بقلم: عز الدين ناصح

وقائع المحاكمات

أ‌)       وقائع الجلسة الأولى (الإثنين 23 يناير 1984)

ورغم أجواء الذعر والترويع التي عمت البلاد صبيحة اليوم الموالي للخطاب (الإثنين 23 يناير1984)، حضر أعضاء الجماعة إلى المحكمة لمساندة مرشدهم، حاملين أرواحهم على أكفهم ومتجردين من كل حول وقوة إلا من حول الله وقوته، وسارع رجال الشرطة بإدخالهم جميعا الى قاعة الجلسة وكان عددهم لا يتجاوز بضع عشرات، قصد التكتم على المحاكمة وطمس القضية ومحاصرة انتشار خبرها بين الناس والحد من تداولها الإعلامي.

وفي قاعة المحكمة جلس الإخوة في اكتظاظ وهدوء تام على مقاعدها، وقام الأخ عبد الرحمن فرح في غفلة من رجال الشرطة الذين امتلأت بهم قاعات المحكمة وممراتها، بالتقاط صور للحضور، وشاء الله عز وجل أن يراه رجل شرطة فقام بتوقيفه، وتم اعتقاله لما يقرب من شهر بالمفوضية الرئيسية للشرطة لسلا، وأفرج عنه يوم انعقاد الجلسة الثانية، يوم 23 فبراير 1984.

ودخل القاضي إلى القاعة وجلس على منصته وشرع في استعراض ملفات قضايا الجلسة، والمناداة على المتابعين… ونادى ‘ياسين عبد السلام’، فتدخل ممثل النيابة العامة وطلب تأجيل الجلسة بحجة أن الحالة الصحية للمتابع لا تسمح بإحضاره، وتدخل المحامون واحتجوا ونددوا بهذا الإجراء، وصرح أحدهم: “لقد سقط ميزان العدالة في المغرب بمحاكمة هذا الرجل…” وأجل القاضي الجلسة إلى فبراير 1984.

ب‌)  وقائع الجلسة الثانية (الخميس 23 فبراير 1984)

توجه الإخوة إلى المحكمة لمؤازرة مرشدهم المعتقل ومتابعة أطوار المحاكمة كما فعلوا في الجلسة الأولى، ولكن فوجئوا برجال البوليس يطوقون المحكمة ويمنعون الاقتراب منها، فوقفوا في هدوء ونظام على الرصيف المقابل للمحكمة، وطوقهم رجال البوليس وهم مزودون بهراوات غليظة من جميع الجهات. ولحظات بعد ذلك توقفت أمام باب المحكمة سيارة الأستاذ عبد الله الشيباني صهر الإمام وعلى متنها أهل الامام، وما أن توقفت السيارة حتى التف حولها رجال البوليس وهم يصرخون في وجه الأخ عبد الله الذي كان يحتج عليهم ويندد بفعلهم، فانهال بعضهم عليه ضربا حتى شجوا رأسه وبللت قطرات الدم معطفه، فإذا بالأستاذ عبد الكريم العلمي يخرج من صف المتجمهرين ويتوجه نحوهم يدفعهم عنه، فاعتقل الاثنان وتم اقتيادهما لمخفر الشرطة بسلا، كما اعتقل معهما ابن الإمام كامل ياسين، وعمره لا يتجاوز يومها العشرين سنة.

طالع أيضا  ذكرى جديدة على الإعفاءات المخزنية شاهدة

بعد ذلك بدأ البوليس يدفعون الإخوان ويفرقون جمعهم، وما أن ابتعدوا عن الشارع الرئيسي حتى انهالوا عليهم ضربا، فتفرق الإخوان وانتشروا في المناطق والساحات المجاورة للمحكمة. يحكي الدكتور حسن إزرال عن هذه اللحظة: “تجمع الإخوة حول المحكمة وقريبا منها وبموقف الحافلات القريب من المحكمة، وكانت تمر من هناك حافلات للسواح، وكان هؤلاء يستفسرون عن سبب تجمهر الإخوان، فيجيبهم الإخوان أن عالما من علماء المسلمين يدعى عبد السلام ياسين يحاكم من أجل كلمة الحق، فكنا نرى التعاطف منهم، وكان ذلك يزعج رجال الشرطة ويضايقهم…”

وكان كلما حاول الإخوان التجمع داهمتهم سيارات البوليس ثم يرتمي عليهم بوليس التدخل السريع ويضربونهم بهراواتهم الغليظة لتفريقهم، وفي إحدى هذه المداهمات ضرب أحدهم بهراوته الغليظة على ظهر أحد الإخوة فانكسرت الهراوة.

وبقي الأمر على هذه الحالة، كر وفر بين الإخوان والبوليس إلى أن بلغ الإخوان خبر أن الأستاذ أحمد الملاخ رحمه الله يطلب إليهم الانسحاب، فانسحبوا …

واعتقل في هذه الجلسة اثنان وسبعون عضوا أشبعهم البوليس ضربا ونكلا وألفاظا نابية والإخوة يرددون: “حسبنا الله ونعم الوكيل”، وبمخفر الشرطة وضع الإخوان بعد استنطاقهم في زنزانات مع متهمي الحق العام، ولكن بعد أن شرع الإخوان في التواصل معهم وتبليغهم سبب الاعتقال وخبر المحاكمة وعرفوهم بالجماعة، قام البوليس بعزلهم عنهم.

ج) وقائع الجلسة الثالثة (الجمعة 23 مارس 1984)

طوق البوليس المحكمة صباحا باكرا، وبكَّرت مجموعة من الإخوان إلى المحكمة فتم اعتقالهم، يحكي الأخ مصطفى السباعي عن هذا الاعتقال: “حضرنا باكرا إلى المحكمة لمتابعة أطوار المحاكمة، فأدخلنا البوليس فيلا المحكمة ثم اقتادنا إلى المفوضية الرئيسية للشرطة لسلا. وهناك تم إجلاسنا على الأرض على شكل نصف دائرة، ودخل وسطنا ضابط وسأل كل واحد منا: ‘كم مرة زرت عبد السلام ياسين؟’، فأجبته: ‘وأنت كم مرة زرت والديك؟’، فالإمام رحمه الله كان بمثابة أب لنا، يحمل همنا ويفرح لفرحنا ويألم لألمنا…”

طالع أيضا  رازين: متمسكون ببراءتنا والمقاربة الأمنية لن تجدي في إنقاذ المدينة من الوضع الاقتصادي المزري

أما غالب الإخوان فقد تجمعوا على الرصيف المقابل للمحكمة مثلما فعلوا في الجلسة الثانية وعددهم لا يتعدى المائة، فطوقهم البوليس وبدأ يدفعهم لتفريقهم فإذا بصوت نبع من وسط الإخوة يصيح “اجلسوا إلى الأرض”، فجلس الإخوة جميعا فتم اعتقالهم واقتيادهم إلى مفوضية سلا، وهناك تم استنطاقهم؛ يستوثقون من هويتهم ثم يطرحون عليهم أربعة أو خمسة أسئلة وزعت على ضباط الشرطة على عجل؛ ما مذهبك؟ كم مرة زرت عبد السلام ياسين؟ من طلب إليك حضور الجلسة…؟

وكان أحد الضباط يستنطق أحد الإخوان يسأله: ما دينك؟ يجيبه الأخ ديني الإسلام، فصرخ الضابط غاضبا وأعاد السؤال ثانية: أسألك ما هو دينك؟ فكرر عليه الشاب بهدوء تام: ديني الإسلام، فاستشاط الضابط غضبا وهو يكرر السؤال ويصرخ ويسب… إلى أن تدخل أحد الضباط وأوضح للأخ: يقصد ما مذهبك؟ كان الضابط يسأله عن مذهبه…

بعد الاستنطاق تم إنزال الإخوة، وعددهم 80 فردا، إلى “مرأب السيارات” وهو مرأب لا أبواب له، وكان اليوم شاتيا وشديد البرد، ووجدوا هناك الأستاذ محمد عبادي حفظه الله – وقد اعتقل بدوره – متوجها إلى القبلة في اطمئنان كامل يذكر الله عز وجل، فهَدَأ روعهم وسكن فزعهم، وطلب إليهم الأستاذ عبادي الجلوسَ إلى الأرض وذِكرَ الله عز وجل ففعلوا، ومع اقتراب صلاة الظهر أراد الإخوان صلاة الجمعة، ويحكي د. حسن إزرال عن هذه اللحظة: “أخبرهم سيدي عبادي أننا سنصلي الجمعة فقامت قيامة البوليس ودخلوا مع الإخوة في نقاش ليردوهم عن قرارهم هذا، وأفتى أحدهم ‘أن المسجون لا تجب في حقه صلاة الجمعة’، وبعد أخذ ورد صلينا الجمعة ظهرا”.

ومع اقتراب المغرب جمع الإخوان بعض المال لشراء ما يقتنون به طعام الفطور حيث كان أغلبهم صائما… وكان الأخ كامل ابن الإمام واقفا بالمدخل المطل على المرأب يطلب الالتحاق بالإخوان والبوليس يصده، ولم يبرح المكان وطالب بإدخال الطعام للمعتقلين، ففعلوا…

طالع أيضا  المرأة بين سقطة التطبيع وإعداد جيل التحرير

ومن طرائف هذا الاعتقال أن أحد الاخوة أعطى معطفه لأخ آخر ليتوسده عند النوم، وشعر هذا الأخير عند توسد المعطف بشيء ‘صلب’ داخل المعطف، ولما سأل صاحبه، أجابه إنه منبه اصطحبته معي ليوقظنا لصلاة الفجر… 

وصباح السبت 24 مارس تم الإفراج عن جميع المعتقلين، وكانوا ينصرفون أفرادا أو مثنى مثنى، وكان ضباط للشرطة ينتظرونهم أمام باب الخروج فيصرخون في وجه هذا ويهددونه و’ينصحون’ هذا ويحذرونه من العواقب، وحين خرج الأستاذ محمد عبادي حفظه الله التفوا جميعهم حوله يصرخون ويصيحون وهو يبتسم ويذكر الله، لا يبالي بهم ولا يرد.

وفي ماي 1984 صدر الحكم الابتدائي في حق الإمام بسنتين جسنا نافذا وغرامة مالية قدرها 5000 درهم، قضاها الإمام في “الذكر وقراءة القرآن، إذ كان يختمه في كل يوم، يبدأ في التهجد والتلاوة في غسق الليل وفي الأسحار قبل صلاة الفجر، مواصلا إلى ميقات الضحى، حيث يخلد قليلا إلى النوم، ثم يكمل برنامجه بعد الظهر، وعند إكمال ختم القرآن مع صلاة العصر، يكون له موعد مع الاستماع إلى الإذاعات الدولية باللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية والروسية التي كان يحسنها جميعا، ليتعرف على أحداث الساعة، مسجلا بين الفينة والأخرى في دفتره الذي لا يفارقه، ما يعن له من ملاحظات وأفكار، وذلك دأبه كل يوم وإلى صلاة العشاء، في صيام دائم، وفي هيام لا ينقطع بالتفكر في ملكوت الله والدار الآخرة” 1.


[1] “عبد السلام ياسين الرجل الأمة”، مقال لعبد الله لعماري نشر في موقع هسبريس (hespress.com)، 14 دجنبر 2012.