بقلم: محمد احدوش

   إننا نظلِم اللغة كثيرا عندما نُسمّي الأشياء بغير مسمياتها الحقيقية، فنُطلق ألفاظا وعبارات غير دقيقة على ممارساتنا الفردية أو الجماعية، نحاول من خلالها إكساب تلك الممارسات نوعا من المشروعية أو المقبولية لدى الآخرين، غير أن بنية اللغة تأبى ذلك التلاعب بصيغها ومفرداتها، وذلك حينما نرجع بالمفردات إلى صيغها الصرفية وأصولها الدلالية، ونُجري مقارنة بين معانيها الحقيقية والمعاني التي يراد لها أن تؤديها رغما عنها، لاسيما إذا تعلق الأمر بالأفعال والسلوكات العملية والملموسة في الواقع.

   مناسبة هذا الكلام حديثُ بعض المبررين لمشاركة رئيس الحكومة المغربية في حفل توقيع اتفاقيات التطبيع مع سلطات الاحتلال الصهيوني، بكون هذا الأمر إنما هو من مقتضيات الانخراط في المعمعان السياسي الذي يفرض أحيانا تقديم تنازلات أو الرضوخ لضغوطات والانحناء لها حتى تمر العاصفة، واصفين هذا السلوك بأنه “تدافُعٌ” سياسي، وفي هذا تلميح إلى سُنة التدافع التي جعلها الله من سنن الكون، وذكرها في محكم تنزيله، فقد قال سبحانه في سورة الحج الآية40 وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا، وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، وقال أيضا في سورة البقرة الآية 251 وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ، فالتدافع مفهوم قرآني يحيل على منهج في تدبير الاختلاف والصراع الأزلي بين الخير والشر، وبين الحق والباطل.

  بما أن التدافع بين الحق والباطل سُنة كونية لا بد منها لتحقيق التوازن الوجودي بين الأطراف المتصارعة في هذا الكون، فضلا عن كونه مفهوما يتكئ عليه من ينظّر للعمل السياسي من منظور إسلامي، فلننظر في بنية هذا المفهوم ومعناه. إن لفظة (تدافع) مشتقة من مادة (دَفَعَ) على صيغة “تفاعل” التي تفيد معنى المُشاركة في الفعل، فالتدافع فِعل لا يقوم به طرف واحد، بل لا بد من وجود طرفين أو عدة أطراف على أرضيتين مختلفتين، هذا يدفع هذا، وهذا يدفع هذا، ففي المعاجم اللغوية “تدافعَ القوم أي دفعَ بعضهم بعضا” (لسان العرب/ مادة دفع).

طالع أيضا  د. أمكاسو يستهل الجلسة الافتتاحية بشرح سياقات انعقاد المؤتمر وأهمية موضوعه (صور)

  انطلاقا من المعنى اللغوي والدلالة الصرفية لصيغة “تفاعَلَ” التي تدل على معنى المشاركة في الفعل، فإن التدافُع في الفعل السياسي يقتضي وجود قواعد تنظمه، كما يقتضي تكافؤا بين الأطراف المتدافعة، ليس تكافؤا في القوى ولكن في الفرص، وهو ما تتيحه مبادئ الديمقراطية من فصل للسُّلط واستقلال للقضاء واحتكام للقانون… من أجل أن تتحقق المشاركة في هذا الفعل.

 والحال أنّ ما يقع في المشهد الحكومي المغربي من أفعال لا تستجيب للدلالة الصرفية لمعنى التدافع، ولا تتجلى فيها معاني المشاركة، بقدر ما تمثل معنى آخر هو معنى “المطاوعة” التي تدل على الاستجابة والإذعان للفاعل الحقيقي.

  المطاوعة هي الصفة التي تنسجم مع السلوك السياسي للحكومة المغربية، أما فعل (التدافع) فهو يفيد المشاركة، وهي صفة غير متوفرة في هذا السلوك، ومن ثم فإن الفعل المناسب لما تمارسه حكومتنا وينسجم مع معنى المطاوعة هو فعل “التدحرُج”، وهو تتابعُ الشيء في نزولٍ، فالفعل “تدحرجَ” في العربية مزيدٌ من “دحرجَ” نقول: دحرجتُ الكرةَ فتدحرجت، أي طاوعتني واستجابت للفعل الذي قمتُ به، وفي المعجم “دحرجَ الشيءَ دحرجةً ودِحراجا فتدحرجَ أي تتابعَ في حُدورٍ” (لسان العرب/ مادة دحرج).

  ومن ثم فإن التدحرُج غير التدافع، فالتدافُع يقتضي الدفع، وهو فعل داخلي يقتضي قوة وصلابة وثباتا وإقداما، وهي صفات لا تتوفر في حكومتنا ولا في الأحزاب المشاركة فيها للأسف، أما التدحرُج فهو ردُّ فعلٍ تجاه قوة خارجية دافعة إما بقوة الأمر أو النهي أو التخويف أو الإغراء. وبطبيعة الحال، لا تتدحرج إلا الأشياء القابلة للتدحرج نزولاً نحو الهاوية مثل الكرة أو العجلة أو السياسي المنهزم.

   فلنحترم لغتنا يرحمكم الله ونسمي الأشياء بمسمياتها الحقيقية، فالتدافع غيرُ التدحرج يا مبرري التطبيع.

طالع أيضا  ذ. عبادي: الملكية والحكومة يتحملان مسؤولية قرار التطبيع.. ونقترح تغييرا جوهريا هذه ركائز ميثاقه