تحل الذكرى العاشرة لانطلاق حركة 20 فبراير، وعموم ثورات الربيع العربي، وتلقي بظلها على الشعار الذي تمثل مطالبها المركزية “الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية”. فما هي أبرز المضامين والدلالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لهذا الشعار، وكيف كان تعاطي السلطة مع الاحتجاجات؟

لقد استطاع حراك 20 فبراير أن يرفع شعارات جريئة في المغرب لامست ما هو سياسي واجتماعي واقتصادي وحقوقي، وترجم تهممات الشباب الذين كسروا جدار الخوف وفرضوا واقعا جديدا، وحققوا مكاسب كما أخفقوا في أخرى، لكن الحراك يبقى تجربة مليئة بالعبر ملهمة للشارع وفاعليه.

قراءة الشعار

“حرية، كرامة، عدالة اجتماعية” هكذا صدحت حناجر الملايين من أبناء الوطن العربي في حراك انطلقت شرارته قبل عشر سنوات في تونس لتتوسع في بقية الأقطار، وتتنفس الشعوب نسمة الأمل في تغيير أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تسببت فيها الأنظمة الحاكمة، المعششة في السلطة كرها.

ورغم أن الشعار المركزي لحركة 20 فبراير، المتمثل في ثلاثية الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية “مستنسخ من الشعار الذي رفع بتونس ومصر أولا مع تعديل همّ استبدال كلمة “عيش/خبز” بالحرية”، يقول خالد البكاري الناشط الحقوقي والسياسي، إلا أنه “اختزل الأسباب العميقة التي أدت إلى انتفاضة جزء من الشبيبة المغربية، في علاقتها بثلاثة عوامل”.

العامل الأول داخلي مرتبط بأجواء الأزمة الاجتماعية وانعكاسها على الشباب، والانحباس السياسي المتسم من جهة بإعاقة أي إمكانية لتحول ديموقراطي، ومن جهة بشيخوخة الأحزاب والهياكل المؤسساتية. والثاني يعزوه البكاري للعامل الإقليمي، الذي انعكس تعبيرا مغربيا عن حالة حراكية من أجل الديموقراطية، وإنهاء حقبة السلطويات في الدول العربية الإسلامية. بينما الثالث دولي “متمثل في تأثير ظهور وانتشار الشبكات الاجتماعية في الفضاءات الرقمية على سهولة التواصل والحوار والتشبيك”. وفق تصريح البكاري لموقع الجماعة.

رفعُ نشطاء حراك 20 فبراير شعارا ثلاثي الأبعاد “حرية كرامة عدالة اجتماعية “، عزاه محمد النويني إلى التردي الحقوقي والاجتماعي، والفشل التنموي، والتراجع الاقتصادي الذي كان عنوان المرحلة آنذاك وما يزال. مؤكدا أن النشطاء اعتبروا أن من مسببات هذا الفشل هو غياب إرادة حقيقية للإصلاح واستحكام منطق الحكم الشمولي الذي لم ينتج إلا البؤس والهشاشة والحرمان، وجددوا رفضهم لكل أشكال الفساد والاستبداد، الذي غرس مخالبه في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها.

طالع أيضا  التربية النبوية على رعاية مصالح الأمة

الدلالات السياسية للشعار

مع سقوط أول دكتاتور في تونس بفعل الحراك، انتعشت الآمال في تغيير الأنظمة السياسية، وبعد سقوط الثاني في مصر ترسخت فكرة التغيير الشامل في العالم العربي، وبدأت الأنظمة تحسب حسابها بين الخوف والتنازل، وبين المكر والعنف والالتفاف. وبات الربيع أكثر من لحظة أمل فقط، بل وهدم أطروحة الأنظمة التي راهنت على التخويف والقمع والسجون، وطرح النقاش الجدي حول استمرار الأنظمة القائمة لسنوات وعقود وقرون.

استطاع الشعار في كلماته التي تم تداولها في كل الأقطار المنتفضة التعبير عن مطالب سياسية كبرى، أمّ هذه المطالب في المغرب؛ حق الشعب في اختيار من يمثله، وحق التداول السلمي على السلطة، عبر آليات تعطيل الدستور الممنوح ووضع دستور ديمقراطي، وتأسيس مؤسسات قوية تحكم ومنتخبة بانتخابات حرة نزيهة غير متحكم فيها، وعبر المطالبة بالفصل بين السلط، عدم الجمع بين الثروة والسلطة، وعدم استغلال النفوذ إلى غيرها من الدلالات، وعبر عنها الشعار المركزي واللافتات المرافقة له في الاحتجاجات والصفحات المرتبطة بالحراك في مواقع التواصل الاجتماعي.

تمثلت بعض الدلالات السياسية في المطالبة بالحرية باعتبارها ركنا من أركان الشعار، حيث كان الحراك فرصة سانحة للتعبير عن حجم المظلومية والوصاية السياسية التي عانى منها الشعب المغربي، لذلك كانت “الحرية في النقاشات المواكبة للحراك خلال 20 فبراير بمعنى الحقوق السياسية والمدنية، السياسية بمعنى الحريات الجماعية، الحق في الانتماء السياسي، وحق الشعب المغربي في تقرير مصيره واختيار من يحكمه، والتصرف في ثرواته، واختيار النموذج التنموي الذي يناسبه” تقول خديجة الرياضي الناشطة الحقوقية المغربي في تصريح لموقع الجماعة، ثم تضيف “والحقوق المدنية بمعنى حرية الأشخاص، لأن حرية الشعوب مبنية عليها، ومن الحريات الفردية الحق في حماية الخصوصيات وحريتهم في التعبير والرأي والانتماء والتنقل والضمير والمعتقد، كلها حريات إن لم تتم صيانتها فليست هناك تنمية ولا ديمقراطية”.

وقد أكد خالد البكاري المنحى ذاته بقوله: “لذلك كانت الحرية مطلبا أساسيا، سواء لجهة الحريات الفردية أو الجماعية، وخصوصا حرية الرأي والتعبير، وكانت إعلانا عن رفض أي شكل من أشكال تقييد الحريات”.

محمد النويني المحامي والناشط السياسي أوضح في تصريح خاص لموقع الجماعة أن البعد السياسي لمطالب شباب حركة 20 فبراير، يتمثل في كون تلك المطالب تدخل ضمن إطار “دولة ديموقراطية يسودها الحق والقانون، وتحكمها مؤسسات قوية وشفافة، قوامها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، ومقومات العيش الكريم”.

طالع أيضا  فقه التجديد ومفهوم "المجموع" [3]

الدلالات الاجتماعية للشعار

حمل شعار حركة 20 فبراير دلالات اجتماعية جمّة لخصتها أركانه. ومن دلالات العدالة الاجتماعية عندما رفعه نشطاء حركة 20 فبراير يقول النويني هو “مطالبتهم الدولة بأن توفر للمواطن المغربي مستوى عيش لائق، والحق في سكن يضمن الكرامة، وفي تعليم ناجع يحمي المواطن من مخالب الأمية والجهل، وفي رعاية صحية تقيه من الأمراض الفتاكة، ومن فرصة عمل تجنبه الفاقة والحاجة والفقر”.

أما من حيث الكرامة كما تم طرحها -تقول الرياضي- فهي العيش الكريم الذي يبنى على “توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأساسية مثل المدخول والأجر الكافي لضمان حياة الشخص وأسرته ويقيه من العوز والحاجة والفقر”. مردفة أن الكرامة ليست فقط في الماديات، بل كذلك وقف تعسفات السلطة على المواطن بل وحاميته من تعسف الآخرين، مثل حماية النساء من العنف المجتمعي والأسري وحماية الأطفال من العنف وحماية ذوي الإعاقة من التمييز إلى غير ذلك.

وأشارت الرياضي في هذا الجانب الاجتماعي إلى الحقوق التي تحفظ كرامة الشغيلة المغربية مثل الحقوق النقابية، والحماية من الاستغلال والاستعباد في مجال الشغل. وكلّ الحقوق الاجتماعية تدخل في إطار الكرامة “مثل الحق في السكن والحق في الحماية الاجتماعية كآلية لتوفير هذه الحياة الكريمة للأشخاص”.

واعتبرت المتحدثة أن شعار العدالة الاجتماعية إبان الحراك العشريني، انطلق من عدد من الحقوق والمواثيق الخاصة منها “الحق في التنمية والإنماء الاجتماعي وعدد من المرجعيات التي تقول بأن المواطن يجب أن يتوفر له الحق في التنمية المبنية على اختياراته وبمشاركته والعنصر الأساسي هو استفادته من نتاج هذه التنمية”، وبالتالي فإن العدالة الاجتماعية “تنبني على اختيار النموذج التنموي المناسب لأي شعب وكذلك المواطن الذي تحميه هذه التنمية”.

وشددت الرياضي على أن كل هذه الشعارات بدون مساواة فعلية بين المواطنين لن تكون هناك أية حقوق، والمقصود بالمساوات ليس فقط في القوانين ولكن في التطبيق والممارسة، وبين جميع المواطنين بغض النظر عن هويتهم وانتماءاتهم السياسية والجغرافية، أو أقليات دينية وبتنوع لغاتها، فهذا الجانب ينبغي مراعاته. وكذلك المساواة بين النساء والرجال في جميع الحقوق بدون تحفظات، تقول، لأن غياب المساواة بين الرجال والنساء يحول دون إتمام مسار التنمية والديمقراطية لأن نصف المجتمع يبقى مهمشا ومغيبا ومهضوم الحقوق.

طالع أيضا  مواقع الإمام ياسين تطلق نسخة جديدة من شبكة سراج SIRAJ.NET

وزاد البكاري موضحا أن مطلب الكرامة، “لا يعني فقط تحقيق الحد الأدنى للعيش الكريم بل كذلك السعي نحو ما يسميه أكسيل هونيت بالاعتراف، في مقابل ما اصطلح عليه مغربيا بالـ “حكرة””.

ويرى البكاري أن شعار حركة 20 فبراير “اختصرت العدالة الاجتماعية في رفض الفوارق الطبقية، وزواج السلطة بالثروة”، وهو ما اعتبره إهمالا لمطلب العدالة المجالية، الذي “سيتركز أكثر في الحراكات الاجتماعية التي ستظهر لاحقا بالريف والمغرب الشرقي والجنوب الشرقي…”.

الدلالات الاقتصادية للشعار

لم يغفل شعار حركة 20 فبراير الجوانب الاقتصادية، حيث وجّه انتقادات لاذعة للسياسات الاقتصادية للدولة، المبنية على الريع والبعيدة عن متطلبات النظام الاقتصادي العادل والمتحرر من قيود السلطة.

ولفتت الرياضي في حديثها إلى أن شعار العدالة الاجتماعية يتجسد أيضا في “استفادة جميع المواطنين والمواطنات من خيرات البلد بدون تعسف وبدون نهب وبدون فساد أو استيلاء بعض الأقليات والأشخاص أو الجهات أو الشركات الأجنبية التي تأتي للاستثمار في البلاد على خيرات البلاد والشعوب”.

ومن متطلبات العدالة الاجتماعية الاقتصادية تضيف المتحدثة “أن تتحقق العدالة الضريبية لتكون جهود بناء الوطن وتدبير الشأن العام منصف للجميع كل حسب قدرته وكذلك المواطنون يستفيدون من هاته الجهود كل حسب حاجته”.

ومن جهته رأى النويني أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية اعتبرها نشطاء الحراك ضمن الحقوق الأصيلة التي يكفلها القانون الدولي الإنساني، وتعمل على حمايتها جل دساتير الدول الديمقراطية من أجل توفير إطار قانوني موحد للقيم والمعايير المعترف بها دوليا، بهدف تحقيق العدالة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي وتعزيز مبدإ المساواة في الشغل والصحة والتعليم والسكن وغيرها من الحقوق الأساسية التي نصت عليها مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الموقع عليه سنة 1966 من قبل 160 دولة من بينها المغرب.