هذه الروح سكنت عددا من المبادرات وعددا من الديناميات. فحينما نتحدث عن جرادة أو عن الريف، فإننا نسمع في الحركة الاحتجاجية شعارات هي شعارات حركة 20 فبراير وروح حركة 20 فبراير، كذلك في جرادة. عندما كنا نسمع أغاني جمهور عددا من الفرق الرياضية بالمغرب فنسمع فيها شعارات وروح 20 فبراير. وغيرها من الديناميات ذات الطبيعة الثقافية والفنية. هذه الروح يستحيل أن تغادر هذا البلد إلا بمغادرته لمربع الاستبداد والسلطوية.

طالع أيضا  السلطات المغربية تُعاكس إرادة الشعب وتقمع وقفة الرباط وتُصيب وتعتقل عددا من المشاركين

وعن نظرته للمستقبل اعتبر المتحدث أن الملاحظة تقول إنه “على رأس كل 3 سنوات نشهد محطة كبيرة لرفض الجمود، تختلف الأشكال، ولكن يبرز عدم الرضى مما يقع“. فإذا تابعنا العشر السنوات الماضية، من 2011 إلى 2013 كانت هناك حركة مدنية سياسية قوية موجودة بعدد من مدن المغرب، تراجعت الحركة وبدأت التمظهرات القديمة تعود للظهور. ثم جاءت 2016 رأينا الحدث الكبير والاستثنائي هو الريف، وتم التعامل معه من خلال إعطاء جواب أمني بدل جواب اقتصادي واجتماعي. وبعد عامين، شهدنا إغلاقاً تاماً للفضاء العمومي بالمغرب، عبر منع التنظيمات والجمعيات والتضييق عليها، فظهرت حركة المقاطعة، وإن كانت مقاطعة اقتصادية فإنها كانت في العمق تعبيرا سياسيا.

أما بخصوص المستقبل فنستطيع أن نضع فرضيات، يضيف الصحفي، لكن قبل ذلك لا بد من استحضار معطيات أساسية، أولها أن التنظيمات السياسية والنقابية والجمعوية التي لها حضور، عدديا أو رمزيا، هي منهكة تماماً، لأسباب ذاتية للمشاركين في الحكومات والمؤسسات أو بعض التنظيمات الشرعية التي ليس لها تمثيلية بالمؤسسات، فهم جميعا يعيشون حالة إنهاك وضعف، ولن يكونوا قادرين على قيادة حركة مجتمعية للضغط من أجل دخول المغرب إلى نادي الديمقراطية. سنكون في حالة وهم إن توقعنا غير ذلك.

المعطى الثاني هو أن النخب القادرة على إثراء النقاش العمومي والمساهمة فيه، وإنتاج الأفكار والحديث في الفضاءات العامة، غائبة أو مغيبة، مثل حالة نشطاء سياسين أو صحافيين أو مغنيي راب يعيشون حالة العزلة والتهميش بسبب تعبيرهم في مرحلة معينة عن رأيهم بوضوح وبحرية، مما دفع هذه النخب للغياب، جزء منها في السجن أو لأن جزءا منها خائف ولا يريد الحديث، لأنه يعتبر أن صدر السلطة قد ضاق، وأن كلامه سيكون ذا كلفة على كل المستويات المادية والنفسية والشخصية والأسرية.

طالع أيضا  كمال عماري.. حكاية شهيد فضح زيف شعارات العهد المخزني الجديد

ماذا تبقّى؟ تبقى فقط فئة من الناس، لم يكن من تربيتها ولا من مسارها ولا من معارفها أن تخرج للفضاء العام وتحمل ما تحمله النخب، لم يعرفوا هذا الأمر، لم يعيشوه، لأنهم على هامش المجتمع، يعانون من أزمة في السكن من أزمة في الدراسة والعمل، يجبرون في لحظة ما إلى للخروج إلى الشارع، بدون تأطير، وهنا تصير كل السيناريوهات مفتوحة على المجهول. المطمئن هو أنه تعبيرات هذه الفئات سلمي وحضاري جداً، وأخير دليل هو ما شهدته مدينة الفنيدق.

لن يتوقف هؤلاء فقط لأن الدولة اعتقلت وحاكمت بعضهم، يستحيل، لأن هؤلاء يريدون جوابا ذا طبيعة اجتماعية يمس جيبوهم، وبما أن الدولة في ظل كورونا وفي ظل وضعها المتأزم الاقتصادي والاجتماعي لا تستطيع تقديم غير الجواب الأمني، بدل التنموي والاقتصادي الذي يريد وقتا وشفافية وكفاءة. فالحل أمام المغرب هو إعطاء جواب حقوقي، لأن الجواب الحقوقي، لا يلزمه الوقت ولا الإعداد، بل تلزمه الإرادة فقط.

الذي يساعد عليه اليوم، أنه كانت هناك إدارة داعمة للتسلط في العالم واليوم غادرت، ولدينا إدارة جديدة ليس بها ملائكة ولكن أناس يريديون الحفاظ على حلفاء تقليديين في المنطقة، لكن لن يكونوا ضامنين وصامتين على كل الانجراف السلطوي الذي تعيشه أنظمة المنطقة، سيقال لهم من خلف الأبواب المغلقة لمصلحتكم ولمصلحة الشراكة بيننا “رخفوا شي شوية”.

المؤشرات على هذا هو أنه تم إفراج عن لجين الهذلول بالسعودية، والإفراج على صحفي الجزيرة بمصر، وحل البرلمان الجزائري والإفراج على 30 من نشطاء الجزائر، ولا أعتقد، حتى لو تضاربت الآراء داخل السلطة بالمغرب، بأننا سنكون بمعزل عن هذه التحولات والمؤشرات التي تعيشها المنطقة، لسبب بسيط هو أن هذه الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي زادت من حدتها كرونا، لن ينفع في مغرب اليوم أمام هذه النار المشتعلة تحت الهشيم إلا ماء حقوق الإنسان التي قد تكون قادرة على الإطفاء اللحظي لهذا اللهيب.