الحمد لله الملك الوهاب، الذي إذا دعي أجاب، وإذا سئل أعطى بغير حساب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقبل توبة عبده إذا تاب، وقربه إذا أناب، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله رفيع القدر عظيم الجناب، اللهم صلّ عليه وعلى الآل طرّا والأصحاب، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الحساب.

يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً                       فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَــمُ

إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِـــنٌ                      فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجــرِمُ

أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعاً                       فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ

ما لي إِلَيكَ وَسيلَةٌ إِلا الرَجــــا                      وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِـــمُ 1

يقول ربنا عزّ وجلّ: وتوبوا إلى الله جميعا أيها المومنون لعلكم تفلحون 2
جاءت هذه الجملة مسك ختام، لما سبقها من كلام، وتقدّمها من تشريعات وأحكام.

وقد وقع انتقال من خطاب سيد الأنام عليه الصلاة والسلام إلى خطاب المؤمنين بشكل عام. ولذلك قال الشيخ ابن عاشور رحمه الله في التحرير والتنوير: “وَوَقَعَ الْتِفَاتٌ مِنْ خطاب الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خِطَابِ الْأُمَّةِ لِأَنَّ هَذَا تَذْكِيرٌ بِوَاجِبِ التَّوْبَةِ الْمُقَرَّرَةِ مِنْ قَبْلُ وَلَيْسَ اسْتِئْنَافَ تَشْرِيعٍ.”

وقوله سبحانه: وتوبوا إلى الله.

هذا نداء رحيم، من ربّ كريم، إلى عباده الفقراء المذنبين، الضعفاء العاصين… يدعوهم –سبحانه- دعوة محب غفور حليم… ليرجعوا إليه، ليعودوا إليه، ليلجؤوا إليه، ليفروا وينفروا إليه.

يقول لهم… لا يحبسنّكم عنّي عظم ذنوبكم، ولا كثرة أخطائكم، ولا طول هربكم وإباقكم… فمن تقرب إلينا بالفرض قرّبناه، ومن تقرّب إلينا بالنّفل أحببناه، ومن جفانا أمهلناه، فإذا عاد إلينا قبلناه…

“يا عبادي إنكم تخطئون بالليلِ والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم” 3

“يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة” 4

يقول لهم سبحانه إني باسط يديّ بالنهار ليتوب مسيء الليل، وباسط يديّ بالليل ليتوب مسيء النهار، أدعوكم وأنا العزيز الغفار، وأناديكم بالأسحار: “هل من سائلٍ فأُعطيَه، هل من داعي فأستجيبَ له، هل من تائبٍ فأتوبَ عليه، هل من مستغفِرٍ فأغفرَ له” 5.
إنّه يقول لهم أما تريدون أن تكونوا من المحبوبين؟ أما علمتم أني أحبّ التوابين، وأحبّ المتطهرين؟ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ 6

 يقول سيدي أحمد بن عجيبة –رحمه الله تعالى- في البحر المديد: “التوبة أساس الطريق، ومنها السير إلى عين التحقيق، فَمَنْ لاَ تَوْبَةَ له لا سَيْر له، كمن يبني على غير أساس.”

طالع أيضا  هكذا حبَّبنا الإمام ياسين في رسولنا الكريم (2)

وقوله سبحانه وتعالى جميعا أيها المومنون

فقد يتبادر إلى الدهن ونحن نقرأ أو نسمع “و توبوا إلى الله” أن المعني بالخطاب هم الكافرون والمشركون والملحدون والعصاة الآثمون والجبابرة الظالمون… وألا شأن لنا بالموضوع. لذلك نبّهنا -سبحانه- فعمّم وعيّن، وخصّ وبيّن. وأفهمنا –سبحانه- أن لا غنى لأحد عن التوبة مهما عَلَت مرتبته، ومهما سَمَت درجته. وكيف لا، وقد كان سيد الخلق وحبيب الحق يقول: “واللَّهِ إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأَتُوبُ إلَيْهِ في اليَومِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً” 7، وقال كذلك: “يا أيُّها الناسُ، تُوبُوا إلى الله واستغفِروه؛ فإنِّي أتوب في اليومِ مِئَةَ مرَّةٍ” 8.

فإذا كان المعصوم صلى الله عليه وسلم يستغفر ويتوب، فكيف بمن غمرته الذنوب، ولطخته النقائص والعيوب؟

ربّ اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم…

ولله درّ الشيخ سيدي أحمد بن عجيبة – قدّس الله تعالى سرّه- قال في تفسيره “البحر المديد”: “والتوبة يَحْتَاجُ إليها المبتدئ والمتوسط والمنتهى. فتوبة المبتدئ من المعاصي والذنوب، وتوبة السائر من الغفلة ولوث العيوب، وتوبة المنتهي من النظر إلى سوى علام الغيوب.”

ويزيدها شرحا وتفسيرا الإمام القشيري –قدّس الله تعالى سرّه- في تفسيره “لطائف الإشارات”: “وجميع المؤمنين مأمورون بالتوبة، فتوبة عن الزّلّة وهى توبة العوام، وتوبة عن الغفلة وهى توبة الخواص. وتوبة على محاذرة العقوبة، وتوبة على ملاحظة الأمر.

ويقال أمر الكافة بالتوبة. العاصين بالرجوع إلى الطاعة من المعصية، والمطيعين من رؤية الطاعة إلى رؤية التوفيق، وخاصّ الخاصّ من رؤية التوفيق إلى مشاهدة الموفّق.

ويقال أمر الكلّ بالتوبة لئلا يخجل العاصي من الرجوع بانفراده.

ويقال مساعدة الأقوياء مع الضعفاء- رفقا بهم- من أمارات الكرم.

ويقال أحوج الناس إلى التوبة من توهّم أنّه ليس يحتاج إلى التوبة.”

طالع أيضا  قضايا ومواقف من حوار رئيس الدائرة السياسية للعدل والإحسان

و قوله سبحانه جميعا أيها المومنون

هي دعوة للخلاص الجماعي والتوبة العامة… فلا يكفي أن يتوب بعض الأفراد الأفذاذ في الأمة لينجو الجميع… الخلاص الفردي وحده لا يكفي… لذلك علينا أن نتوب وندعو النّاس إلى التوبة… علينا أن نتوب ونحثّ الخلق على التوبة.

قالت أمنا زينب بنت جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنهلك وفينا الصالحون؟” فأجاب صلى الله عليه وسلم: ” نعم، إذا كثر الخبث” 9

“نعم، إذا كثر الخبث” نعم إذا كثر الفُسوقُ والفجورُ والمعاصي والجور… نعم… إذا بارز الناسُ اللهَ –سبحانه- بالمعصية، وتجرؤوا على المحارم، وتباهوا بالرذائل، وجاهروا بالمخازي، واستشرى الظلم بين العباد، وتعنّت البغاة وأكثروا في الأرض الفساد… آنذاك يحلّ بالجميع الهلاك والخراب، ويعمّهم العذاب.

قال القرطبي في التذكرة: “إذا كثر المفسدون وقَلَّ الصالحون هلك المفسدون والصالحون معهم إذا لم يأمروا بالمعروف ويكرهوا ما صنع المفسدون، وهو معنى قوله: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة 10“.

قال مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيّروه أوشك أن يعمّهم الله بعقابه” 11

فوجود بعض الصالحين في الأمة لا يحبس عنها عذاب الله -عزّ وجل- إن حلّ، وكثرة المعاصي والآثام، مجلبة لهلاك عام. ثم يُبعث الناس على نياتهم.

والجماعة المؤمنة جسد واحد… فلا يكفي أن يسلم عضو أو عضوان لسلامة الجسد بأكمله… بل يجب أن تتعافى الأعضاء كلها وتسلم، لئلا يعجز الجسم ويتألم… وإلا وجب عليه أن يتداعى بالسهر والحمى.

وكلّ تأخير للتوبة من جانب عضو من الأعضاء، هو عرقلة للجسد كلّه عن التعافي والشفاء.

وقوله تعالى: لعلكم تفلحون

لعلكم تفوزون…

لعلكم تحوزون ما كنتم فيه ترغبون…

لعلكم تنالون ما كنتم فيه تطمعون، وتغنمون أفضل مما كنتم ترجون.

طالع أيضا  رسالة الأدب.. رسالة القرآن نحو رؤية أدبية تجديدية.. قراءة في كتاب المنظومة الوعظية (3)

و أختم بدرّة من درر سيدي عبد القادر الجيلاني قدس الله تعالى سرّه: “اغتنموا باب التوبة وادخلوا فيه ما دام مفتوحا. اغتنموا باب الدعاء فهو مفتوح لكم. اغتنموا باب مزاحمة إخوانكم الصالحين فهو مفتوح لكم. يا قوم ! ابنوا ما نقضتم، اغسلوا ما نجستم، أصلحوا ما أفسدتم، صَفّوا ما كدّرتُم، رُدوا ما أخذتم، ارْجعوا إلى مولاكم عز وجل في إِبَاقِكُم وهربكم” 12

اللهم أزح صخرة ذنوبنا عن مخرج كهوفنا!

ربنا اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أواهين منيبين، تقبل يا رب توبتنا، واغسل حوبتنا، وأجب دعواتنا، وثبت حجتنا، واسلل سخائم صدورنا، وعافنا واعف عنا.

 


[1]   [من شعر أبي نواس.].
[2] سورة النور آية 31.
[3] رواه الإمام مسلم عن سيدنا أبي ذر الغفاري
[4] رواه الإمام الترمذي عن سيدنا أنس بن مالك
[5] رواه الإمام ابن أبي عاصم عن سيدنا أبي هريرة
[6] البقرة، آية 222.
[7] أخرجه الإمام البخاري عن سيدنا أبي هريرة
[8] أخرجه الإمام مسلم عن الأغر المزني أبو مالك
[9] أخرجه البخاري ومسلم عن أم المؤمنين زينب بنت جحش.
[10] الأنفال آية 25
[11] أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي في ((السنن الكبرى))، وابن ماجه، وأحمد  باختلاف يسير عن سيدنا أبي بكر الصديق
[12] الفتح الرباني والفيض الرحماني: المجلس الرابع.