لم يتأفف منهم أحد على ما خلفه وراءه من حطام الدنيا، ولا تضجر مما لاقاه من عناء السفر وحر الشمس ولهيب الرمل، ولا من وحشة الطريق بسباعها وضباعها وعقاربها وجميع هوامها ولصوصها وقطاع طرقها، بل كان طيف الحبيب يحثهم على المسير فالموعد هناك.

لم يتأففوا من هذه الرحلة التي لم تكن عادية… بل اندفعوا يحملون قلوبهم بين أيديهم خوفا من أن يدنسها إنس أو شيطان أو مارد جان، حتى أنهم أخفوا مكنوناتهم عن أنفسهم ألذ أعدائهم حتى لا تميل فيكون إلى الأرض خلودهم، هاجروا وكان على الله أجرهم، وازداد إلى رسول الله كبَرا شوقهم، فما وهنوا وما استكانوا، وكانت رطبة بالذكر ألسنتهم.

هاجروا جميعا تاركين وطنهم وراءهم، وذكرياتهم وأرضهم وبساتينهم وأشجارهم المثمرة والوارفة الظلال، وتجارتهم وأموالهم، وأحلامهم التي قضوا الأعوام في نسجها وأحبابهم، هاجروا حفاة عراة جياعا وما كان ذلك ليحول دون تحقيق مبتغاهم، هاجروا شوقا إلى الكرامة والحرية لعبادة الله وحده صحبة خير العباد نبيهم.

هاجروا رضي الله عنهم وأرضاهم وكلهم شوق إلى الغد الذي تشرق فيه شمس الحرية، ويعودون إلى معانقة تراب أرضهم، يبكون على أطلالها وشعابها وُجدهم وشوقهم، فيطوًفون بالبيت العتيق خشعا شاكرين ربهم الذي من عليهم باللقاء بعد طول بَيْن بينهم.

وصمت كل ناعق جاحد حاقد بعد أن أخمد نوره نار الحقد والكراهية التي تأججت، فما كان منه إلا أن وحد الإله ولبى نداء في سورة بالجهاد بشرت، كل مستضعف في الأرض يئن تحت سياط الظلم والقهر أن آن أوان القصاص فسيرت قوافل جند الله كل على ثغره، فالزم ثغرها ولا تحذ عن لومها وإن صامت وصلت وبدا لك أنها أخلصت وتجملت…

اسأل الأسيف عنها، كان ثاني اثنين في الغار وما حاذ عن تأنيبها وتأديبها وإن هي محصت نصحه وبحبه تظاهرت، لم يترك لها فرصة مخافة أن يرحل قهرا، فتمنى لو كان طيرا يطير فيقع على الشجر ويأكل من الثمر وليس عليه عذاب ولا حجر، بل تمنى لو كان شجرا إلى جانب الطريق عليه البعير يمر فيأخذه ويلوكه ثم يزدرده فيخرجه بعرا، بل تمنى لو لم يكن بشرا 1.

طالع أيضا  ذ. الجوري: بلاغ وزارة التربية الوطنية حول أنماط التعليم غريب وغير مفهوم

يجثوا على ركبتيه ذلا وافتقارا، فتشوى كبده، فتشم رائحتها، وليست لشاة قد سلخت، وإنما خوفا وشوقا، وجلا من سلب بعد عطاء، وكيف يسلب من صدق الحبيب وبه العرب كفرت وكذبت سرا وجهرا؟

قدم ماله وأفناه كله، في سبيل الله ورسوله، فلاحت بشائر الرضى على جبين الحبيب وعلت، وتوردت خداه رضى بما صنع الصاحب: فاصنع ما شئت فأنت اللبيب فيك نزلت الآيات وبشرت، فليس عليك بعد اليوم لوم ولا عنت في كل حين وفجر وعصر.

واسأل ابن الخطاب إذ كان للإسلام عزا ونصرا، وقد كان له من كثرة البكاء خطان أسودان على خديه ظهرا، من شدة لومه لها “يا ليتني كُنتُ كبشَ أهلي سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم بعض من يحبون فذبحوني لهم فجعلوا بعضي شواء وبعضه قديداً ثم أكلوني ولم أكن بشراً!” 2.

واسأل عثمان بن عفان إذ وقف على شفير القبر يبكي: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيهما أصير 3.
واسأل عليا بن أبي طالب، البكاء الخائف الوجل من اتباع الهوى الذي يصد عن الحق وطول الأمل فينسي الآخرة، فشمر لما رآها قد ولت مدبرة، والآخرة مقبلة، أن كونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل 4.

واسأل أهل الصفة حين قربهم الحبيب وبذلك أُمر، وما كانوا طلاب دنيا، بل تركوها وراءهم بمكة مزهرة كالقمر، لو أرادوها لنالوا حظهم منها وهم شباب في أعمار الزهور، جذبهم حبه فما عادت تشبعهم زهراتها، لكن حبه كان قوت يومهم وزادهم فأحيا العروق فارتوت قلوبهم.

اسأل ذا البجادين عنهم إذا أردت أن تبلو أخبارهم مليا، خرج إلى الله تعالى وإلى رسوله مهاجرًا، فنال رضى الحبيب الذي حفر قبره بيديه الشريفتين بحضور الكبار أبي بكر وابن مسعود وعمر، وأخذه بين يديه وقد أمسى عنه راضيا، وطلب من ربه أن يكون عنه رضيا.

طالع أيضا  أسرار الصَّلاة(2).. عبودية "الله أكبر"

فتمنى الكبار لو كانوا أصحاب القبر لينالوا ما نال الفقير إلى ربه، تخلّى عن حياة الثراء ليُسلِم فنال ما فوق الثريا. كيف لا؟ وقد كان مع أصحابه لا يُشغلهم عن الله شاغل، بل كانوا على بابه سجدا وبكيا، يرجون رحمته ويخافون عذابه بكرة وعشيا.

تغيرت السماء وازينت، وتجملت المدينة وفاح نسيمها وتعطرت، وعم البشر كل مُحيا وبيت وزقاق، فكيف لا وعليه سلم الحجر والشجر وبه المدينة افتخرت، وقبائلها بعد سنون من الاقتتال والفرقة توحدت… طلع البدر بزغ الفجر عم البشر في أرض الله… ما أروعه من استقبال لقائد عظيم، لقائد استثنائي به الهواتف بشرت، هو عزاء كل مكلوم أضناه الفراق، وطبيب كل من حن إلى الأم الحنون والزوجة والولد ولين الفراش… هو الشفيع المشفع، بدوام الصلاة عليه كل مصيبة تهون وإن تعسرت.

واسأل الأرض والسماء والحجر والشجر، والجذع بكى لفراقه، فما سكن إلا بعد أن مسح عليه وبشر، “فاختار دار البقاء على دار الفناء” 5، حتى الغزالة وأولادها وهم زغب صغر، هاموا به وشغُفوا، فكيف كانت قلوب النساء والصغار ومن هم في الكبر؟ ألم تكن النظرة إليه حياة، والبسمة منه أمل، والكلمة منه هداية وضياء؟

فكيف بالمصافحة وتقبيل اليد الشريفة والعناق، اللهم سلم، اللهم سلم، اللهم سلم، دعاء الحبيب لأحبابه وهم يجتازون الصراط، أمتي أمتي ساجدا حامدا حين جُمع الجمع للموازين والقصاص، فانبرى أنا لها، فاستجيبت دعوته اشفع تشفع واسأل تعط فأنت المحمود عندنا.

هكذا كان الصحب في كل وقت وإذ يطلع عليهم بطلعته البهية مثل البدر ليلة التمام ويبشرهم باللقاء عند الحوض وورود الماء، ويحدثهم عن النصر والتمكين والفتح الكبير والطواف وتقبيل الحجر الأسعد والسعي بين الصفا والمروة وشرب ماء زمزم للارتواء، وفتح فارس وأخذ سوار كسرى وبلاد الروم وجميع الأنحاء، ولا يمل من ترديد: أبشروا بالحسنيين: نصر أو شهادة وكرامة من الله الحنان المنان الكثير العطاء.

طالع أيضا  الشعب المغربي بمختلف مكوناته يلبي نداء نصرة الأقصى وغزة في 19 مدينة

أحبهم فباذلوه حبا بحب، وسهر على راحتهم، وآخى بين الأنصار والمهاجرين فسرت روح المحبة بصحبة من صحب، وما بدلوا وما غيروا طمعا في الورود على الحوض هم والتابعون ومن تبعهم فأكرم به من جمع يوم التلاق! عند الحوض يتعارفون ويشربون من بعضهم حتى الارتواء، نظرات عشق وترياق.


[1] أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي، شعب الإيمان، حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي – الهند، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، الطبعة: الأولى: 1423 هـ -2003 م، ج: 2، ص: 227.
[2] نفسه، ص: 227.
[3] أبو نعيم الأصبهاني -أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزي، ص: 61.
[4] البخاري -محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، صحيح البخاري، دار ابن كثير، سنة النشر: 1414هـ / 1993م، ج: 5، ص: 2359.
[5] في حديث طويل رواه احمد والشافعي وابن ماجه وفي اسناده عند الجميع عبد الله بن محمد بن عقيل، قال النسائي: ضعيف، وقال ابو حاتم لين، وقال الترمذي: صدوق سمعت محمداً (يعني البخاري) يقول: كان احمد واسحاق والحميد، يحتجون بحديث ابن عقيل ملخصاً من الفتح الرباني 22/ 49.