أصدرت لجنة حماية الصحفيين “Committee to Protect Journalists المعروفة اختصاراً بـ ” CPJ”  تقريراً عن وضع الصحافة وحرية التعبير بمنطقة شمال افريقيا والشرق الأوسط في عشر سنوات مرّت على انطلاقة الربيع العربي سنة 2011.

ورصدت المنظمة في التقرير الذي أصدرته قبل أيام، وأعده كل من جاستن شيلاد وإغناثيو ميغيل ديلغادو وم. الحايس وشريف منصور، وجود “أكثر من 27  صحفياً محتجزاً في السجون المصرية، وبهذا العدد من الصحفيين المحتجزين باتت مصر إحدى البلدان التي تسجن أكبر عدد من الصحفيين في العالم” رغم أنها أشهر بلد عرف به الربيع العربي

التقرير سجل أن بلدان عديدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا “قد اتّبعت” المسار الذي بدأته مصر. فبعد عشر سنوات من انطلاق ثورات الربيع العربي، لم تثمر الثورات التي طالبت بإصلاحات ديمقراطية إلا عن مزيد من القمع الحكومي في البحرين والجزائر والمغرب وبلدان أخرى. وكان لهذا التفجر التاريخي للثورات “نتائج عميقة ومتنوعة ما زالت تتطور، وقد تركت أثرها على حرية الصحافة وجعلت مهنة الصحافة المهنة الأكثر فتكاً وخطورة على مزاوليها المحليين وعلى المراسلين الأجانب في المنطقة على حدٍ سواء.

المنظمة وثّقت سبعة اتجاهات تم استخدامها من طرف السلطات على امتداد العقد المنصرم في مختلف بلدان المنطقة، منها “وسائل جديدة وأخرى تقليدية لإسكات التغطية المستقلة واستهداف الصحفيين بصفة فردية”، وفيما يلي عرض لهذا الاتجاهات:

تجريم العمل الصحفي

خلال السنوات العشر الأخيرة، لجأت حكومات المنطقة وعلى نحو متزايد إلى توجيه اتهامات بنشر “أخبار كاذبة” واستخدام القوانين المتعلقة بمناهضة الدولة وممارسة الإرهاب، بدلاً من قوانين النشر والإعلام. وتتصدر مصر قائمة دول العالم في سجن الصحفيين بتهمة نشر أخبار كاذبة. ويفرض قانون مصري سُنَّ عام 2018 عقوبات على المطبوعات التي تنشر “أخباراً كاذبة” بتغريمها أو تعليق صدورها.

وفي المغرب، يضيف التقرير، كثيراً ما يُعاقَب الصحفيون “على خلفية اتهامات مرتبطة بقانون مكافحة الإرهاب أو غيرها من التهم الجنائية انتقاماً منهم بسبب عملهم“. وقد اعتقلت السلطات المغربية منذ عام 2016 صحفيين محليين على خلفية اتهامات بمناهضة الدولة بسبب تغطيتهم للاحتجاجات المناوئة للحكومة في منطقة الريف في شمال البلد، حسبما وثّقت لجنة حماية الصحفيين (ورحّلت المغرب صحفيين أجانب كانوا يعملون على هذا الموضوع). وفي عامي 2019 و2020، اعتقلت السلطات ما لا يقل عن ثلاثة صحفيين يعملون في وسائل إعلامية مستقلة بتهم إضعاف أمن الدولة والاغتصاب والإجهاض غير المشروع، فيما تحقق السلطات مع صحفي معتقل آخر إذ تتهمه بممارسة غسيل الأموال، ودون أن تقدم دليلاً مناسباً، حسبما وثّقت لجنة حماية الصحفيين.

طالع أيضا  الكلمة الجارحة (قصة من الواقع)

وفي أواخر عام 2019، أدت التظاهرات المناوئة للحكومة في الجزائر إلى الإطاحة بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي مارس رقابة شديدة على الصحافة. بيد أن خليفته، عبد المجيد تبون، عمَد هو الآخر على ملاحقة الصحفيين، إذ سجنت السلطات صحفييّن اثنين بموجب قوانين مناهضة الدولة، بحسب الإحصاء الذي أجرته لجنة حماية الصحفيين سنة 2020 لعدد الصحفيين السجناء.

مراقبة الصحفيين والقنوات الإعلامية

في أعقاب تظاهرات عام 2011 التي هزّت المنطقة، ضاعفت السلطات من جهودها لمراقبة أنشطة الصحفيين وغيرهم ممن ترى أنهم يشكلون تهديداً محتملاً لسلطتها. وقد استقدمت الحكومات خبراء في المراقبة من الولايات المتحدة من أجل تطوير بناها التحتية للمراقبة وتعاونت مع الحلفاء ومع أعداء الأمس، ك”إسرائيل”، من أجل بيع وشراء تقنيات المراقبة، حسبما وثّقت لجنة حماية الصحفيين.

وأصبحت الإمارات العربية المتحدة المركز الإقليمي للمراقبة؛ حيث يُزعم أن مسؤولين حكوميين استخدموا تقنيات من مجموعة ’إن إس أو‘ (NSO Group)، وهي شركة تتخذ من كيان الاحتلال مقراً لها، ضد صحفيين لهم صلات بقطر، فيما أنشأت الإمارات العربية المتحدة أداة مراقبة بمساعدة من موظفين حكوميين سابقين في الولايات المتحدة، حسبما وثّقت لجنة حماية الصحفيين في ديسمبر 2020 ويناير 2019، على الترتيب. 

ويُشتبه كذلك في قيام حكومات أخرى في المنطقة باستخدام برمجيات خبيثة في استهداف الصحفيين. وذكر تقرير المنظمة ضمن الحالات التي ينبغي متابعتها اعتقال مراسل موقع ’لو ديسك‘ (Le Desk) المغربي عمر راضي بتهمة مناهضة الدولة في عام 2020. حيث ذكرت منظمة العفو الدولية أن السلطات المغربية استخدمت تقنيات إسرائيلية لاختراق هاتفه في السنة التي سبقت اعتقاله، الأمر الذي أنكرته السلطات المغربية. وكذلك اعتقال الصحفي المغربي والمناصر لحرية الصحافة المعطي منجب، الذي أفادت منظمة العفو الدولية بأنه استُهدف بمحاولة لتثبيت برمجيات خبيثة على هاتفه.

سجن الصحفيين

لغاية دجنبر 2020، قال التقرير أن هناك “89 صحفياً سجيناً في 10 بلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو أعلى رقم تسجله المنطقة منذ أن بدأت لجنة حماية الصحفيين بإحصاء أعداد الصحفيين السجناء سنة 1992″. ومعظم هؤلاء الصحفيين محتجزون على خلفية اتهامات تتعلق بمناهضة الدولة ونشر أخبار كاذبة؛ فيما يُحتجز كثيرون آخرون دون توجيه أية اتهامات ضدهم”، ففي مصر، تُوجَّه لمعظم الصحفيين المحتجزين اتهامات، ولكن لا تصدر بحقهم أحكام بل تستمر السلطات في اعتقالهم لشهور أو سنوات بانتظار محاكمتهم.

وتستخدم السلطات احتجاز الصحفيين كأسلوب لمنع تغطية القضايا السياسية وانتهاكات حقوق الإنسان ولإسكات صوت تلك التغطية وتكميم الأفواه المعارضة. وتلجأ هذه السلطات إلى السجن أيضاً لقمع تغطية أية اضطرابات؛ إذ جرى اعتقال صحفيين في مصر والبحرين وسوريا أثناء توثيقهم لأحداث الثورات.

الرقابة على الإعلام الإلكتروني

استخدمت السلطات في عدة بلدان قوانين جديدة ومبهمة للرقابة بهدف فرض قيود على الإعلام الإلكتروني، الأمر الذي وثّقته لجنة حماية الصحفيين. ويُعد حجب المواقع الإلكترونية أمراً شائعا في المنطقة؛ ففي الأردن، حجبت السلطات مواقع إلكترونية بزعم افتقارها للتسجيل المناسب؛ وفي مصر والجزائر، حُجبت مواقع إلكترونية بزعم نشرها “أخباراً كاذبة”، كما حجبت السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين مواقع إلكترونية تمولها قطر.

ولا تقدم السلطات دائماً تفسيراً أو تعطي تنبيها قبل حظر المواقع؛ وفي عام 2017 حجبت السلطات المصرية مواقع إخبارية دون إشعار مسبق؛ وفي الجزائر لم تعلن أية هيئة حكومية سنة 2020 عن مسؤوليتها عن حجب المواقع.

بيئة فتاكة للعمل الصحفي

طالع أيضا  الفئات التعليمية والطلبة المهندسون يواصلون الاحتجاج في الرباط.. والمنع والقمع يطالهم

منذ انطلاق ثورات الربيع العربي، أدت النزاعات في مختلف أنحاء المنطقة إلى زيادة خطورة التغطية الإعلامية ومن ثم زيادة حادّة في أعداد الصحفيين الذين قتلوا أثناء أدائهم لعملهم. وحسب تقصيات لجنة حماية الصحفيين، قُتل 154 صحفياً منذ عام 2011 من جراء نيران متقاطعة أو خلال تغطيتهم للأحداث في مهمات خطرة في اليمن وسوريا والعراق. ويمثل هذا الرقم أكثر من نصف العدد الإجمالي للصحفيين الذين قُتلوا في العالم كله (258) وسط مثل هذه الظروف وخلال الفترة نفسها.

جرائم القتل المستهدفة والإفلات من العقاب

وشهدت المنطقة خلال العقد الماضي مقتل 50 صحفياً، بما في ذلك جريمتا قتل دُبرتا على مستوى رسمي رفيع لم تتم مساءلة مرتكبيهما. وتعرِّف لجنة حماية الصحفيين حالات قتل الصحفيين بأنها تلك التي يُستهدفون فيها كانتقام مباشر منهم بسبب عملهم.

وفي أسوأ جرائم القتل صيتاً وسمعة، قام مسؤولون رسميون بقتل صحفيين بطريقة بدت وكأنها صُممت لتهزأ من فكرة العدالة، بحسب تقرير المنظمة. ففي أكتوبر 2018، قام مسؤولون في أجهزة الجيش والاستخبارات السعودية بقتل جمال خاشقجي وتقطيع أوصاله داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، وكان هذا الصحفي يكتب في صحيفة ’واشنطن بوست‘. وفي  ديسمبر 2020، أعدمت الحكومة الإيرانية الصحفي روح الله زم، محرر قناة ’آماد نيوز‘ على منصة ’تليغرام‘، بعد قيام عناصر استخباراتية باعتقاله في العراق. وكان كلا الصحفييِّن قد انتقد حكومته من خارج البلاد وغطى أخبار الاحتجاجات الداخلية وحركات الإصلاح المحلية.

ممارسات الاحتجاز والقتل من قبل جهات فاعلة من غير الدول

أصبحت الجهات الفاعلة من غير الدول، كالميليشيات، لاعباً بارزاً في الميدان السياسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقد أدى نشوؤها إلى مزيد من التهديد لحرية الصحافة. ففي عام 2014، استولى تنظيم الدولة الإسلامية والحوثيون، يقول التقرير، على مساحات واسعة في العراق وسوريا واليمن وأصبحتا سلطتين بحكم الأمر الواقع، مستفيدتين من الضعف الذي أصاب سلطة الدولة وحالة الفراغ في السلطة الذي انبثق عن النزاع المسلح.

طالع أيضا  المرأة وقيود الفقه المنحبس

وقامت الجماعتان أيضاً بإحكام قبضتيهما بشدة على وسائل الإعلام؛ فعلى سبيل المثال، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على القنوات الإعلامية في الموصل، بما فيها قناتا ’الموصلية‘ و ’سما الموصل‘، واعتقل الكثير من الصحفيين فيما أجبر كثيرين آخرين على العمل السري، وذلك لفرض تعتيم إعلامي بحكم الأمر الواقع. وقد انتهى المطاف بكثير من الصحفيين الذين تجرأوا على تقديم تغطية ناقدة لأي من الجماعتين بالسجن أو القتل. وحسبما وثّقت لجنة حماية الصحفيين، اعتقل الحوثيون عشرات الصحفيين اليمنيين، فيما حُكم على أربعة صحفيين بالإعدام وما زالوا في السجن.