بقلم: إبراهيم أخساي

رفض التطبيع لأسباب عقدية

شئنا أم أبينا فالبعد العقدي للصراع بين الكيان الصهيوني والمسلمين لا يمكن إخفاؤه أو تجاهله، فاليهود ينطلقون من مرجعية دينية لتبرير احتلالهم للأرض الفلسطينية، “فشرعية الدولة اليهودية مستمدة من التشريع الإلهي وبالتالي اعتبار قيام الدولة تحقيقا للنبوءات الدينية”ref]الأصولية الإنجيلية أو الصهيونية المسيحية والموقف الأمريكي، محمد السماك، الطبعة الأولى 1991، ص123.[/ref].

بل حتى اصطفاف أمريكا لجانب الكيان الصهيوني لا يمكن تبريره بأسباب اقتصادية أو بأن اللوبي اليهودي يتحكم في السياسة الخارجية الأمريكية فقط، فالسبب راجع إلى تشبع جل الأمريكيين بالجذور الدينية للمسيحية في شقها البروتستانتي، أو ما يسمى بالصهيونية المسيحية التي تؤمن بعودة اليهود إلى فلسطين لبناء هيكل سليمان، كشرط لنزول المسيح الذي سيحكم الألفية الثالثة.

“تعتقد الصهيونية المسيحية أن ثلاث إشارات يجب أن تسبق عودة المسيح، الإشارة الأولى هي قيام إسرائيل، الإشارة الثانية هي احتلال مدينة القدس لأن منها سيحكم المسيح العالم، والإشارة الثالثة إعادة بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى” 1.

وقد “انطلقت الصهيونية كحركة سياسية تقول بإقامة وطن يهودي في فلسطين من الكنيسة المسيحية (البروتستنتية) واستمرت زهاء ثلاثمائة عام قبل أن يعقد المؤتمر الصهيوني اليهودي الأول في “بال” في سويسرا في العام 1897″[ref]الأصولية الإنجيلية ص 16.[/ref].

فالمهاجرون الأوربيون إلى أمريكا حملوا معهم عقيدة مسيحية مخترقة بالمبادئ والعقائد اليهودية؛ فقد “حمل البروتستانتيون البريطانيون الذين هاجروا من بريطانيا إلى أمريكا عقيدة (رؤيا صهيون) التي تقول بأن (مملكة الله الثانية) ستنشأ على جبل صهيون آخر الزمان وتستمر لألف عام… اعتبروا موطنهم الأمريكي الجديد (إسرائيل) جديدة” 2.

ولهذه الاعتبارات العقدية يرى الإمام عبد السلام ياسين أن “الدولة اليهودية هناك في أمريكا، ويغلط الناس حيث يظنون الكيان الصهيوني في فلسطين أداة سياسية عسكرية في يد الدولة العظمى تؤمن بها مصالحها. الناظرون في العمق يدركون أن العكس هو الصحيح. الدولة العظمى دولة مسكونة، سكنتها الروح اليهودية من قديم، فهي تحركها وتقيمها وتقعدها على الوتيرة التي تشاء، وفي الاتجاه الذي تشاء، وبالمقدار الذي تشاء، وفي الزمن الذي تشاء3.

أمريكا وإسرائيل وجهان لعملة واحدة، وهذا ما يفسر تلك المساندة الأمريكية اللامشروطة والمطلقة للكيان الصهيوني، إلى درجة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

البعد العقدي حاضر في الحركة السياسية الصهيونية بشقيها اليهودية والمسيحية، فكيف يستبعد المسلمون هذا البعد في صراعهم ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين؟
بالرجوع إلى القرآن الكريم الذي يعتبر الأساس العقدي والإيماني للمسلمين، نجد أن الله تعالى قد أخبر في آيات عديدة عن حقيقة اليهود وحذر من اتباعهم والركون إليهم، ففي سورة الإسراء بين سبحانه أن اليهود سيفسدون في الأرض وسيعلون علوا كبيرا، وأن الغلبة في الأخير ستكون لعباد الله المؤمنين، قال تعالى: فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا 4، قال عز وجل محذرا من ولايتهم: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين 5.

من خصائص اليهود الإفساد والعلو في الأرض والعداء للمسلمين، فكيف يتم التطبيع مع كيان مارس الإفساد والعداء على الأرض الفلسطينية ودنس الأماكن المقدسة والمباركة لدى المسلمين وتطاول على المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والذي يعتبر الرمز الذي يعطي للصراع بعده العقدي، فقلوب المسلمين تحن إلى تحرير هذا المسجد وزيارته وتطهيره من دنس الصهاينة المحتلين. وعد الله بدخول المسجد الأقصى واضح وبين، و”وعد الآخرة” إشارة ربانية إلى طبيعة الصراع واتجاهه وغايته.

طالع أيضا  نموذج تنموي جديد لإعادة تدوير الوضع القديم!

لكن التطبيع يسير عكس الإخبار الرباني والبشارة الإلهية بدخول المسجد، ويزيد الصهاينة قوة ونفوذا ومالا للإفساد في الأرض ونشر الكراهية والعداوة، لذا فهو مرفوض لأنه انهزام أمام ظلم وجبروت هذا الكيان، وقبول بشروطه وإملاءاته، ومنها صفقة القرن التي تريد تهويد القدس وجعله عاصمة للدولة الصهيونية.

التطبيع خذلان للقضية الفلسطينية

التطبيع يضر بالقضية الفلسطينية عكس ما يدعي دعاته والمطبلون له؛ فهو إنهاء لها بما يتوافق مع المشروع الصهيوني في المنطقة، فهو “سلام” وفق الطرح الصهيوني الأمريكي الذي لم يكلف إسرائيل ولو شبرا واحدا من الأرض الفلسطينية، وهو قبول بإعطاء الشرعية لكيان غاصب استعماري عنصري.

وبهذا القبول تبخر الحلم الطرف الفلسطيني الرسمي بحل الدولتين، ورجوع حوالي ستة ملايين فلسطيني إلى أرضهم ووطنهم، وفك أسر المعتقلين، بل هو اعتراف بضم القدس وتهويدها، كما أنه لا يضم أي ضمانة لمنع الوحش الصهيوني من ابتلاع باقي الأراضي وطرد وقتل الفلسطينيين.

كما أن التطبيع يعطي فرصة للكيان العنصري ليستفرد بالشعب الفلسطيني بعد عزله عن عمقه، وإضعاف قيادته، والتحكم فيها، أو محاصرتها وتصفيتها بالقتل والنفي إن هي رفضت الاستسلام والرضوخ لإملاءاته وشروطه.

دعاة التطبيع يدعون أن الاعتراف بالدولة اليهودية والدخول معها في اتفاقيات هو في صالح القضية الفلسطينية ويخدم السلام في المنطقة، وهو ادعاء يكذبه الواقع الفلسطيني حيث تهويد القدس مستمر، والشعب الفلسطيني محاصر، والجرافات الصهيونية تدك المنازل على أصحابها وتستولي على أراضي جديدة.

أما السلام والمصلحة الفلسطينية فما هي إلا كلمات تدبج بها الاتفاقيات للاستهلاك الإعلامي والضحك على الذقون فحسب، ليبقى خيار مواجهة التطبيع، وفضحه وإفشال مخططاته، خطوات ضرورية تصب في نصرة المستضعفين وتقديم الدعم والمساندة للشعب الفلسطيني المقاوم والثابت على خيار المقاومة.

 سراب التنمية الاقتصادية الموعودة

يظن البعض، سذاجة أو قلة تبصر أو مكرا، أن التطبيع مع الكيان الصهيوني سيفتح أبواب التنمية الاقتصادية والرخاء والاستثمار أمام البلدان المطبعة، وفي حقيقة الأمر ما هو إلا سراب ووهم. فالكيان الصهيوني لا يمكن أن يقبل بوجود دولة قوية اقتصاديا ومتماسكة اجتماعيا ومستقرة سياسيا، فبالأحرى أن يساهم في وجودها. العقلية الصهيونية تريد أوطانا ضعيفة ومفككة لخدمة مشروعها الاحتلالي والعنصري.

طالع أيضا  من الكلمة الطيبة إلى العمل الطيب

والتطبيع الاقتصادي جزء من استراتيجية الدولة الصهيونية لفك العزلة عنها ولقطع الطريق على كل مبادرة تروم وقف أهدافها الاستعمارية في المنطقة. فـ “المضمون الاقتصادي للمشروع الإسرائيلي هو هدف هذا المشروع وجائزته الكبرى، وهو في الفكر الإسرائيلي ضرورة لتعزيز السلام بقدر ما هو حاجة من احتياجات الاقتصاد الإسرائيلي” 6.
وللذين يتوهمون أن التطبيع سيأتي بإقلاع اقتصادي للوطن، فلهم في الدول التي سبقت إلى التطبيع خير مثال، إن لم نقل شر مثال، على أنهم خاطئون في توهمهم، فمصر والأردن بلدان سبقتا إلى التطبيع، مصر في سنة 1978م والأردن سنة 1994م، ولكنهما لم يحققا أي إقلاع اقتصادي أو ازدهار تنموي، بل أصبحتا سوقا للبضائع والسلع الإسرائيلية، ومصدرا للثروات التي يحتاجها الكيان الصهيوني.

فحسب العديد من الدراسات والأبحاث التي أجريت حول التطبيع المصري – الإسرائيلي فقد تم رصد سلبيات عديدة على الاقتصاد المصري، فمثلا بعد أن كانت مصر تتصدر قائمة الدول المصدرة للأرز طويل التيلة اضطرت في 1992 إلى استيراده من إسرائيل، كما انخفضت نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح والذرة والأرز، كما أن البذور الإسرائيلية تسبب بوار الأرض وعدم صلاحيتها للزراعة لعدة سنوات، كما سجلت هذه الدراسات سرقة المياه المصرية ومحاولة حصار مصر من الجنوب بإقامة السدود في أثيوبيا بالإضافة إلى محاولات عديدة لاختراق الأمن المصري وتشجيع النعرات العرقية والطائفية 7

أما الأردن فلم يستفد أي تطور اقتصادي من التطبيع ويقبع في ذيل الدول المهددة بالعطش لقلة المياه، والأمن المائي شرط ضروري لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

إن التطبيع الاقتصادي هو تجسيد لمقولة اجتماع المال العربي مع العبقرية الإسرائيلية الرائجة لدى الكيان، وهو اجتماع في صالح الطرف القوى، كما أنه استنزاف للثروات الوطنية للبلدان المطبعة.

هو اختراق ثقافي وفكري يهدد القيم والأخلاق

من أهداف التطبيع تغيير نظرة الشعوب للكيان الصهيوني ليصبح وجوده أمرا عاديا طبيعيا لا يثير أي رفض أو عداء أو استنكار، وهذا لا يتأتى إلا باختراق منظومة القيم والأخلاق لدى الشعوب الإسلامية. ولن يعدم الكيان الصهيوني الوسائل لتحقيق ذلك وهو المتمرس في إفساد القيم والأخلاق. 

فخطورة التطبيع أن الكيان المحتل يريد طمس القيم التي تفضحه، فيصبح سحق شعب كامل، وحصاره، مستساغا مقبولا، ويصبح المجرم المحتل للأرض صديقا يطلب وده، بدلا من محاكمته على جرائمه.

والتطبيع الثقافي يعتبر من مضامين المشروع الإسرائيلي، فهو “يمثل الدعامة الرئيسية لبناء السلام في المنطقة من وجهة النظر الإسرائيلية، وهو العامل الحاسم على المدى البعيد، فالصراع يوجد في وعي الشعوب قبل أن ينتقل إلى الواقع، والمطلوب ببساطة هو نزع العداء من العقل العربي استكمالا لمحاولة نزع السلاح من اليد العربية وهي المهمة التي يتكفل بها التطبيع السياسي والأمني” 8

وقد بين الكاتب محسن عوض محاور الهجوم الفكري الصهيوني ولخصها في ثلاث محاور رئيسية؛ المحور الأول هو محاولة تصفية مصادر أو منابع العداء في الفكر السياسي العربي، ومحاولة تفتيت الطابع “السلبي” السائد في الإيديولوجيات السائدة في المنطقة تجاه إسرائيل والصهيونية. المحور الثاني هو خلق قاعدة فكرية للتواصل مع بعض القوى الفكرية والسياسية القائمة في الوطن العربي. أما المحور الثالث فهو محاولة خلق قاعدة ارتكاز لتحالف محتمل مع الأقليات الدينية والعرقية في الوطن العربي. 9

طالع أيضا  الكمال الخلقي عند الإمام: كمال في الدين وأساس للدعوة

ولتحقيق هذا الاختراق ونزع العداء من العقل العربي، فهو يستهدف البرامج التعليمية والإعلامية، وصناعة نخبة مثقفة تابعة له، ومحاصرة المرجعية الدينية للمجتمع، وقطع الصلة بين الشباب ودينهم الإسلامي، وتقديم القرآن الكريم على أنه كتاب إرهاب وعنصرية لما يضمه من كلمات الجهاد والتكفير ونعت اليهود بصفات الغدر والخيانة والكذب والشرك، ليتم منع وحذف الآيات القرآنية التي تتحدث عن اليهود من البرامج التعليمية وحشوها بالحديث عن السلام والتعايش مع اليهود، وكذلك بإعداد برامج وأفلام إعلامية مشتركة، تنشر قيم الميوعة والانحلال الأخلاقي والفواحش والسطحية.

ومن وسائل الاختراق ربط الصلة مع الأقليات الدينية والعرقية بالبلدان المستهدفة، فما بالك إذا كان هذا البلد يتوفر على أقلية يهودية اختار الجزء الأكبر منها الهجرة إلى فلسطين والمساهمة في بناء دولة صهيونية عنصرية استعمارية، ويحنون الآن لزيارته والاستثمار فيه وهم مشبعون بفكر عنصري صهيوني، أكيد أنهم يعتبرون حلقة وصل لإنجاح المشروع الصهيوني في المنطقة.

للتطبيع، إذن، واجهات كثيرة أشدها وأخطرها استهداف قيم المجتمع وأخلاقه ودينه والتزام شبابه بقيم العدل والحرية والشرف والأمانة ونصرة المظلوم، وهذا لا يتأتى الا بالتدخل في الشأن الداخلي للبلدان لتغير مناهجها التعليمية وبرامجها الإعلامية مع العلم أن الكيان الصهيوني يشجع العنصرية والعداء والحقد في مناهجه وإعلامه ضد الفلسطينيين والمسلمين.

لهذه الأسباب كلها ولغيرها لا يسع الإنسان العاقل الغيور على دينه وقيمه وعقيدته ووطنه وإنسانيته إلا أن يرفض هذا التطبيع الذي يهدد استقرار الوطن ووحدته وانسجامه قبل أن يهدد مصلحة الشعب الفلسطيني المقاوم، كما أنه فرصة لاجتماع شرفاء وعقلاء ومناضلي الوطن، مهما كان انتماؤهم وفكرهم وعقيدتهم ليقفوا في خندق واحد وليعبروا عن رفضهم للتعامل مع هذا الكيان الاستعماري العنصري وليفضحوا هذا التطبيع دفاعا عن الوطن.


[1] الأصولية الإنجيلية ص85.
[2] سنة الله، الإمام عبد السلام ياسين، الطبعة الثانية 2005، ص 127.
[3] سنة الله ص 126.
[4] سورة الإسراء آية 7.
[5] سورة المائدة آية 51.
[6] الإستراتيجية الإسرائيلية ص 28.
[7] مجلة فلسطين المسلمة، العدد السابع، يوليوز 1995.
[8] الإستراتيجية الإسرائيلية، ص 42.
[9] نفس المصدر ص 47.