مقدمة

1)    محنة تكشف معادن الرجال

2)    ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾؛ أحداث مزلزلة صاحبت محاكمة الأستاذ المرشد رحمه الله

3)    خطاب ملكي هز القلوب وبث الرعب في البلاد

4)    وقائع المحاكمات

أ‌)       وقائع الجلسة الأولى (الإثنين 23 يناير 1984)

ب‌)     وقائع الجلسة الثانية (الخميس 23 فبراير 1984)

ج)     وقائع الجلسة الثالثة (الجمعة 23 مارس 1984)

مقدمة

تعرضت جماعة العدل والإحسان منذ نشأتها لمحن كثيرة وابتلاءات متتالية، نال منها الإمام المرشد رحمه الله وأسرته الحظ الأوفر، فضيق وظلم واعتقل وحوكم وحوصر… وقد كان لهذه المحن دور كبير في بناء الجماعة وترصيص صفها، وفي صناعة رجالها ونسائها، كما كان لمواقف الجماعة آثارا جلية على السياسة الداخلية ونهج خيارات تضفي نوعا من ‘الانفراج المتحكم فيه’ على العمل السياسي بالمغرب وتسحب البساط من تحت أرجل المعارضة وعلى رأسها جماعة العدل والإحسان، وتُفشل ما بين أيديها من أوراق فاضحة لحقيقة الوضع السياسي بالبلاد كاشفة لعواره وثلومه.

وكانت أول محنة تعرضت لها الجماعة هي محنة اعتقال الإمام المرشد رحمه الله تعالى من بيته يوم 27 دجنبر 1983، أي سنتان وأربعة أشهر فقط بعد تأسيسها، وتم هذا الاعتقال خلال العطلة المدرسية الشتوية وبينما كانت الجماعة تعقد رباطها الوطني التربوي الثالث ببيت الأستاذ محمد العلوي رحمه الله بمراكش. واختفى الإمام لما يقرب من أسبوعين لا يُعرف له مكان ولا يُعلم له مصير؛ هل اعتقل وسيتابع قضائيا أو اختطف وسيتم إخفاؤه عن الأنظار والأسماع ويُطوى خبره، فقد كانت السنين “سنوات جمر ورصاص” كما يسميها المغاربة، وكانت كل الاحتمالات واردة…

بحثت أسرة المرشد والإخوان عنه في كل مكان إلى أن بلغهم أنه معتقل بسجن “لعلو” الرهيب بالرباط، وما أدراك ما سجن لعلو، نخرت رطوبته عظاما وكسرت قساوته إرادات ودمر جحيمه عقولا! وأُعلن أن سبب الاعتقال والمتابعة، الانتقادات اللاذعة التي وُجهت لبعض أعضاء الحكومة في العدد الأول من صحيفة الصبح الذي صدر في نونبر 1983، والتي اتخذت لها شعارا قوله عز وجل: إن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب.

   

                              صحيفة الخطاب                                   صحيفة الصبح     

يقول الإمام رحمه الله عن السبب الحقيقي للاعتقال: “كانت هذه الأشياء ذرا للرماد في العيون… فإن تعرضنا لوزير الأوقاف أو لوزير الصحة أو إلى بعض أعضاء الحكومة، لم يكن هذا ليُثير حفيظة الحكومة لولا أنه كانت ثمة حسابات سابقة كانوا يتربصون لتصفيتها فرصة ملائمة.

طالع أيضا  التطبيع في المغرب من الاتفاق إلى معوقات التنزيل

أُخبرت فيما بعد، من مصادر مطلعة على ما يجري وراء الستائر، أن السبب الحقيقي لاعتقالي يومئذ هو ما كنت كتبته في مجلة الجماعة بعنوان «قول وفعل» 1، وتعرضت في هذه المقالة لنقد شامل كامل للإسلام الرسمي… كنت كتبت هذه المقالة أتعرض فيها للرسالة الملكية، “رسالة القرن” 2 كما سميت، والتي يقال فيها، ويعلن فيها نية الحكم لتجديد الإسلام وإفساح المجال للدعاة إلى آخر ما في قاموس الإسلام الرسمي. صَدَرَت مقالتي هذه في مجلة الجماعة مواكبة للجوقة الرسمية التي كانت تبشر بالعهد الجديد، بعهد التجديد الإسلامي على يد النظام إلى آخر ما في ذلكم…” 3، وحٌدد موعد المحاكمة في يوم الإثنين 23 يناير1984.

1)    المحنة تكشف معادن الرجال

مثلت هذه المحنة تمحيصا مبكرا بالنسبة للجماعة الفتية، التي كان عدد أعضائها لا يتجاوز يومها بضع مئات وانتشارها على رقعة البلاد جد محدود، كانت كما قال الإمام رحمه الله: “في خطواتها الأولى، كانت معالم عملها وجوامع تنظيمها لا يزال فيها نوع من التفكيك، ونوع من الارتجال، ونوع من قلة الضبط، ونوع من الفضولية.” 4، ولكن، والحمد لله، قابل أغلب أعضائها هذه المحنة بثبات وصمود، وبصف متماسك متلاحم، كما كانت مناسبة لهم للوقوف على صدقية ما كان الإمام يخبر به كل وارد على الجماعة يومها؛ أن طريق الجماعة طريق التحدي والاقتحام والابتلاءات، وأن الانتماء للدعوة له ثمن، وأن سلعة الله غالية، وأن الثمن رضى الله…

ومثلت هذه المحنة المنحة وتحديات مرحلة المحاكمة الابتدائية التي استمرت من يناير إلى ماي، فرصة للصف الثاني من مسؤولي الجماعة وعلى الخصوص بمدينة الرباط، لتحمل المسؤولية واكتساب التجربة في المجالين التدافعي والحقوقي، إذ كان عليهم في تلك الفترة تدبير المرحلة في غياب جل أعضاء مجلس الإرشاد؛ فالأخ محمد بشيري رحمه الله اعتقل ومجموعة من الأعضاء بداية يناير بمدينة الدار البيضاء غداة توزيعهم لصحيفة الخطاب 5، والأخ فتح الله أرسلان وهو المسؤول عن عمل الجماعة بالرباط ونواحيها يومها، اعتقل هو أيضا وعضوان آخران تعسفا ثلاثة وثلاثين يوما بالمفتشية المركزية للأمن بالرباط في نفس الفترة، وأعيد اعتقاله مرة ثانية أواسط شهر أبريل صحبة الإخوة محمد العلوي وأحمد الملاخ رحمهما الله والأستاذ عبد الجبار لأزيد من أربعين يوما بمعتقل درب مولاي الشريف سيء السمعة بعد عثور المخزن على صور فوتوغرافية التقطت للإمام وهو في السجن في حوزتهم.

قام إخوان الرباط في غياب القيادة وعدم توفر الجماعة يومها على مؤسسة متخصصة بالمجالين الإعلامي والحقوقي، بتدبير هذه المرحلة رغم جنينية تجربتهم في هذا المجال، فاتصلوا بالعديد من المنابر الإعلامية كما اتصلوا بعدد من المحامين لمؤازرة الإمام، استجاب بعضهم وتهرب آخرون… ولما سألهم أحد من استجاب عن طبيعة الجانب الذي يرغبون أن تركز عليه مرافعات الدفاع، كان جوابهم: “هذه محاكمة سياسية وعلى المرافعات أن تركز على بُعدها السياسي”، فعلق قائلا: “إذن ستعملون على أن تحظى بزخم إعلامي واهتمام واسع من خلال تحريك الشارع أو الجامعات؟”، فلما سمعوا تعليقه أخذ الإخوان ينظر بعضهم إلى بعض ويقلبون أيديهم، وأجابه أحدهم بأن الجماعة حديثة النشأة وعدد أعضائها قليل جدا ولا قدرة لهم على القيام بما استفسر عنه…

طالع أيضا  آثار التطبيع على المجتمعات العربية والإسلامية.. موضوع ندوة الأربعاء القادم

وفي نفس الفترة وفي جنح الظلام بعيدا عن أضواء العاصمة والمدن الكبرى، وفي ظروف شطط وبطش وطغيان سافرة، وفي غياب هيئة دفاع تؤازر المتابع بجد وصدق، حُكم الأخ سعيد الغنيمي من مدينة الصويرة 6 لكونه وزع صحيفة الخطاب، وصدر في حقه حكم ظالم قاس بــ5 سنوات سجنا نافذا 7.

2)    إن الله يدافع عن الذين آمنوا (أحداث مزلزلة صاحبت محاكمة الأستاذ المرشد رحمه الله)

وأياما قبل موعد انعقاد المحاكمة، وبتزامن مع انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي (16-19 يناير 1984) بمدينة الدار البيضاء والذي كان يحظى بتغطية إعلامية عالمية واسعة، شاء الله عز وجل أن تندلع انتفاضة شعبية تلقائية سميت انتفاضة “الخبز8، بسبب ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية… وعمت الاحتجاجات والمظاهرات العديد من مدن المغرب، وبلغت ذروتها بمدن الشمال والشمال الشرقي (الناظور، بركان، الحسيمة، تطوان…) وكذا مراكش، وقوبلت هذه التظاهرات باعتقالات واسعة وعنف فظيع وقمع مريع استَعمل فيه الجيش الذي أُمر بالنزول إلى الشوارع، الرصاصَ الحي، فسقط قتلى وجرحى من شباب المغرب ورجاله لا يعلم عددهم إلا الله، واعتُقل آلاف الشباب من التلاميذ والطلبة والعمال والحرفيين… وقُدم المئات منهم إلى المحاكمة.

أصاب المحامي الذهول وطرق يسأل الإخوان: “بالله اصدقوني القول، ألستم وراء ما يحدث، فالذي سألتكم إياه حدث!!! فكيف تمكنتم من هذا؟”، وتخافت الإخوان فيما بينهم إن الله يدافع عن الذين آمنوا، ورددوا الحديث القدسي الذي طالما تدارسوه في مجالسهم: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب…)

3)    خطاب ملكي بث الرعب في القلوب والذعر في البلاد

ومساء الأحد 22 يناير 1984، أي ليلة المحاكمة، ألقى الملك خطابا حاد النبرة شديد اللهجة، استعمل فيه الدارجة 9، وقال فيه: “وْصْلنا لهادْ الحْد!!!”، فهدد فيه شباب الشمال ونعتهم بـــ “الأوباش العاطلين اللي عايشين بالتهريب والسرقة…” وتوعد رجال التعليم واتهمهم بتحريض تلامذتهم على الاحتجاج، وقال: “الناس ديال الشمال راهْ عرفوا ولي العهد واحْسْنْ ما يعرفوش الحسن الثاني فهاذ الباب…”، كان زمنها حين يغضب الملك يمتلك الرعب المغاربة وتنتشر الرهبة في البيوت…

طالع أيضا  كتاب حوار الماضي والمستقبل: القضايا والإشكالات

وفي نفس الليلة بعد الخطاب، اجتمع ببيت الحاج إبراهيم الشرقاوي رحمه الله عدد من الإخوة منهم الأخوان محمد بشيري رحمه الله وعبد الواحد المتوكل، والأخ إبراهيم عبدلة، كما حضره الشيخ الحمداوي رحمه الله رئيس جماعة الدعوة والتبليغ بالمغرب، بالإضافة إلى رئيس جماعة إسلامية بالمغرب، والأستاذان المحاميان محمد زيان والعربي بلخيلية.

ويحكي الأخ إبراهيم عبدلة عن هذا المجلس: “تكلم في البداية رئيس الجماعة الإسلامية فقال: ‘اسمعوا، المخزن قد كشر عن أنيابه تجاهكم، وهي أطول من الجزر، فلهذا أنصكحم ألا تحضروا المحاكمة غدا’، ورد عليه ذ. بشيري رحمه الله: “نسمع لرأي الإخوة في المسألة”، تدخل ذ. بلخيلية وقال: ‘جئنا لنحضر فسنحضر’، وأكد الباقون استعدادهم لحضور المحاكمة، وتدخل الشيخ الحمداوي رحمه الله وقال: ‘التولي يوم الزحف من الكبائر’، ثم تدخل الأستاذ زيان وقال: “إن كنتم ‘مْـحْزْمين’ بالرجال فاحضروا، وإلا فلا داعي للحضور”، واتفق الجمع في الأخير على الحضور.”

وكان الإمام رحمه الله عز وجل من قلب سجن لعلو يشجع الإخوان على حضور الجلسات وكسر حاجز الخوف الذي كان يراهن عليه المخزن كعامل أساسي لإخضاع الناس لإرادته وتحطيم الإرادات الحرة … وكان كثيرا ما يكرر مقولة (الحقوق تنتزع ولا تعطى).

يتبع الجزء الثاني قريبا…


[1] رسالة تحليلية نقدية نشرها في افتتاحية العدد العاشر من مجلة الجماعة في يونيو 1982، ثم طبعت مستقلة فيما بعد بعنوان “قول وفعل، أو رسالة القرن الملكية في ميزا الإسلام”..
[2] رسالة وجهها الملك الحسن الثاني مطلع القرن الخامس عشر الهجري لزعماء ورؤساء الدول العربية غداة الثورة الإيرانية، للاطلاع عليها انظر موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية (habous.gov.ma).
[3] حوار شامل مع الأستاذ عبد السلام ياسين، عبد الكريم العلمي ومنير ركراكي.
[4] المصدر السابق.
[5] تمت محاكمتهم وإدانتهم بسنتين إلى 8 أشهر ابتدائيا، خففت إلى 3 أشهر نافذة بعد الاستئناف صدر العدد الأول والأخير لصحيفة الخطاب في يناير 1984.
[6] تقع مدينة الصويرة على بعد 450 كم جنوبا من الرباط العاصمة.
[7] انظر كتاب “عبد السلام ياسين الإمام المجدد”، العربي أبو حزم، مطابع إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2018م، ج2، ص201.
[8] انظر: انتفاضة_1984_بالمغرب/ar.wikipedia.org/wiki.
[9] انظر الخطاب على الرابط:  youtube.com/watch?v=kpzRMjhLC3k.