بقلم: نبيلة الرغاي

تقديم

جعل الله تعالى العلم فريضة على عباده ذكرانا وإناثا، من خلال أدلة صريحة الدلالة ترفع من درجة العلم والعلماء، وتحث على التعلم وطلب العلم. يقول سبحانه: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُو مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (المجادلة، 11)، لذلك كان طلب العلم أحد أهداف بعثته صلى الله عليه وسلم وأهم وظائفه، لقوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (الجمعة، 2).

واستجابة للوحي لبّت المرأة إلى جانب أخيها الرجل ذلك النداء، فكانت نعم المتعلمة والمعلمة، تشوّفت لذلك الكمال الذي سما بهمتها وحرر إرادتها فكانت حاضرة حضورا فاعلا في البناء المجتمعي، حيث يشهد التاريخُ بتخرجِ العديدِ من كبارِ العلماءِ على يديها.

وتروم هذه الورقة الوقوف على أصول جهاد المرأة في التعليم، وتبيان أهميته في البناء الحضاري، من خلال مقاربةِ الحديثِ عن السؤالَين الموالِيَيْن: هل كان للمرأة حضور في جهاد التعليم؟ وما هي الرؤية التأصيلية والتجديدية لهذا الجهاد؟

وذلك من خلال المحاور الثلاثة الآتية:

1- التأصيل الشرعي لجهاد المرأة في التعليم.

2- دلالات مفهوم العلم في المنهاج النبوي.

3- نماذج من جهاد المرأة في التعليم عبر التاريخ.

أولا- التأصيل الشرعي لجهاد المرأة في التعليم

1- فريضة طلب العلم

أول ما نزل به الوحي قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (العلق، 1-5)، إشارة منه سبحانه إلى أن أساس الإيمان به وتمام عبادته؛ مبني على قاعدة طلب العلم، لكونه يجلي الفهم في العقول ويبعث الإرادة في السلوك، فهو الدافع لتغيير ما بالنفس لتشارك في التغيير الشامل، فعن أنس بنِ مَالِك قَالَ: قال النبيِّ صلى الله عليه وسلم: {طَلبُ العِلْمِ فَرِيضَة عَلَى كل مسلم}.

وجدير بالذكر في هذا السياق أن نشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حذر من زمنٍ يخلو من العلماء، دون وجود من يخلفهم في تدريس إرثهم العلمي وتبليغ أمانته فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَنتَزِع الْعِلْمَ انْتِزَاعًا مِنَ صدورِ النَّاسِ وَلَكِنْ يَقْبِضه بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يبق في الأرضِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا}.

لذلك اجتهد الصحابة الكرام في تعلم القراءة والكتابة ليتفقهوا في الدين، وحرصت الصحابيات كذلك على طلب العلم وحضور مجالس الوعظ والفقه في الدين، حتى أنهن طلبن من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخصص لهن يوما يعظهن فيه. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن)، وقالت سيدتنا عائشة رضي الله عنها: (نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)، وذلك لوعيهن بفضله في البناء والتغيير.

طالع أيضا  ذة. فرشاشي: السلوك الحقيقي يكون باستحضار معية الله وعبادته خوضا في معركة الحياة لا انعزالا عنها

2- فضل جهاد التعليم

من المعلوم في الدين بالضرورة أهمية العلم طلبا وعملا ونشرا؛ والنصوص في هذا الباب أكثر من أن تحصى، نذكر منها على سبيل المثال قول الله تعالى… تتمة المقال على موقع مومنات نت.