وأنا أتابع ما يجري بعمالة المضيق/ الفنيدق يعتصرني الألم على منطقة كنا دائما ونحن فتية وشباب في مدينة تطوان نرى فيها الملاذ والخلاص لعوزنا وفقرنا وحاجتنا، لقد كانت المنطقة مركزا تجاريا وقبلة لكل المغاربة من شتى المناطق.

تفيض عيني دموعا وأنا أتذكر آلاف الأسر المغربية التي عالها أصحابها من عوائد تجارتهم من الفنيدق، أتذكر حركة نقل السلع من مدينة سبتة المحتلة، وأتذكر حركة الحافلات التي لا تتوقف في اتجاه معظم المدن المغربية. أتذكر أنني مارست التجارة وأنا ابن مدينة تطوان لمدة ست سنوات 1987 إلى 1992 قبل التحاقي بسلك التدريس. كان الكل يرى في مدينة الفنيدق روزنة للأمل ولو مؤقتا، كانت بحق متنفسا لشباب تطوان والمضيق ومرتيل خاصة، ومتنفسا لكل مغربي شمر على ساعده وتوكل على الله واختار التجارة مصدرا لرزقه. ولا يخفى على أحد أنها كانت متنفسا للشريفات العفيفات من الأرامل والمطلقات لكسب قوت العيش، فكم أنقذت مدينة الفنيدق من نساء المغرب وجنبتهم الاسترزاق من أعراضهن.

جميل أن تحمي الدولة المغربية اقتصادها وأن تشجع المنتوجات المحلية، وجميل أن تلتزم مع شركائها الأوربيين على إحكام معبر سبتة المحتلة لضبط الهجرة وغيرها من المآرب الأخرى، لكن من العار أن يتم كل هذا على حساب ساكنة الفنيدق والمضيق التي أصبحت في شبه حصار اجتماعي واقتصادي أمام غياب بدائل حقيقية الأمر الذي أدى إلى خنق واغتيال المنطقة اقتصاديا. كيف لدولة أن تُحَوّلَ منطقة كانت صُهَارَة تجارية إلى بركان خامد دون أن تقدم برامج تنموية إجرائية تتناسب والدينامية التي كانت عليها هذه المنطقة لعقود ذهبية، برامج بمقدورها أن تستوعب وتجاري المستوى المعيشي الذي كانت تنعم به الأسر قبل الأزمة. كلنا نعرف أن كبار التجار تركوا مدينة الفنيدق والمضيق وأغلبهم هاجروا للخارج وحملوا معهم رؤوس أموالهم، وبقي المستخدمون والمستخدمات يجترون ويلات الأزمة السنة تلو الأخرى يمنون النفس بانتعاشة اقتصادية قريبة للمنطقة، لكن النتيجة كانت تهميش ممنهج للمنطقة من خلال حرمانها من المشاريع الحيوية ذات القدرة على تشغيل اليد العاملة، ثم حرمانها من توفير الخدمات العمومية اللازمة التي بإمكانها التخفيف من معاناة الساكنة. وأمام غياب فرص الشغل، وضعف الخدمات العمومية، وانسداد الأفق أمام الشباب خلال الثلاث عقود الأخيرة، كان من البديهي أن يدفع هذا الوضع المزري بالساكنة إلى رفع آهات البؤس والحرمان واليأس في شوارع المدينة. كيف لا تفعل والفقر والبطالة واليأس قد ألقى بكلكله على شباب تواق لغد أفضل، ومغرب في مستوى تحديات متطلبات العصر.

طالع أيضا  يوم وطني تضامني كبير.. 40 مدينة مغربية تعلن استجابتها لنداء وقفات اليوم الأحد نصرة لفلسطين

إن السلطات اليوم عوض أن تنصت بمسؤولية لهذه الآهات وتستشعر عمق الألم الشعبي، ومن تم نشره في مواساة عملية للمنطقة، وذلك بجبر الضرر القائم وسد الحاجيات وتوفير الضروريات. وبداية هذا الأمر يكون بطمأنة الساكنة والتواصل المباشر معها، والتفاعل الإيجابي مع ملفها المطلبي الواضح والمكتوب سلفا.

لكن وللأسف الشديد وكعادتها تخيب السلطات كل الآمال لتبقى وفية لمقارباتها الأمنية، ومتشبثة بمنهجها المخزني البائد المتمثل في القمع والعنف والاعتقال، وكأننا أمام نسخة كاربونية لما جرى بالحسيمة وجرادة وقلعة سراغنة (زاوية اولاد الشيخ) وغيرها من المناطق التي خرجت ساكنتها للاحتجاج على فساد التدبير، وفشل المشاريع، وهدر الأموال طائلة، فأدى المحتجون ضريبة فضحهم للفساد والمفسدين بعشرات السنين في السجن.

إن المتمعن في الملف المطلبي لساكنة المضيق الفنيدق سيكتشف أنه أمام طبقة من الشباب المثقف والمُسَيَّسِ من الطراز الرفيع، فلو كنا في دولة تتغيا خدمة المواطن وتنمية المجتمع لحملوا ذلك الملف المطلبي وجعلوه برنامجا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا خلال الخمس سنوات القادمة. ثم لو كانت لدينا أحزاب وطنية حقا لتبنت الملف المطلبي وتوحدت عليه وانتدبت من ينافح عنه ويسعى لتحقيقه. لكن للأسف نحن أمام نظام مخزني لا يهمه إلا إخضاع الناس و إرغامهم على الصمت تحت ما يسمى في قاموسه ”استقرارا“.

ذلك الاستقرار الذي يعنى أن يستقر الأثرياء وذوو النفوذ في درجاتهم العلى، ويستقر الفقراء والمحرومون في دركاتهم السفلى. إن خروج ساكنة الفنيدق واحتجاحها على الأوضاع المزرية ما هو إلا ناقوس إنذار للجهات التي اعتقدت أن الربيع العربي قد ولى زمانه، وأن نظام الحكم قد تجاوز واد الأزمة واجتفت رجلاه. إن كل مؤشرات ارتداد ثاني لحراك جارف تلوح في الأفق، لأن الناس قد تصمت عن كثير من القيم كالحرية والكرامة، لكنها لم ولن تسكت عندما يصل الأمر إلى تهديها في لقمة العيش ومستقبل الأبناء.

طالع أيضا  الولوس: دعمي غير المشروط لياسر عبادي الذي أقدره من أجل لطفه وصراحته

وفي ختام هذا المقال لا يسعني إلا أن أحيي بحرارة ساكنة المضيق الفنيدق وأعلن تضامني الكلي معهم ومع مطالبهم العادلة، وأضم توقيعي إلى عريضة المائة شخصية، وأثَمِّنُ كل بنود الملف المطلبي، وأدعو عقلاء السلطة أن يتداركوا الموقف، أولا بإطلاق سراح المعتقلين، وثانيا بفتح حوار جاد ومسؤول مع اللجنة الممثلة للمحتجين في جو من الثقة والإيجابية والتعاون، عوض النظر إلى كل احتجاج بحساسية أنه شغب وخروج عن السلطة. ولتتأكد السلطات أنها بسلوك العنف والتعنت مع الاحتجاجات المحلية ستقوي موجة جديدة من الحراك قد يكون أنضج وأوسع أفقا من سابقه، وحينئذ قد يقال ولات حين مناص.