دعا النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة؛ عندما أعرضوا عن دعوته وحاصروه؛ إلى أن يخلوا بينه وبين الناس، ولكنهم لم يفعلوا، لأنهم يعرفون قوة حجته وجاذبيته وتأثيراته على قلوب الناس وعقولهم، ولو فعلوا ما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم تاركا وطنه حيث ضمه جبريل قائلا: اقرأ، وحيث دفنت الحبيبة خديجة سيدة النساء، وحيث ملأ تفكره وتحنثه أرجاء غار حراء… لكنها مشيئة الله، وهكذا هو شأن كل دعوة صادقة عبر تاريخ الأمم.

تألفت الجماعة الأولى في مكة، وصمدت صمود الصدق تحت سياط الأذى وضروب البغي، فانبهر العدو بتماسكها، وتميزها عن باقي المجتمعات، بل أصيب بالحيرة والذعر من تحملها وجلدها، ولم يكن هذا صدفة، بل كان نتاج التربية النبوية المتوازنة التي أدت مهمتها في صياغة إنسان جديد وجماعة صابرة محتسبة وقادرة على تحمل صدمات أقصى على درب الجهاد.

ورغم “أن عداء مكة وظروفها، وهيمنة الملإ عليها، وعدم التوازن والتكافؤ الكبيرين بين القوة الناشئة والجاهلية المسيطرة لا تسمح بمحاولة القومة المباشرة” 1، فقد لاح في الأفق القريب أن قيام دولة القرآن ممكنا بوجود رجالها ودعائم بنائها.

لكن “كان لا بد من أرض تحتضن هذا الوليد في ميلاده، وتحصنه من العدوان” 2 الغاشم، رغم أن هذه الدعوة “أرضيا” لا تشكل عددا، وليس لها من القوة والعتاد ما يعتد به، بل لا تعدو قوتهم أن تكون نقطة في بحر، كانوا مساكين حفاة عراة جياعا، لكنهم بشر ليسوا كباقي البشر، إنها الصياغة النبوية لبشر جديد.

فعلا إنها الصياغة النبوية لبشر جديد، فرغم مكر أهل مكة بالدعوة وسيطرة ملإها، فقد كان ذلك حافزا على اقتحام هذه العقبة الكؤود، لتحقق التربية النبوية مبتغاها وأهدافها، وكان أهمها تأليف الجماعة المتميزة في مكة، أو المجتمع المتميز، وما سمي متميزا إلا لتميزه بمميزات أهمها:

طالع أيضا   د. منار: من يحدثنا عن "تغيير السلطوية بشروط السلطوية" واهم وحالم

·    الثبات على الحق رغم الابتلاءات الشديدة، وشواهد ذلك كثيرة ومتنوعة في كتب الأخبار والسير.

·    كانوا يريدون وجه الله أولا ثم الآخرة، بذلوا الغالي والنفيس في سبيل إعزاز الحق وإبطال الباطل.

·    كانت لهم القدرة على تحمل جميع الصدمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية، بل كانت لهم القدرة على امتصاصها وتذليلها.

·    كانت لهم سعة الأفق بالتفكير في كيان مستقل يحتضن الدعوة ويمنحهم حرية الاعتقاد والدعوة إليه.

·    وأخيرا كانوا دعائم وحملة الدولة الجديدة التي بدأت ملامحها تلوح في الأفق القريب.

 لكن الشروط الموضوعية في ظل عدم التوازن والتكافؤ بين الجماعة الفتية وقوة الجاهلية المسيطرة، حال دون هذا التأسيس بمكة المكرمة مسقط رأس الحبيب صلى الله عليه وسلم، فكان من مصلحة الدعوة، ومن مصلحة المسلمين المضطهدين في عقيدتهم، والمضيق عليهم في أرزاقهم وفي التمتع بحرياتهم، كان من المصلحة البحث عن أرض وحضن ووطن جديد، يوفر المنعة والقوة والدفء والحرية، فكان قرار الهجرة، بما فيها الهجرة التدريبية إلى الحبشة.

هاجر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن معه تاركا الوطن والمال والعشيرة، فكانت هذه الهجرة إيذانا بمولود جديد اسمه الدولة الإسلامية، أو دولة القرآن الأولى، وكانت إيذانا بميلاد جديد للمسلمين في بيئة النصرة والأخوة والاستقرار، رغم ترك الأموال والأولاد والأوطان.

ولقد كانت الهجرة فيصلا وفرقانا، دُرئت به مفاسد كثيرة، وجُلبت به مصالح جمة، فكان الخير العام في العاجل والآجل.

كانت الهجرة انتقالا من ظلم العشيرة إلى عدل النصرة والمدينة، ومن فُرقة الأسياد والعبيد إلى مجتمع الوحدة على أساس عبادة رب العباد، ومن ضعف إلى قوة ومنعة، ومن ذلة إلى عزة… ومن سقيفة كيد الملإ والغواية إلى وثيقة العزة بالمدينة.

تعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عن قرب؛ على النسيج الاجتماعي المكون للبيئة الجديدة، فوجد ثلاث فئات يختلف أحوال كل منها اختلاف تباين وتنافر.

طالع أيضا  ساكنة زايو تنتفض بدورها ضد قرار التطبيع

لقد قام صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ببحث دقيق ومعرفة متفحصة لبنيات المجتمع الذي ازداد عدد سكانه بحدث الهجرة، وازدادت بذلك المطالب الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، وبدأ التفكير مليا في كيفية التعايش مع هذا الخليط المختلف عقيدة وتاريخا وغايات، وهذا بعض التفصيل لمكونات المجتمع المدني وبعض الإجراءات التي اُتخذت آنذاك…

يتبع…


[1] ياسين عبد السلام، القرآن والنبوة: دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى: 2010، ص: 77/78.
[2] المرجع نفسه، ص: 77/78.