(نتابع مع الأستاذ محمد العربي الطبلة رحمه الله عرضا قدمه بين يدي شباب الدعوة تحت عنوان :

” المجموع والكليات المنهاجية”)

المجموع” والكليات المنهاجية:

يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في كتاب “نظرات في الفقه والتاريخ”: “.. كيف يمكن أن نقوم ونتحرك وننال المطالب العالية الغالية وطوق التقليد في أعناقنا؟”.

أولا: مدخل عام

يقوم “المنهاج النبوي” كعلم جديد على أصول ثابتة راسخة، تُعَد بمثابة أركان للبناء ومفاتيح تساعدنا على الفهم المنهاجي، وتؤسس لعمل واضح هادف، فَعَّال ذو جدوى متعددة الأثر على المستوى الفردي والجماعي.

وتعتبر بعض المفاهيم كَـ”التربية” و”العقبة” و”الاقتحام” وغيرها.. من الضرورات المنهاجية، وبفهمها الفهم الصحيح على المستوى العلمي والمعرفي، واستعمالها استعمالا إجرائيا، يتوقف نجاح المنهاج وحقيقة تشخيصه.

لكل علم مصطلحاته بها يعرف ويؤسس لنظرياته، وللخوض في هذا العلم وتطبيقاته لابد من ضبطها تصورا وتحققا، وعلماؤنا يقرون بالخلاصة المنطقية أن “الحكم على الشيء فرع من تصوره” ونقول أيضا: مدخلا لتطبيقه وتفعيله، وكذلك يقول الإمام المجدد رحمه الله في مجلة الجماعة: “لابد من العلم المسبق قبل الشروع في العمل، وعلى وضوح الرؤية وتكاملها يتوقف نجاح كل مشروع… “.

إن مصطلح “المجموع” من المفاهيم المفتاح في المنهاج النبوي، ويدخل في صناعة ركنين أساسين من بناء المنظومة المنهاجية هما: التربية. والخصال العشر.

فماذا نعني بالمجموع؟ وما هي أبعاده على مستوى العلم المنهاجي؟

ثانيا: الدلالات اللغوية والاصطلاحية والإجرائية:

“يقسم الفقهاء الأصوليون الدلالة إلى لفظية ونصية يجمعها اصطلاح: «منطوق» وإلى دلالة مفهومية، ويقولون: دلالة المنطوق في مقابل دلالة المفهوم.. كلمة مفهوم عند المثقفين المعاصرين كلمة مترجمة.. المفهوم عندهم هو «المعرفة الأولية بموضوع ما» مرتبطة بلفظ محدد ذي دلالة علمية أو فلسفية محددة.. كلمة «مفهوم» تترجم اللفظ الأعجمي «Notion ». ثم يعتري مثقفنا الولوع بالتركيب والبناء فيستعمل مفهوم «جهاز مفهومي» «Appareil notionnel» (مقدمات في المنهاج – المفهوم، ص 3-5).

وفي “معجم المفردات”، للأصفهاني ما نصه: “الجمع: ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض، يقال: جمعته فاجتمع، .. .. وقال عز وجل: {وإذا كانوا معه على أمر جامع} [النور/62]، أي: أمر له خطر يجتمع لأجله الناس، فكأن الأمر نفسه جمعهم.. أي: جمعوا فيه.. ويقال للمجموع: جمع وجميع وجماعة.. والجماع يقال في أقوام متفاوتة اجتمعوا.. ويقال: أجمع المسلمون على كذا: اجتمعت آراؤهم عليه.. وقولهم: يوم الجمعة، لاجتماع الناس للصلاة.. ومسجد الجامع، أي: الأمر الجامع، أو الوقت الجامع، وليس الجامع وصفا للمسجد، وجمعوا: شهدوا الجمعة، أو الجامع أو الجماعة.. وضربه بجمع كفه: إذا جمع أصابعه فضربه بها، وأعطاه من الدراهم جمع الكف. أي: ما جمعته كفه. والجوامع: الأغلال، لجمعها الأطراف”.

يقول الإمام رحمه الله في “المنهاج النبوي”، “التربية”، “المجموع”:

طالع أيضا  هيئات وطنية تجدد رفض قرار التطبيع.. وتعلن برنامجا توعويا ونضاليا

” كان علماؤنا ممن ألف في طبقات الرجال يكتبون: «فلان فريد في مجموعه»، يقصدون أن ما اجتمع فيه من فضائل العلم والعمل جعله ممتازا لا يماثله أحد في اجتماع تلك الفضائل.

ونحن نعتقد أن ما من عبد إلا وأعطاه الله تبارك وتعالى المنعم خصوصيات في الجسم والعقل وقابليات الإيمان والإحسان، لذلك فلا يمكن أن تنتج التربية جيلا متماثلا أفراده كما تخرج البضائع من المعمل. فنحتفظ بكلمة «مجموع» ومفهوم «مجموع»”.

يشرح رحمه الله في “المنهاج النبوي”، “الخصال 10”، “شعب الإيمان” ص 120 ماذا يمثل نهر الإيمان في قلب المؤمن فيقول هو:

«مجموع» فضائل المؤمن، وقد جعلنا كلمة «مجموع» مفهوما نعني به أن المؤمنين يتفاوتون في الإيمان وخصال الخير، فلا ننتظر أن تعطينا التربية رجالا في نفس المستوى في كل الجوانب، ولا ننشد في إخوتنا الكمال في كل الفضائل..

كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متفاضلين باعتبار «المجموع»، فما أجمعت عليه الأمة من تفضيل بعضهم على بعض استنادا لتفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم لا يدل على أن الفاضل فاضل في كل خصال الإيمان، بل يدل على أن مجموعه الإيماني في كله أرفع عند الله درجة وأثقل في ميزان الأعمال والجهاد وزنا. ولا يمنع فضل هذا في جزئية إيمانية أن يكون مفضولا في مجموعه. “

ويضيف رحمه الله في الصفحة120 : ” أورد الترمذي وابن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرأهم لكتاب الله أبي، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ. ألا وإن لكل أمة أمينا، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح» وأحاديث أخرى مثل هذا تذكر الخصال التي برز فيها هذا على هذا.

وفي الصفحة 121، يقول عن المجموع في الجماعة: الجماعة المؤمنة التي تقوى على الجهاد بتوفر الكفاءات والفضائل في أفرادها وتكاملها. فبالنسبة للجماعة يمثل نهر الإيمان مجموع السلوك الإيماني في مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. “

المجموع هو التأليفُ بين المتفرق وبلوغُ الأشُد.

والمجموع هو الجمع والاجتماع والجماعة وشهود الأمر الجامع والاجتماع عليه والجمعة.

والمجموع الإجرائي المنهاجي هو اجتماع فضائل العلم والعمل وطلب الكمال على المستوى الفردي، وتوفر الكفاءات وتكاملها على المستوى الجماعي.

طالع أيضا  باحث: تبعیة القرار التربوي للقرار السیاسي أحد أعطاب المنظومة التربویة المغربية

لكن ما هو المعنى الجامع لمفهوم المجموع من خلال الحركية المنهاجية وشمولية نظرياته؟ وما هي المرجعية المنهاجية؟

ثالثا: المرجعية المنهاجية:

سوف نتساءل نحن، قبل الشروع في مناقشة مفهوم المجموع، وكما تساءل “المنهاج النبوي” وواضعه رحمه الله عن المرجعية المعتمدة للتأسيس لعلم المنهاج النبوي، فنقول:

ما هي المرجعية المنهاجية؟

وعلى ماذا اعتمد المنهاج للإتيان بنسقيته الثلاثية الأبعاد العلمية العملية الإجرائية والموجودة في كل جملة من مؤلفات المنهاج؟

وما علاقة المرجعية بالمجموع؟

بنيت معادلة “المنهاج النبوي” على مرجعية ثلاثية الأبعاد، هي بمثابة المسلمة، إذا أزلنا عنصرا واحدا أو بدلناه تغيرت المعادلة المنهاجية ككل، وأصبحنا في شيء آخر غير المنهاج، إنه المجموع الثلاث:

– النقل الثابت: وهو مجموع الكتاب والسنة النبوية الكاملة، هو الوحي.

– العقل المؤمن: وهو مجموع الفهم الناتج عن التدبر والتفكر في آيات الله القرآنية ووقائع السيرة والآيات الكونية، والمالك لها كلها.

– الإرادة الجهادية: وهي مجموع النية والعزم نحو الاقتحام والتجديد والتغيير والجهاد والإحسان.

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في “رسالة في المنهاج النبوي”، “مجلة الجماعة، العدد: 4، صفحة 134”:

“الكتاب والسنة والإجماع مادة تشريعية وصلتنا بالنقل والرواية. لكن يبقى تطبيقها في الواقع المتجدد دائما..

النقل ثابت والعقل متحرك بين سيادتين تتنازعانه، هما سيادة الإرادة الإيمانية الإحسانية أو سيادة الهوى.

معادلة الاجتهاد العلمي لسلوك الشريعة تتراوح إيجابا وسلبا بين وضع يخدم العقل فيه الإرادة على ضوء النقل ووضع يخدم فيه العقل سلطان النفس فيحرف النقل.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه. “

ويقول رحمه الله في “العقل والنقل والإرادة”، “مجلة الجماعة، العدد 5، صفحة 23 “: “العقل والنقل والإرادة أشد ارتباطا بالإنسان المؤمن وأجمع في النظر لطاقاته ومحركاته وبواعثه وأعمق.. لا نعطي ولا تعطي النظرة العملية أية قيمة للتفسير الماركسي للسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، وذلك [لأنهم] ببريق الإيديولوجية لا يدخلون في حسابهم ولا يسمعون في منهجهم المادي التاريخي عنصر العاطفة التي يمكن أن يحركها أسمى وأقوى من باعث الحقد الطبقي، ولا عنصر العقل حين يتجند لخدمة هدف أسمى من الانتصاف لطبقة مستعبدة -مع دخول هذا الهدف في اهتمام الإسلام- ولا عنصر النقل حين يكون النقل هو كلام الله وأوامره وتعاليم رسوله التي يتوقف فلاح الدينا والآخرة على تنفيذها.. “.

رابعا: الأصول المنهاجية

المنهاج، كما نؤكد دائما، هو علم مبسوط في مجموع كتب الإمام المجدد رحمه الله وأقواله وأفعاله وعمل الجماعة.

طالع أيضا  "أنّة صائمة.." قصة قصيرة

كان لكتاب “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا” الميزة كون أنه بسط فيه منهجية المنهاج وأصوله التي ينبني عليها.

بسط رحمه الله في هذا الكتاب الأسس التي بها يمكن بناء “الجماعة”، والتي ستكمل الصحبة وتؤسس لعمل المنهاج، ثم تأخذ مشعل البناء والاستمرار.

وضع أيضا جزاه الله الأصول المنهاجية التي سيقوم عليها وبها البناء المنهاجي.

فما هي يا ترى هذه الأصول؟ وكيف تعمل مع بعضها في نسقية متكاملة كاملة؟ كيف تعمل في مجموع وتحقق المجموع؟

للمنهاج، كما أسلفنا، خمسة أصول هي بناؤه وبناء الجماعة التي ستحمله، والتي بزوالها أو زوال واحد منها سوف يتصدع البناء ويوشك أن يقع، وينفرط الخيط الجامع لعقد الجماعة وتوشك معها أن تختلف وتتباين ثم تتشتت وتنعدم، نسأل الله أن يمسك الجماعة ويمسك الصحبة في الجماعة ما دامت السماوات والأرض إنه كريم وهاب، وهي:

الاقتحام.

التجديد.

التربية.

التنظيم.

الخصال العشر.

يقول الإمام رحمه الله في “المنهاج النبوي”، في “التمهيد”:

“ونحن أحوج ما نكون ليعرف كل مؤمن منا معايير التربية الإيمانية وطرائق تجديد الإيمان في القلب حتى يستيقظ الحافز الجهادي في النفوس ويستنير العقل المؤمن بنور العلم الذي به ندبر الجهاد. وبعد تربية جيل الإيمان والجهاد نحتاج إلى علم تنظيم جند الله في كتائب يسمو نظامها بتماسكه وقوته إلى مستوى الإرادة الجهادية وإلى مستوى المهمات الجسام التي تتحدى الإسلام والمسلمين في مستقبلٍ قوى العدوان على الإسلام ستزداد فيه تنظيما..

من كان من إخوتنا وأخواتنا يلتاع لضياع القضية الإسلامية ويتشوف لقيام حركة إسلامية منظمة ويأنس من نفسه الاستعداد والرغبة ليبني مستقبل الإسلام فسيفهمنا ويؤيدنا ويتأمل عرض تصورنا لمنهاج العمل. فبدون تصور واضح لمنطلق الحركة وسيرها وأهدافها ومراحلها لن نستطيع بناء. ومن لا لوعة له على الإسلام ولا عزم له على جهاد فلا كلام معه. فاتح شعبان 1401هـ“.

إن مجموع الأصول المنهاجية يمثل الجماعة والمنهاج مجتمعين، ولكل أصل فيها مجموعه الذي هو واجب التحصيل والكسب والتحلي به، لكن أية منهجية يطرح المنهاج لتحصيل مجموع المنهاج؟ وأي مجموع نقصد؟

يتبع..