أمطار “الغيث” في قفص “الاتهام”

لم تكن الفياضانات لتكتفي بما فعلته لتفضح عيوب “التدبير المفوض” في مدينة البيضاء، بل تجاوزتها إلى فضح نظيره في مدينة طنجة، حيث عيون الأمن مفتوحة وقت ما شاءت ومغمضة حيثما شاءت.

لقد نابت الأمطار هذه المرة عمن أبعدتهم عصي الأمن وعمن لا يسمع صوتهم، وعمن غيبتهم السجون، وعن الصحافة؛ في فضح الهشاشة التي تعرفها المدن الكبرى قبل الصغرى، وفي فضح سوء التدبير، وكشف عقلية “الفساد الإداري” المستشري في كل مفاصل الدولة، إنه “الفساد” الذي يستر من يريد ويفضح من يشاء، ويحكم بالعذاب لمن يريد ويصرفه عمن يشاء، ويغذق بالنعم على من والاه ويعزل من عاداه.

لقد نابت الأمطار عن الرقابة الأمنية والجمركية والسياسية في فضح ما يعانيه آلاف العمال والعاملات، الذين ماتوا قبل اليوم ألف مرة ليعتلي رأس المال، المتحالف مع السلطوية، جثثهم وليحقق أرباحا في الأسواق العالمية، بتواطئ مع مسؤولين مغاربة.

خدشت الأمطار “سمعة المغرب” بعد فقدان 28 شخصا أرواحهم في “معمل سري“، ومسّت معها هيبة الدولة من خلال “مسؤولين” لم يعلموا طوعا أو كرها بهذه الوحدات التي تشغل “ألاف” العمال والعاملاتـ وتصدر أرقاما قياسية من المنتوجات التي تحمل علامات تجارية مشهورة وأخرى مجهولة.

من سوء حظ المسؤولين أن الفاعل في هذه الوقائع لا يمكن أن توجه له تهمة “تهديد أمن الدولة” أو “زعزعة الاستقرار” أو “تلقي الدعم مع الخارج”، أو غيرها من التهم الجاهزة في السراديب، والتي يتم توجيهها لكل متجرئ على كشف ما كشفته هذه الأمطار.

سخرية للساخرين

ما حدث بسبب أمطار الغيث في بعض المدن المغربية شكل مادة خامة للجد والسخرية على السواء. سخرية من مسؤولين يتحدثون عن “السرية” في دولة يحكمها الحس المخابراتي وتحصي أنفاس المواطنين، ويعرف عدد المراحيض في بيوتهم. دولة تعرف مسبقا من لديه مجرد نية للحضور إلى وقفة احتجاجية على حقوقه المشروعة.

طالع أيضا  بجامعات مغربية مختلفة.. الطلبة يحتجون رفضاً للتطبيع مع الصهاينة

قطرات الماء التي جادت بها السماء لم تكشف فقط عن هشاشة البنيات التحتية وفقرها في أحسن المدن وأغناها رغم مظاهر الدعاية التي ترصد لها ملايين الدراهم، بل شكلت مادة خامة للساخرين لنسج القصص والكاريكاتيرات عن الغرق، وللصحافة لتكتب وتصور، فضلا عن رواد مواقع التواصل الاجتماعية الذين أطلقوا حملات للسخرية من المسؤولين الذي يصلون الليل بالنهار ليس لخدمة المواطنين وتنمية البنيات التحتية بل للمراقبة التي لم تر شيئا.

ألّف شباب أغنيات ساخرة بما وقع، وكَتَبَ كُتاب تدوينات ومقالات بحس فكاهي ساخر من واقع اختلت فيه الموازين وتغيرت الأولويات عند “خدام” الشعب.

المسؤولية والمحاسبة

إن ما فعلته لحظات من الأمطار في مدينتي البيضاء وطنجة، لم يكشف فقط هشاشة البنية التحتية، بل كشف معها عقودا من الفساد المالي الذي ضيع على المواطنين ملايير الدراهم التي تكفي ليس فقط للبنيات التحتية التي تنافس كبرى المدن الفاخرة في العالم فقط، بل ليعيش المغاربة في رخاء، ويعيشوا في أمن من أن تهدد حياتهم قطرات ماء طالما صلوا الاستخارة من أجلها.

لم تكن الخسائر ملايين الدراهم فقط، ليقول صاحب النية الحسنة بتعويض الخسائر، رغم أننا لم نسمع حتى بهذا في آبائنا الأولين، لكن الحاصل “أرواحا” أزهقت وآباء وأمهات تقطعت أكبادهم، وعائلات فقدت أبناءها والدخل الزهيد الذي كانوا يعيشون به.

لا شك أن تحقيقات ستفتح وستذهب بعيدا كما العادة، ولن تعود أيضا إلا إن عادت على ظهر “كبش” بسيط لا ناقة له ولا جمل في سلم المسؤوليات.

ما فتئت الحركات الاحتجاجية والهيئات الفاعلة في مدن المغرب وقراه أن نبهت إلى الخروقات وإلى التقصير في القيام بما ينبغي القيام به، وفي خدمة البلد وصرف ثرواته عليه، بدل الاستغراق في ثقافة الريع، وخدمة المصالح الشخصية لكل من وصل منصب سلطة مهما كانت درجته إلا القلة القليلة من القلة النادرة.

طالع أيضا  الكمال الخلقي عند الإمام: كمال في الدين وأساس للدعوة

فقدان الشغل.. وغرق في البحار

لم تشكل الاحتجاجات التي عرفتها مدينة الفنيدق في الأيام الماضية أول فعل احتجاجي في المغرب ولن يكون الأخير كما يذهب إلى ذلك محللون ومتتبعون للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، لكنه جاء في سياق سلسلة من الاحتجاجات التي لم تتوقف يوما مطالبة بتوفير ظروف العيش الكريم، واحتجاجا على السياسات غير الرشيدة للمسؤولين في عدد من المدن والمناطق، التي ينتج عنها تهميش وفقر وبطالة في صفوف الشباب.

إن فقدان الشغل لآلاف الأسر بعد إغلاق المعابر لاسيما معبر سبتة الذي شكل مصدر عيش لأعداد من الأسر المغربية في الشمال، زاد من احتقان الأوضاع الوشيكة على الانفجار أصلا، وأصبح عاملا مهما في إحساس هذه الأسر بالإحباط واليأس في ظل انسداد الأفق وارتفاع تكاليف الحياة، فضلا عن غلاء المعيشة والصعود الخيالي لفاتورات الماء والكهرباء.

أوضاع مثل هاته دفعت بالآلاف من الشباب إلى ركوب أمواج البحر، أملا في الوصول إلى الضفة الأخرى لإعالة عوائلهم بكل الطرق وإن علموا أن نسبة وقوعهم قوتا لحيتان البحر أكبر من نسبة بلوغ مرامهم. ليبقى السؤال مفتوحا هل يغمض جفن المسؤولين الذين يتنعمون بالامتيازات وينشغلون بتنمية المشاريع الخاصة، ومنهم من يشتري أفخم القصور في المغرب وأوروبا وأبناء البلد يموتون في البحار بحثا عن قوت للعيش؟

هذه الأوضاع لم تدفع بالشباب إلى الهجرة والمخاطرة بحياتهم ليموتو في البحار، بل دفعت ما تبقى منهم للاحتجاج على الأوضاع لكن عاقبتهم لم تختلف عن سابقيهم، فقط الأولون غيبتهم البحار والأخرون غيبتهم السجون.

مقاربات أمنية مستفحلة

وعوض الاستماع الجيد لنبض المجتمع ولصوته المكلوم، تمضي الدولة أكثر في وهمها بالنجاعة “المتخيلة” للمقاربة الأمنية في إسكات الأصوات الحرة، وإخراس أصوات الاحتجاجات المتعالية في كل القطاعات وفي كل الفئات، فلم يسلم من عنف السلطة أو سجونها أستاذ ولا ممرض ولا مدون ولا حقوقي ولا صحافي نزيه، ولا مواطن يرفع صوته ولو من أجل التنبيه على حجم الفساد والخروقات والكوارث التي تعرفها مؤسسات بأكملها في إدارة شؤون الناس وحل مشاكلهم.

طالع أيضا  كتاب حوار الماضي والمستقبل: القضايا والإشكالات

إن تمادي الدولة في امتهان المقاربة الأمنية في التدبير لا يمكن أن يولد استقرارا، وإن حصل هدوء ظروفي، فإنه لن يكون إلا على نار هادئة، تكاد تأكل الأخضر واليابس عندما تأكل من جعلوا من أنفسهم دروعا لإخمادها أو تغطيتها بالوهم الذي يتم تسويقه في الداخل والخارج.

لم يعد مستساغا للفهم؛ كيف تتمادى الدولة في اعتقال المعارضين وغير المعارضين لأتفه الأسباب، وتطويل مدد التحقيق وتلفيق التهم، لأبسط أسباب الانتقاد، وكيف تعتقل وتحاسب كل من يفتح فمه بقول “لا” صغيرا كان أم كبيرا، معروفا أو غير معروف، مؤثرا كان أم غير ذلك؛ إلا مستساغ واحد أن الطغيان والفساد والاستبداد بلغ مداه.

وإن الاستقرار الذي لا ينتج عن الإرادة في تغيير الأوضاع وإصلاح أحوال البلد، بمقاربة تشاركية ديموقراطية بعيدا عن الاستفراد بالقرار وإقصاء كل ذي رأي حر وحرمانه ومعاقبته، لا يمكن أن يكون إلا لفا ودورانا، وربحا للوقت وتماديا في الخطأ.